الشعب الرهانإن حركة مجتمعية تغييرية حقيقية لا يمكن إلا أن تجعل في قلب اهتمامها ونصب عينها الرهان على كسب سند الشعب وتأييده في مختلف مراحل عملها وأطواره، وتقيم له الاعتبار اللازم وتقدره حق قدره، وإلا فمصيرها الفشل الذريع والعزلة عن الشعب، وأسوأ من ذلك التسلط عليه والجهل عليه وإجباره على الخضوع والاستسلام لأوامر المتسلط وتعليماته. يقول الأستاذ المرشد الحبيب عبد السلام ياسين حفظه الله: « واستعدادا لذلك(لمستقبل الإسلام) يلمّ جند الله طاقاتهم وجهودهم المتطوعة، ويضعونها في خدمة المستضعفين، في خدمة الشعب وهو مادتهم التي لا تنضب بعد تأييد الله، وسندهم على الأرض بعد سند الله» (المنهاج النبوي، ص200).

رهان قوي على الشعب بعد سند الله عز وجل والاستعداد الشامل لجند الله. فلماذا كل هذا الرهان على الشعب قبل القومة وبعدها؟ وما أهميته؟

1- قبل القومة: رهان على التغيير

يمكن اختزال مسألة الرهان على الشعب في التغيير قبل القومة في عنصرين أساسيين:

أ- تكثير السواد حتى تصير للدعوة هيبتها وكلمتها المسموعة:

وتلك سنة من سنن الله تعالى في التغيير في الأرض. قال المستكبرون من القوم لنبيهم شعيب عليه الصلاة والسلام لمّا قام يبلغهم أمر الله عز وجل: « يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز»(سورة هود، الآية91).

منطق المستكبرين هو منطق العدة والعدد لا منطق صلاح المجاهد وسموّ المبدأ وقوة الحجة.لا يحسب الأعداء ولا الخصوم للدعوة ورجالها حسابا إن هي ***وإن هم بقوا على الهامش في أعدادهم الهزيلة.لولا الجماهير معك التي تسندك وتدعمك… لو كنت حركة احتجاجية بدون قاعدة شعبية قوية لاضطهدناك ولقضينا على حركتك.

سنة الله تعالى لا تحابي أحدا: لا تغيير ولا بناء من دون قاعدة شعبية عريضة تسند الدعوة وتساندها وتحملها وتدفع عنها كيد الكائدين ومكر المتربصين.

لذلك فهمّ التوسع والتغلغل في الشعب بكل فئاته حاضر وبقوة في كتابات الأستاذ المرشد الحبيب. حرص قوي على توسيع قاعدة الدعوة. لكنه ليس أي حرص، بل حرص مقيد ومشروط. شرطه الرئيس اختيار رجال ونساء الدعوة واختبارهم باستمرار حتى يعطوا برهان صدقهم. وتظل المتابعة والمحاسبة قائمة قيام الجماعة المجاهدة حتى يبقى الصف معافى من الأمراض الأخلاقية والتنظيمية وحتى لا نسقط في منزلق”التجميع التكاثري” وخطر الغثائية المقنّعة.

وإن من فقر الأحزاب وبؤسها اضمحلال قواعدها وعزوف الشعب عنها بما كسبت أيديها من زور وخيانة وكذب. ضعف تفسره تارة هذه الأحزاب وبعض العقول الصغيرة ممن يوصفون بالباحثين والمفكرين السياسيين والاجتماعيين والنفسيين باستغلال الإسلاميين لفقر وجهل الشعب المستضعف وهو ما يكذبه الإقبال القوي للمثقفين وللطبقات المتوسطة وحتى الميسورة على الصحوة الإسلامية عامة والحركة الإسلامية خاصة، وتارة باستغلال الإسلاميين للمخزون الديني للشعب وتبني الخطاب العاطفي والديماغوجي للاستقطاب والدمج السياسي بكاء على عزلتهم الكئيبة عن الشعب وتبريرا لفشلهم في التواصل معه ودعوته وتعبئته.

من سمات الفكر البائس والإيديولوجيات الخربة إلقاء اللائمة على الخصم والعدو عند الفشل، والبحث عن تبريرات جانبية بدل العودة إلى الذات مساءلةً وانتقادا وبحثا عن بدائل ومخارج. أم يا ترى لا يكون الحزب حزبا ولا النضال نضالا ولا الشعب شعبا إلا إذا كان بعقيدتي أنا وفكري أنا وفهمي ومنهجي؟!

ويا للوقاحة والاستعلاء القذر البغيض عندما ينعت الشعب ويقذف بأحطّ الأوصاف من طرف “المناضلين”، يساريين ويمينيين، حين يضع يده في يد الإسلاميين ويمنحهم ثقته العريضة الساحقة كما حدث في الجزائر الجارة وفلسطين الجريحة وتركيا الأبية المقبرة بحول الله وقوته لصنمية أتاتورك وردّته.

قالوا عنه في هذه الأقطار، وسيقولون عما قريب إن شاء الله في أخرى، ولا يضيرنا نعيقهم ولا سفالاتهم: لا زال الشعب لم ينضج بعد… ما كان للحكومات أن تعطيه حق وحرية الاختيار… وقالوا أيضا، ولبئس ما قالوا، شعب غوغائي ويحب الغوغائية وينساق وراء الغوغائيين… وقالوا أيضا: صوتوا على الظلام، أقبروا الديمقراطية، أهلكوا أنفسهم والبلاد!!

لا يطيق “الديمقراطيون” أن يختار الشعب غيرهم وهم من تفضلوا عليه وأنعموا بالديمقراطية وحق الانتخاب وحرية الاختيار فينهالون عليه بالتنقيص والشتائم. شعب منكر للجميل. كيف يصوت على غيرنا؟!

وما نقول نحن إن بخل الشعب عنا يوما بثقته وصوت لغيرنا؟ اسمعوا يا فضلاء ويا سفهاء، يا حماة اللاييكية و”حراس الديمقراطية”! اسمعوها من “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”عالية مدوية ومسؤولة حكيمة فحرصنا على الحق والمصداقية أكبر وأجلّ من حرصنا على الفوز في المبارزات السياسية واعتلاء مقاعد المسؤولية والقرار بأي ثمن، اسمعوا:« فإن حدث أن اختار الشعب في هذا القطر أو ذاك، في هذه المرحلة أو تلك، أن يسير مع الديمقراطيين رجعنا إلى أنفسنا نتهمها بالتقصير في التعريف بما هو الحكم الإسلامي، واتخذنا وسائل تتيحها الديمقراطية النظيفة ولا يتيحها الاستبداد لكي ننبسط للناس ونشرح للناس ونخالط الناس حتى يعرفونا على حقيقتنا ويعرفوا الديمقراطيين على حقيقتهم» (ص 59).

شتان ثم شتان بين من يحاكم النيات ويصادر الحريات ويستخف بخيارات الشعب ومن يرحب بالاختلافات ويتهم الذات ويحترم الخيارات!!

ب- تشكيل الموجة العارمة:

الموجهة العارمة هي وسيلة الدعوة الحاسمة والتاريخية في التغيير بعد مسار طويل من التربية الإيمانية والتعبئة الشاملة والجهاد الطويل المستميت.

إيقاظ الشعب وتوعيته إنما هدفه تجميعه من شتات واستجماع قواه من ضعف حول رجال الدعوة وقيادتها الربانية ليشكل قوة عريضة عميقة ضاربة تهب في الحين المناسب بإذن ربها في موجة شعبية عارمة لتقويض الظلم والفساد. يقول الأستاذ المرشد الحبيب: « أثناء القومة ننزل مع الشعب إلى الشارع، نقوّض الباطل إن لم تفتح لنا أبواب المنافسة السياسية لنصل إلى الحكم عن طريق ممارسة الشعب حقه في اختيار حكامه. وقد أعطت قومة المسلمين في إيران النموذج، حيث واجه الشعب الأعزل قوى الطاغوت ومدافعه ودباباته بالصدور العارية، حتى انتصر الحق وزهق الباطل» (المنهاج النبوي، ص309).

لب هذه الموجة العارمة ومحركها هو الغضب على الاستضعاف المزدوج: استضعاف في الدين يؤججه الجهاد في سبيل الله غضبا على إقصاء دين الله تعالى من الحياة العامة والخاصة والاستهتار به والتمويه به والتعتيم على الفقراء والمستضعفين. واستضعاف في العيش يؤججه الجهاد في سبيل المستضعفين غضبا على الظلم البغيض والطبقية الفظيعة والترف الفاحش. يقول الأستاذ المرشد الحبيب: « مستضعفون نحن في ديننا. وعن هذا يتفرع الاستضعاف الاستعماري الاقتصادي، الثقافي، الحضاري، العسكري، الاحتلالي. والمستكبرون هم صهيون الغرب والشرق الجاهليان. وحلفاؤهم من بيننا من حكام الجبر، ودهاقنة الرأسمالية وسماسرة الأعداء.

لغة الخبز اليومي والأجور، والصحة، والسكن، والمدرسة، والكرامة، تفصل كل هذا لرجل الشعب المستضعف القاعدي، تفسر له لم يجب أن يغضب، وكيف ومتى، ومع من» (المنهاج النبوي، ص372).

لب الموجة الشعبية العارمة ومحركها الغضبة المضرية على الاستضعاف بشقيه الدنيوي والأخروي. وشرط نجاحها وضمانته القوة العددية الهائلة المنظمة المنضوية تحت لواء القيادة الربانية الحكيمة لئلا تتحول القومة المباركة إلى ثورة طائشة وفوضى مخربة ف:«(…) الفوضى وانفلات الغرائز خطر يهدد الحركة إن قاد الصف غير الأقوياء الأمناء.

قومة محكمة، محكومة، مملوكة، موجهة وجهة الحق لا وجهة الغضب والانتقام» (المنهاج النبوي، ص372).

« وهذا- يضيف المرشد الحبيب- يريد جهادا أكبر سابقا ومواكبا ولاحقا: جهاد النفس وتربيتها» (المنهاج النبوي، ص372).

جهاد النفس وتربيتها تربية إيمانية. عود على بدء. عود إلى لب مشروع الجماعة وعمقها وصمّام أمان قيامها ونجاحها واستمرارها سواء تعلق الأمر بالفرد أو الجماعة، أو الشعب أو الأمة، أو كل مجالات الشأن العام من سياسة واقتصاد وتعليم …

التربية ابتداء وانتهاء. التربية عامل حاسم وشغل شاغل وإلا كان عملنا هواء في هواء ونفخا في رماد.