ويقولون: لعلَّه نَدِم ولعله قَدِم، فيلفظون بما يشتمل على المناقضة ويُنبئ عن المعارضة، ووجه الكلام أن يقال: لعلّه يفعل أو لعلَّه لا يفعل؛ لأنّ معنى لعلَّ التوقع لمرجُوّ أو لمخُوف، والتَّوقّع إنما يكون لما يتجدّد ويتولَّد لا لما انقضى وتصرّم.

ويقولون في التعجّب من الألوان والعاهات: ما أَبْيَضَ هذا الثوب! وما أعوَر هذا الفرس! كما يقولون في التّرجيح بين اللّونَين والعَوريْن: زيد أبيض من عمرو، وهذا أَعور من ذاك؛ لأن العرب لم تَبْنِ فِعْلَ التَّعجب إلا من الفعل الثلاثيّ الَّذي خصَّته بذلك لخفَّته، فمن أراد أن يتعّجب من شيء منها بَنَى فعل التَّعجُّب من فعلٍ ثلاثيٍّ يطابق مقصوده من المدح أو الذم، ثم أتى بما يريد أن يتعجّب منه كقولهم: ما أحْسَن بياضَ هذا الثوب! وما أقبح عَوَرَ هذا الفرس!

ويقولون: امتلأَتْ بطنُه، فيؤنّثون البطن، وهو مذكر في كلام العرب، بدليل قول حاتم الطائي:فإنّك إن أعطَيْتَ بطنَك سُؤْلَهُ * وفَرْجك نالاَ مُنْتَهى الذّمّ أَجمعاويقولون: فعلتُه لإحازة الأجر، والصواب أن يقال: لحيازة الأجر، بدليل أن الفعل المشتق منه حاز، ولو كانت الهمزة أصلاً في المصدر لالتحقت بالفعل المشتقّ منه. فلما قيل في الفعل: حَازَ عُلِم أنّ مصدره الحيازة مثل: خاط الثَّوب خياطةً، وصاغ الخاتم صياغةً، وحاد عن الحرب حيادةً.

ويقولون للخبيث الخَلَّة: ذاعرٌ، بالذال المعجمة، فيحرِّفون المعنى فيه؛ لأنَّ الذاعَر هو المُفْزِع لاشتقاقه من الذُّعر، فأمّا الخبيث الخلة فهو الداعر، بالدال المهملة لاشتقاقه من الدّعارة وهي الخبثُ.

وقولهم: قَلْبٌ متعوب، وعمل مفسود، ورجلٌ مبغوض، ووجه القول أن يقال: قَلْْبٌ مُتْعَب، وعمل مُفْسَد، ورجل مُبْغَض؛ لأنّ أُصول أفعالِها رباعية، ومفعول الرباعيّ يبنى على «مُفْعَل» فكما يقال: أُكْرِم فهو مُكْرَم، وأُضْرِم فهو مُضْرَم.

ويقولون: انْضَاف الشيء إليه وانْفَسَد الأمر عليه، ووجه القول أن يقال: أُضيفَ الشّيءُ إليه وفَسَدَ الأمرُ عليه؛ والعلَّة في امتناع «انفعل» منهما أنّ مبني فعل المطاوعة المصوغ على «انفعل» أنْ يأتيَ مطاوع الثلاثية المتعدّية كقولك: سكبته فانسكب، وجذبته فانجذب، وقدته فانقاد، وسُقْته فانساق، ونظائر ذلك، وضاف وفَسد إذا عُدِّيا بهمزة النقل فقيل: أضاف وأفسد صارا رباعيين؛ فلهذا امتنع بناءُ «انفعل» منهما.

ويقولون للمأْمور بالبرّ والشَّمّ: بِرَّ والدك بكسر الباء، وشُمَّ يدك بضم الشين. والصواب أن يُفتحا جميعا لأنهما مفتوحان في قولك: يَبَرّ ويَشَمّ، وعقْد هذا الباب أَنْ حركة أوّل فعل الأمر من جنس حركة ثاني الفعل المضارع إذا كان متحركا، فتفتح الباءَ في قولك:بَرّ أباك لانفتاحها في قولك: يبَرُّ، وتضمّ الميم في قولك: مُدّ الحبل لانضمامه في قولك: يمُدّ، وتكسر الخاءُ في قولك: خِفَّ في العمل لانكسارها في قولك: يَخِفّ.

ويقولون: فلان أشَرُّ من فلان، والصواب أن يقال: هو شرٌّ من فلان بغير ألف. كما قال الله تعالى: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم) (سورة الأنفال، الآية: 22).

ويقولون: هَبَّت الأَرْياحُ، مقايسةً على قولهم: رياح، وهو خطأ بيِّن ووهْم مستهجَن، والصواب أن يقال: هبَّت الأرواح. والعلة في ذلك أنّ أصل ريح رِوْح لاشتقاقها من الروح، وإنما أُبْدلت الواو ياءً في ريح للكسرة التي قبلها، فإذا جمعتْ على أرواح فقد سَكَنَ ما قبل الواو وزالت العلّة التي تُوجب قلبَها ياء؛ فلهذا وجب أن تعاد إلى أصلها كما أعيدت لهذا السبب في التَّصغير فقيل: رُوَيْحة.

ويقولون: هذه كبرى وتلك صغرى، فيستعملونهما نكرتين، وهما من قبيل ما لم تنكِّره العربُ بـحال، ولا نطقت به إلا معرّفا حيثما وقَعا في الكلام، والصّواب أن يقال فيهما: هذه الكُبْرى وتلك الصُّغْرى.

ويقولون لمن أخذ يميناً في سعيه: قد تَيَامَنَ، ولمن أخذ شمالا: قد تَشَاءَم، والصَّواب أن يقال فيهما: يامَنَ وشَاءَم، وأن يقال للمسترشد: يامِنْ يا هذا وشائِمْ، أي خُذْ يمينا وشمالا.

ويقولون في جمع أرض أراضٍ، فيخطئون فيه؛ لأنّ الأرض ثلاثية، والثلاثي لا يُجمع على أفاعل، والصواب أن يقال في جمعها: أَرَضون بفتح الراء، وذلك أن الهاءَ مقدّرة في أرض فكان أصلُهما أَرْضَة وإن لم يُنطَق بها.

ويقولون: هم عشرون نفراً وثلاثون نفراً، فيوْهَمون فيه؛ لأنّ النّفر إنما يقع على الثلاثة من الرِّجال إلى العشرة، فيقال: هم ثلاثة نفر، وهؤلاء عشرة نفر، ولم يُسْمَع عن العرب استعمال النَّفَر فيما جاوز العشرة بحال.

ويقولون في جمع حاجَة: حوائج، فيوْهَمُون فيه، والصواب أن يُجمع في أقل العدد حاجات، كقول الشاعر:وتُخْرج الحاجاتُ يا أُمَّ مالِكٍ * كرائمَ من ربٍّ بهِن ضَنينويقولون لما يكثر ثَمنُهُ: مُثْمِن، فيوْهَمون فيه؛ لأنّ المُثْمِن على قياس كلام العرب هو الّذي صار له ثَمَن، وشَجرٌ مثمِر إذا أخرج الثمرة، والمراد به غير هذا المعنى، ووجْه الكلام أن يقال فيه: ثمين ولو قَلَّ، كما يقال: غصن مورق إذا بدا فيه الورق كما يقال: رجل لَحيم إذا كثُر لحمه، وكبش شَحيم إذا كثُر شحمه.

ويقولون: هو قرابتي، والصواب: أن يقال: ذو قرابتي، كما قال الشاعر:يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفه * وذو قَرابَتِه في الحيّ مسرورويقولون لما يُصان: هو مُصان، والصواب فيه مَصُون، كما قال الشاعر علي بن الجهم:بـلاءٌ لَيْس يشبهه بـلاءٌ * عداوةُ غيرِ ذي حَسَب ودين

يُبيحُك منه عِرْضاً لم يَصُنْه * ويَرْتَعُ منك في عِرْض مصُونوالأصل في مصون مَصْوُون على وزن مَضْرُوب، فنُقِلت حركة الواو ما قبلها، فاجتمعت واوان ساكنتان.

ومن هذا النّمط قولهم: مَبْيُوع ومَعْيُوب، والصواب أن يقال فيهما: مَبيع ومَعيب على الحذف، كما جاء في القرآن في نظائرهما: (وقصر مشيد) (سورة الحج، الآية: 45)، (وكانت الجبال كثيبا مهيلا) (سورة المزمل الآية: 14)، فقال: مشيد ومهيل على الحذف، والأصل فيهما مَشْيُود ومَهْيُول.