لا شك أن العمل النقابي جبهة من جبهات التغيير والتدافع لمناهضة أشكال الظلم المادي والاجتماعي الذي يرزح تحت كلكله أبناء الأمة. والنقابة باعتبارها مدرسة للتكوين والتأطير منوط بها القيام بأدوار طلائعية متقدمة تفتل في حبل المشروع المجتمعي التغييري المتحرك على أرض الواقع. والنقابي الرسالي هو خريج هذه المدرسة لا يرضى لنفسه ووطنه الذل والهوان والتخلف، كما لا ترضى النقابة الحرة أن يكون بين صفوفها المتملقين والانتهازيين والخونة.

كانت تلكم سمات اتصفت بها الإطارات النقابية التي ولدت في رحم الثورات التحررية مع بعض الحركات الاجتماعية، وهي مبادئ عريقة أطرت النقابة فترة من التاريخ، واستطاعت بالفعل أن تكون أداة للضغط على الأنظمة الحاكمة مما أهلها لتكون ملاذا لكثير من العمال والفلاحين، الذين وجدوا في النقابة محضنا للتربية على الفعل التغييري المؤطر بمبادئ سامية مضمونها الوفاء لقضايا المحرومين والطبقات المسحوقة، وهي قيم عالية بغض النظر عن الإيديولوجيات التي سادت في مرحلة من التاريخ، وهكذا ارتبط الفعل النقابي بالكفاح اليومي، والنضال المستمر ضد الاستعباد والاستبداد، وكانت النقابة بالفعل قلعة لمقاومة الفساد وأجندته، وبذلك استطاعت الشغيلة أن تحافظ على الحد الأدنى من الكرامة الآدمية، كما حافظت النقابة على مبادئها ونظافة مناضليها.

لكن الناظر اليوم إلى أحوال النقابة يفاجأ كثيرا كيف تحولت الأجهزة النقابية المفروض فيه الإخلاص والصدق والعفة والوضوح والمسؤولية والالتزام والرجولة والاقتحام إلى مؤسسة فاسدة، تنخرها قيم منحطة، فالمتتبع للعمل النقابي وسلوك القياديين النقابيين يتذمر لحال النقابة اليوم التي تحولت إلى شكل مقاولات للارتشاء والزبونية والمحسوبية وبيع الذمم وشراء الملفات المطبوخة على موائد الحوار والتفاوض، ويتحسر على الأيام الرواحل حينما كانت النقابة مدرسة لتخريج البواسل، قبل أن تمسخ لتصبح مستنقعا للكذب والبهتان والتملق والتزلف، وواقع الحال يشهد على مسؤولين نقابيين يترأسون الأجهزة، ظلت أيديهم تعبث بملفات الشغيلة وتتلاعب بمصير الآلاف من أبناء الأمة في قضايا حساسة وجوهرية باسم المرونة والمقاربة التشاركية للفعل النقابي وهي رؤية جديدة في النسق الفكري “للنقابيين الجدد”. بل يلمس كيف أضحت فلسفة العمل النقابي عند هؤلاء تنحصر في البعد المطلبي في زاويته الضيقة وبمفهومه الجديد المتمثل في التفاوض على الملفات مع اللجان المشتركة التي تشتغل في أحسن أحوالها على قاعدة “الكوطا” ومنهجية “الوزيعة”، ليركن بذلك العمل النقابي إلى ركن المطلبية الضيقة، بعيدا عن الرؤية الشمولية التي تتأسس على منح العمل النقابي بعدا استراتيجيا في بناء الأمة وقيادة مسيرة الاقتصاد. وهكذا تحولت المجالس التنظيمية للنقابة إلى صالونات لعرض الشكايات وملفات الحركة الانتقالية والترقية وهي هموم يومية حقيقية -لا ننفي ضرورتها وأولويتها- تعيشها الشغيلة لكنها أصبحت هي كل البرنامج المهيمن على كيان الإطارات النقابية وللأسف الشديد يجد فيه السماسرة المتمرسين فرصة للمقايضة والمساومة.

إن عملا نقابيا هذه سماته يفتقد إلى مقومات استراتيجية تجعله يتطلع إلى المستقبل، لا سيما والظرف التاريخي يعرف هجوما كاسحا للعولمة وعبورا للشركات المتعددة الجنسيات وزحفا للوبي الاقتصادي الاستكباري، لهو عمل مبتور منقوص لا مستقبل له، مما يطرح سؤال إعادة البناء وتجديد آليات الاشتغال في زمن يفرض التكتلات.

واقع حالنا النقابي المغربي يعبر عن المستوى المنحط الذي وصلت إليه النخبة، كما يعبر عن العجز الذي أنهك الشغيلة مما أفقدها إمكانية الإصلاح من الداخل، كما يبشر أيضا بوجود آمال في المستقبل، بوجود الخير المستمر إلى يوم الدين في أبناء الأمة ووجود طاقات وكفاءات وتصورات فيها من الخير ما ينفع الأمة ويعيد لها المجد والريادة. فالرصيد الخير الذي تتوفر عليه الأمة اليوم هو الرأسمال الذي ينبغي استثماره، بتجديد البنى الفكرية والتنظيمية للعمل النقابي في أفق صياغة رؤية مجتمعية شمولية متكاملة وجامعة، تنبثق عن تبصر للواقع المتشرذم للعمل النقابي وما يعرفه من بلقنة وشتات بحثا عن اجتهاد جماعي للملمته في إطار جبهة صلبة وقوية، كما تتطلع هذه الرؤية بعيدا إلى اختراق خط التاريخ نحو مستقبل التنمية الشاملة والتمكين للأمة باستحضار التحديات التي تفرضها سيول الليبرالية واقتصاد الريع وزحف وحش العولمة. “ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها” نسأل الله تعالى أن يكون نصيبنا الفوز برضاه أمين والحمد لله رب العالمين.