يا ساعيا لنفسه في المهالك دنا الرحيل ونِضْوُ النقلة بارك. متى تذكر وحشتك بعد إيناسك؟ متى تقتدي من ناسك بناسك؟ كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك، وانفردت عن عَدَدِك وعُدَدِك، وقتلك سيف الندم ولم يدك، ورحلت ولم يحصل بيدك إلا عض يدك.كأنك لم تسمع بأخبــار من مضى*** ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لا تـدري فتلك ديـارهم *** محاها مجال الريح بعدك والقطر

على ذاك مروا أجمعـون وهكــذا *** يمرون حتى يستردهم الحـشر

فحتام لا تصحو وقد قرب المــدى *** وحتام لا ينجاب عن قلبك السكر

بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا *** وتذكر قولي حين لا ينفع الذكريا من يذنب ولا يتوب! كم قد كتبت عليك ذنوب! خل الأمل الكذوب، فرب شروق بلا غروب. واأسفي! أين القلوب؟ تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا تؤوب، واعجبا! الناس ضروب.

متى تنتبه لخلاصك أيها الناعس؟ متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا ينافس؟ متى تذكر وحدتك إذا انفردت عن موانس؟ يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس! يا من تحدثه الأماني دع هذه الوساوس! أين الجبابرة الأكاسرة الشجعان الفوارس؟ أين الأسد الضواري والظباء الكوانس؟ أين من اعتاد سعة القصور؟ حبس من القبور في أضيق المحابس. أين الرافل في أثوابه؟ عري في ترابه عن الملابس. أين الغافل في أمله عن أجله؟ سلبه كف المخالس. أين حارس المال؟ أخذ المحروس وقتل الحارس.

يا مضمرا حب الدنيا إضمار الجمل الحقود! نبعث منقاش اللوم وما يصل إلى شظايا المحبة. الدنيا جيفة قد أراحت ومزكوم الغفلة ما يدري. سوق فيها ضجيج الهوى فمن يسمع المواعظ.علمتني بهجرها الصبر عنها *** فهي مشكورة على التقبيحإذا أردت دواء حبها فما قل في الشربة صبر. انفرد في صومعة الزهد، واحفر خندق الحذر، وأقم حارس الورع ولا تطلع من خوخة مسامحة فإن البغى في الفتى صناع.النجاء النجاء من أرض نجد *** قبل أن يعلق الفؤاد بوجد

كم خلي غــدا إليه وأمسى *** وهو يهوى بعـلوة وبهندحَصِّنْ حِصْنَ التقى بسور القناعة، فإن لص الحرص يطلب ثلمة. غريم الطبع متقاض ملح، والشره شرك، وخمار المنى داء قاتل. بينا الحرص يمد وتر الأمل انقطع. هل العيش إلا كأس مشوبة بالكدر ثم رسوبها الموت؟ “فابتغوا عند الله الرزق”(سورة العنكبوت، الآية 17).

قال محمد بن واسع رحمه الله: لو رأيتم رجلا في الجنة يبكي، أما كنتم تعجبون؟ قالوا: بلى. قال: فأعجب منه في الدنيا رجل يضحك ولا يدري إلى ما يصير.

ضحك بعض الصالحين يوما، ثم انتبه لنفسه فقال: تضحكين وما جزت العقبة، والله لا ضحكت بعدها حتى أعلم بماذا تقع الواقعة.يا نسيم الشمال بالله بلغ *** ما يقول المتيم المستهام

قل لأحبابنا فداكم محب *** ليس يسلو ومقلة لا تنـام

كل عيش ولذة وسرور *** قبل لقياكم على حــرامفَرَّغَ القومُ قلوبهم من الشواغل، فضربت فيها سرادقات المحبوب، فأقاموا العيون تحرس تارة، وترش الأرض أخرى. هيهات! هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بسمع الملك.

لابن المعتز:أيهـا الملك الذي سهري فيـه *** كطعم الرقــاد بـل هو أحلى

غرضـي ما يريـده بي حبيبي *** لو سقاني مهلا لمـا قلت مهلا

لست أدري أطــال ليلي أم لا *** كيف يدري بــذاك من يتقلى

إن للعاشقين في قصـر الليـل *** وفي طوله عــن النوم شغلا

لو تفرغت لاستطـالة ليــلي *** أو لرعي النجـوم كنت مخلا

وغرام الفؤاد مـذ غبـت عنه *** لم يحل عن هـواك حشي وكلاقلوب العارفين مملوءة بذكر الحبيب ليس فيها سعة لغيره.

قد صيغ قلبي على مقدار حبهم *** فما لحب ســواهم فيه متسعإن نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فلقربه، وإن ترحوا فلعتبه.والله ما طلعت شمـس ولا غربت *** إلا وأنت منى قلبي ووسواسي

ولا جلست إلى قــوم أحــدثهم *** إلا وأنت حديثي بين جـلاسي

ولا هممت بشرب الماء من عطش *** إلا رأيت خيالا منك في الكاسأقواتهم ذكرى الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة.حياتي منك في روح الوصــال *** وصبري عنك من سلب المحال

وكيف الصبر عنك وأي صبــر *** لعطشان عن الماء الـــزلال

إذا لعب الرجــال بكــل شيء *** رأيت الحب يلعب بالرجــالكم تدرس أخبارهم وما تدرس، لئن طواهم الفناء لقد نشرهم الثناء، لو سمعتهم في الدجى يعجون، لو رأيتهم في الأسحار يضجون، لولا نسائم الرجاء كانوا ينضجون.ما لي عن وصلك اصطبـار *** إليك من هجــرك الفــرار

أصبحت ظمـــآن ذا جفون *** ميــاه أخــلافها غــزار

أروم كتمـــان مــا ألاقي *** وبالأمــاقي له اشتهـــار

ومن نسيــم الصبا إذا مــا *** هبت على أرضـكم أغــار

آه لذكــرى ديـــار سلمى *** لا أجــدبت تلكم الديـــار

لهــفي لعيش بـها تــولى *** نظيــر أيــامه النضــار

إذ أعيــن الدهــر راقـدات *** وفي غضون الهوى ثمــار