1- استهلال.إن مستند القول بالسؤال عن حزب الاستقلال عوض حكومة الاستقلال دستوري وعرفي واقعي؛ مقتضاه أن الحكومة حكومة الملك وليس حكومة الحزب الفائز بالأغلبية “المقاعدية” أو البرلمانية أو بنسبة الأصوات. ولذلك فإن الجواب ينبغي أن يكون حول السؤال عن اختيار الحزب وليس عن تشكيل الحكومة.

إن هذا السؤال يفرض نفسه لما تتميز به العملية السياسية في المغرب من تعقد بالغ استطاع من خلاله مهندسو السياسة الرسمية أن يجعلوا من عناصرها أرقاما وألوانا ضمن خيارات النظام/الدولة عوض أن تكون مشاريعا تتنافس ضمن فضاء الحرية.

فالجواب ينبني على مسلمتين ناظمتين للعمل السياسي المغربي الحديث:

أما الأولى، فبعد أن كانت الداخلية تتدخل في تفاصيل المقاعد وأسماء الفائزين وانتماءاتهم اضطرت إلى التراجع، بحكم المتغيرات المحلية والدولية، إلى الاحتفاظ الصارم بالهندسة العامة للخريطة البرلمانية والحزبية بمعيار ضابط التوازن السياسي الضروري للحفاظ على هدوء وتوازن النظام السياسي في المغرب. وهذه الهندسة إذا اقتضت الضغط على أحزاب للتراجع عن ترشيح بعض أعضائها في دوائر معينة كان تدخل الداخلية ضروريا، أو لإقصاء البعض الآخر كان كذلك تصرفها المباشر ضروريا. وهي الإشارة التي لم يدركها حزب العدالة والتنمية إلا بعد جلسة الملك مع زعماء الأحزاب الفائزة بالمراتب الأولى بعد الانتخابات.

وأما الثانية، فهي أن البنية الحزبية في المغرب ضعيفة أمام قوة القصر وصلاحيات الملك الدستورية والعرفية والمعنوية، مما جعل جميع الأحزاب مجرد أدوات سياسية ضمن قواعد العملية السياسية العامة في المغرب طوعا أوكرها. بل أكثر من ذلك، ما هي إلا أدوات برنامجية خلال الفترة الحكومية، في حين أن القضايا الاستراتيجية والمصيرية يتحكم فيها القصر إن عبر الصلاحيات الدستورية أو عبر إنشاء هياكل ومؤسسات معينة للقيام بالمهمة وفق تصور القصر وليس وفق عملية تشاورية بين المكونات الأساسية في البلاد في فضاء يحتضنه الشعب وعيا ومشاركة ومتابعة ومحاسبة.

وما يبنى على هاتين المسلمتين أن فعالية الأحزاب إنما ترجع إلى ضرورة سياسية كامنة في دورها التوازني المهم بالنسبة للنظام السياسي. وهو ما يعني أن قراءة إنشاء الحكومة، أية حكومة في المغرب، لا يرجع إلى قواعد التنافس البرنامجي المغيبة في مغربنا بقدر ما يرجع إلى ما أسميه بالقواعد النظامية الناظمة “للحياة” السياسية في المغرب المقررة بمنطق الاستبداد والتحكم في كل المجالات والمسارات وفق وعي استراتيجي نظامي لا مستند له ضمن القواعد الديمقراطية والتشاورية، الأمر الذي يؤهل القصر للتحكم الدائم في الهندسة العامة للخريطة البرلمانية دون مفاجآت مربكة.

إن هذه القواعد النظامية تعتبر حقيقة فوق الدستور، بل هي أساسه وروحه، ومن ثمة فإن أي تغيير دستوري لا يتحرر من قبضة هذه القواعد سيبقى شكليا وثانويا وخادما لها في آخر المطاف، أي ما هو إلا تكريس للواقع بناء على حاجة القصر في الباب.

إننا إزاء خبرة كبيرة في هندسة الخريطة البرلمانية لم تسمح إلا بصناعة الفسيفسائية والانشطارية الحزبية والمجتمعية والتمثيلية، وهي أكبر معضلة تصورية وحركية أمام تقدم الحقل السياسي المغربي في اتجاه تكريس واقع الحرية السياسية المطلوبة والاختيار الحر الباني.

فلاشكّ أن حزب الاستقلال فوجئ بنتائج الانتخابات كما فوجئ بتعيين السيد عباس الفاسي وزيرا أولا، لأن الركود السياسي الحزبي كان لا يسمح بمثل هذه المفاجأة، لكن الحقيقة أن الظرفية التي يعيشها المغرب وما هو مقبل عليه من إجراءات سياسية نظامية يقتضي ضرورة أن يكون حزب الاستقلال صاحب الموقع الأول، ولا حرج في أن يكون أمينه العام هو رئيس الحكومة ولو لفترة قد لا تصل المدى الزمني القانوني المسطر لها؛ فهي في آخر المطاف ليست حكومة أغلبية حزبية، ومن ثمة فكلما اقتضت الضرورة التخلص منها كان ذلك دون أي انعكاسات مربكة.

وعليه، فإن الظرفية الحزبية والسياسية العامة، فضلا عن المرحلة، كما يتصور مضمونها القصر، تقتضي أن يكون صاحبها حزب الاستقلال في المرتبة الأولى وأمينه العام رئيسا للحكومة، لكن لماذا هذا الحزب وليس غيره؟

2- الخصائص الداعمة لحزب الاستقلال.أ- خاصية تنظيمية.

تميز حزب الاستقلال، منذ خروج الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من صلبه، بالاستقرار النسبي والضروري التنظيمي، إذ لم يعرف أي انشقاق عمودي قد يؤثر على مدى وحجم القوة التنظيمية التي تمتع بها تاريخيا. ومرجع ذلك إلى عاملين هامين:

– بنية الحزب التنظيمية المتميزة بدور هام لما يسمى في بنائه التنظيمي بالمفتشية حيث تشكل قطبه التنظيمي لما لها من أهمية قصوى في الحفاظ على هذا البناء. وهو ما جعل كل المغادرين للحزب أفرادا أو مجموعات على صورة من الضعف السياسي والتنظيمي والهيكلي والحركي لسببين، دون أن نغفل أن خروج حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من صلب حزب الاستقلال ليس انشقاقا بقدر ما هو انفصام بين منطقين مرجعيين لا يجتمعان إلا في حالة تقارب المصالح إلى حد المصلحة الواحدة كما هو الشأن مع المطالبة بالاستقلال مثلا، أو كما هو الشأن مع ما سمي بالكتلة التاريخية في السبعينات والتسعينات.

والسببان في تميز الحزب التنظيمي هما:

الأول: أن حزب الاستقلال حاول الحفاظ على امتداده الوطني من خلال إجراءين هامين:

– الاحتفاظ باسم الحزب: “حزب الاستقلال” مع الحفاظ على تواصل منبره الإعلامي الأصلي بقيادة أسماء وازنة في الحزب ومخلصة لمبادئه على الرغم من الفترات العصيبة التي مرت منها جريدة العلم سياسيا وماديا.

– إنشاء موقع معنوي وسياسي قيادي لجل رجالات الحزب ساهم في الحفاظ على الرصيد الوطني بدرجة ما داخل هياكل الحزب، إذ مهما وصل سن القيادي في الحزب يبقى له دوره الاعتباري والقيادي والاستشاري، فمازال رئيس الحزب هو علال الفاسي، ومازالت جل القيادات كبيرة السن تحتفظ بعضويتها في مجلس الرئاسة، مما وفر حصانة معنوية ورمزية لدى جميع أعضاء الحزب، خاصة أن لهؤلاء القيادات رصيدا وطنيا نظيفا.

والثاني: أن حزب الاستقلال الحزب الوحيد القوي والمتماسك المخلص للنظام الملكي، فإذا كان هناك شيء في الوجود يمكن أن يقاتل لأجله حزب الاستقلال بالسلاح هو النظام الملكي ووحدة التراب الوطني. وهو ما يؤهله للثقة الملكية المطلقة. وهذه الثقة يحتاج لها في اللحظات الحرجة أو عند أي مرحلة انتقالية تطلب نوعا من التوازن الانتقالي.

والحقيقة أن الملك لا يمكن أن يسلم ثقته الكاملة لأي حزب اشتراكي، ربما يثق في بعض عناصره لكن لا يثق في حركة الحزب العامة، كما أن بعض الأحزاب، وإن كانت مخلصة للنظام الملكي، فإن ترهلها التنظيمي ومستندها الوطني والمرجعي وأفقها الفكري لا يخولها احتلال المكانة التي يحتلها حزب الاستقلال ضمن عمليات التوازن الكبرى، وهو ما لم تفهمه العائلة الحركية فصعدت من مطالبها تجاه تشكيل الحكومة حتى جاءت الإشارة الواضحة من القصر فسكتت العائلة ورضيت بالقسمة، كما أن حزب العدالة والتنمية لا يمكنه أن يحوز الثقة الكاملة للملك؛ فهو حزب حديث على الرغم من استناده الحزبي على رصيد السيد الخطيب، ومن ثمة فمازالت تنتظره أدوار ومواقف سياسية ومجتمعية حادة سيختبر فيها من حيث مدى استعداده الكامل لخدمة النظام الملكي دون تحفظ، وستختبر مع هذه الأدوار جميع مواقفه المعلنة، فضلا عن اختبار مدى تماسكه التنظيمي والمرجعي والسياسي.

إن لحزب الاستقلال رصيده التاريخي الذي إن عارض فيه خيارات الملك في لحظات ما فإنها لا تخرج عن إطار إخلاصه للنظام الملكي ولشخص الملك ولقضية التراب الوطني، بل جعلته بعد ذلك قوي المصداقية لدى الملك.

إن الخبرة في هندسة الخريطة السياسية الحزبية والبرلمانية في المغرب اقتضت فوز حزب الاستقلال، وهي مرحلة من مراحل اشتغال القصر على التخلي الجزئي والضروري عن أدوار أحزاب تشكلت في ظروف سياسية معينة ولم تستطع أن تبرهن عن مدى تطورها السياسي والحركي، مما أصبح عامل تخلف في العملية السياسية في المغرب، إذ مع هذا الواقع الحزبي الراكد فإن الواقع الحركي المحلي والدولي في حراك حاد وسريع ومتنوع، مما فرض على القصر تمريض المرحلة الانتقالية، كما تصورها وتصور مضمونها، على قواعد من التدرج تؤدي إلى نتيجتين أساسيتين؛ أما الأولى فهي التخلص الهادئ من التركة السياسية التي خلفها عهد البصري والحسن الثاني، رحمهما الله وغفر لهما. وأما الثانية فهي تهيئة جيل جديد عقلاني كفء وله خبرة في مجاله وتخصصه، لكنه يشكل النموذج المطلوب من حيث العلاقة الولائية مع القصر مرجعيا ونفسيا وعاطفيا وثقافيا وسياسيا وفكريا مع اندماجه الكلي في المنظومة الدولية السائدة اليوم ليكون جيل العهد والمرحلة. وفي هذا الإطار كان نزول عالي الهمة ودخوله مباشرة البرلمان وهيمنته على الخراجية البرلمانية نظرا لأن هذا الجيل ما زال يفتقر إلى الرصيد المطلوب في العلاقات الخارجية العامة لتحصيل الثقة الدولية الضرورية والمصيرية.

نعم، إن حزب الاستقلال ليس هو حزب المرحلة، ولكنه الحلقة الضرورية فيها والمؤهلة للانتقال إلى هيمنة الجيل الجديد؛ جيل العهد الجديد المشكل من خلال استقطاب العناصر المناسبة داخل الأحزاب التقليدية الموجودة واستقطاب عناصر مجتمعية وسياسية جديدة فضلا عن التي خضعت للتكوين في عواصم أمريكا وكندا وغيرها من المدارس الموجهة للجيل الجديد في العملية السياسية مع العهد الجديد.

وهو الجيل الذي ستكون له الريادة بعد حكومة 2012 أو حتى قبلها إن اقتضت الضرورة وتوفرت الشروط المطلوبة.

إننا إزاء تحول هام في البنية الحزبية والسياسية في المغرب لا بد من الانتباه إليها لأجل توجيه عملية الصراع والتدافع السياسي والمجتمعي في المغرب.

فسيكون صراعا وتدافعا حادين، لأنه يختلف عن الصراع مع حكومة التكنوقراط، أو حكومة الأحزاب التقليدية التي لم تتخلص من منطق صراعي متخلف، ذلك أن جيل العهد الجديد سيكشف، اضطرارا، عن مرجعيته الحقيقية التي تؤطر أعماله وأفعاله في كافة الحقول والمجالات، وسيدفع أكثر إلى الاندماج في المنظومة السائدة التي تتميز بهيمنة العقلية الصهيونية الصليبية الاستعمارية، كما سيدفع في اتجاه التطبيع المعقلن مع الكيان الصيهوني ويسرع به.

وهو ما ستكون له انعكاسات شديدة الأثر على الواقع السياسي والمجتمعي في المغرب.

إن عدم تأهل القوى الصادقة لهذه المعركة في شتى المجالات سيجعلها في موقع متخلف سياسيا وحركيا ونضاليا، وهو ما سيحسم الأمر لصالح خيار الاندماج السلبي الكلي في منظومة معادية لكل قيم السلم والتعاون والتكامل والتضامن الإنساني.

إننا إزاء مرحلة عصيبة تتشكل بهدوء وبرعاية قوى الاستكبار، وهي تحتاج إلى وعي سياسي استراتيجي قادر على توفير آليات المقاومة العاملة على ضرورة استكمال شروط التحرير والاستقلال.

ولعل هذا ما يدعو إلى الحديث عن الخاصية الثانية لحزب الاستقلال.

ب- خاصية مرجعية.

إن مرجعية حزب الاستقلال تشكلت من خلال معطيين:

الأول: إسلامي وطني: حيث شكلت شخصية علال الفاسي المكون الأساسي للدلالة المرجعية الإسلامية والوطنية السياسية لحزب الاستقلال.

وقد كانت فترة الاستعمار عنصر تكريس وتزكية وإبراز لقيمة هذه المرجعية في مسيرة حزب الاستقلال خصوصا والحركة الوطنية عموما.

والثاني: ولائي خالص للنظام الملكي، وهو ما جعله حزبا متماسكا مرجعيا، على الرغم من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها، وكذا على الرغم من الحرب التي تعرض لها من جهة التشكيلات اليسارية المغربية بكل أطيافها وألوانها.

لكن الظروف السياسية التي مرّ منها حزب الاستقلال دفعته إلى ارتكاب أخطاء جسيمة ساهمت في تقلص دوره السياسي والمجتمعي، ونذكر منها هنا أهمَّها ليتبين أن حزب الاستقلال في موقع حرج يجعله أمام خيارين كبيرين. فمن الأخطاء:

– عجزه عن إدارة عملية الصراع مع خصومه بعد الاستقلال، وقد نسبت له عمليات قتل واغتيال ما زالت غامضة إلى حدّ الآن وتشكل ثقلا مؤرقا للحزب.

– عجزه عن تطوير المفاهيم الأساسية التي شكلت مرجعيته والتي صاغها علال الفاسي رحمه الله، مما جعلها تضمحل إلى درجة ذوبانها أمام هجوم الفكر الاشتراكي والماركسي، كعلاقة حزب الاستقلال بالإسلام وبالشريعة، وكذا عدم تطوير وتفعيل مفهوم التعادلية مما جعله عرضة للضياع حيث أن دلالاته لم تعد قادرة على الحفاظ على وظيفته الحركية الوطنية الشاملة بحيث تحول إلى مجرد حزب سياسي له رصيد وطني. وهو ما قلص من “تموقعه” السياسي والمجتمعي.

فقد كان حزب الاستقلال أولى الأحزاب باحتضان كثير من فعاليات الحركة الإسلامية وتجديد حركية الإسلام في الواقع المغربي، لكن تحوله إلى حزب سياسي فقط جعل منه مجرد أداة سياسية وطنية وليس حركة شاملة وعامة تجديدية، وهو الأمر الذي انتبه إليه الزعيم علال الفاسي أواخر عمره.

إن هذه الأخطاء الاستراتيجية دفعت عمليا حزب الاستقلال إلى التقوقع والترهّل، وهو ما يجعله اليوم لونا من ألوان الحقل السياسي وكفى، قد تتجاوزه العملية السياسية جملة لكونه ركد ركودا قاتلا.

-وهناك أخطاء جزئية عند تكلف كثير من وزرائه في الحكومات. كما أن هناك أخطاء كثيرة في تعاطيه مع مستجدات الحقل السياسي المغربي، مع الانتباه إلى أن الحزب تعرض لحرب ضارية من طرف خصومه السياسيين، وقد يكون هذا عامل تركيزه على المعارك السياسية والفكرية الجزئية مما حال دون قدرته على تطوير اشتغاله الكلي على مرجعية تجديدية تصنع موجة عامة داخل المجتمع المغربي وتحافظ عليها.

إننا نخلص من هذا التحليل إلى أن أدوار الأحزاب التقليدية لم تعد مقبولة مع العهد الجديد، وقد طالبها الملك مباشرة عند تقلده الحكم بضرورة إعادة النظر في نفسها لتلائم نفسها مع مطالب العهد الجديد. لكن تبين أن هذه الأحزاب لا تملك آليات قادرة على صناعة واقع تجديدي مناسب في بنيتها التنظيمية والمرجعية والسياسية والحركية، مما سيجعلها في درجة متخلفة ضمن العلمية السياسية العامة، في حين ستتقدم قوى جديدة مصنوعة وفق تصور القصر ومهندسيه الكبار. ومن ثمة فإن فوز حزب الاستقلال ليس مفاجأة ولا جديدا، وإن تعيين عباس الفاسي ضرورة سياسية مرحلية ستنتهي فور اكتمال شروط الانتقال من المرحلة التي كانت ضرورية بالنسبة للقصر، حيث تم تمريضها اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا، وقد آن الأوان ليكتمل شقها السياسي ليتأهل العهد الجديد لمرحلة ما بعد انتخابات 2012 في أبعادها المحلية والدولية، وهو ما يعني أن المضمون السياسي والمرجعي للعملية السياسية سيخضع لتحول معين، وإذا لم يحصل الانتباه إليه ستجد أغلب القوى نفسها تخوض معارك في غير محلها وسياقها.

إن خيار المقاومة والممانعة سيخضع لاختبار هام فيما هو مقبل من السنوات، لكن الموفق من وفقه الله فاختار الاختيار المناسب لأجل استكمال شروط التحرير والاستقلال للشعب المغربي.

أما الخياران المتبقيان لحزب الاستقلال لئلاّ تنطبق عليه قاعدة التجاوز السياسي ويصبح ركاما من ركام السياسية المغربية، فهما:

1- إما أن يراجع علاقته مع مرجعيته الإسلامية، ويجدد في فهمها ويحدث ثورة كبرى في صفوفه، خاصة أنه مازال يحافظ على جل قياداته التاريخية، مما يعني أن السؤال مطروح على هذه القيادات: هل تملك الكفاءة المؤدية إلى تأطير وتفعيل هذه العلمية الضرورية.

ولاشك أن هذه المراجعة الجذرية ستدفع به إلى معالجة أدائه خلال أكثر من نصف عقد من العمل السياسي والحركي، كما ستدفع به إلى إجراءات تنظيمية وفكرية وتربوية هامة ستغير من موقعه ضمن الواقع السياسي والمجتمعي. ومن مقتضيات هذه المراجعة أن يصغي لتجربة الحركة الإسلامية ويستمع لمطالبها الحقيقية. ويبدو أن هذا الخيار صعب، وقد يكون مستحيلا.

2- أن يسلم تسليما كاملا لقواعد اللعبة الجديدة ليخرج من الحكومة منهوك الجسم ضعيف الأداء مرتكبا لأخطاء ومرتبك الحركة، وهو ما سيحتم عليه الرضى بموقع ثانوي ضمن العملية السياسية في المغرب يحرك فيها بحسب الحاجة والضرورة من جهة القصر بما هو عنصر توازن وليس حزبا عتيدا.

إن الشعب المغربي ينتظر من الأحزاب التي شكلت رصيده الوطني في لحظات عصيبة من تاريخه أن تنهض نهضة شاملة وتستجيب لمطالبه الكامنة في ضرورة الوعي بأنه شعب ما زال في حاجة إلى من يتحمل المسؤولية التاريخية لاستكمال شروط التحرير والاستقلال، ويقاوم مشاريع المسخ والهيمنة والتسلط والاستعمار. ودون ذلك، فإن التاريخ لا يرحم وسننه لا تُهدم.