2- الجانب الإحساني:

تطرقنا في الفصل الأول إلى الجانب العدلي في قضية الشعب وبينا بما فيه الكفاية مركزية هذا الأمر في أصول ديننا ومنهاج تفكيرنا وعملنا. فهل هذا العدل الغالي الغائب المنشود هو مطلبنا الوحيد والأوحد للشعب؟ وهل بإحقاقه وتحصينه تنتهي مهمة جند الله أم هي بداية الطريق نحو الكمال الإنساني في أجندة جماعة العدل والإحسان ومشروعها المجتمعي التغييري، المشروع العدلي الإحساني؟

منذ تأسيسها وبدايتها أعلنت الجماعة وحددت باعث وطبيعة معارضتنا لحكام الجبر الظالمين المستبدين، معارضة باعثها ديني وطبيعتها دعوية. وفي هذا زيال واضح عن معارضة الأحزاب الضيقة المحصورة في تدبير السياسة والاقتصاد. يقول المرشد الحبيب: “خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز(…) نعصيهم ونعارضهم لأنهم خربوا الدين، واتخذوا من أمريكا وروسيا أولياء من دون المؤمنين. الأمر أعمق وأخطر وأشد صرامة من مجرد المعارضة السياسية” (المنهاج النبوي، ص25).

ما علاقة تدين الحاكم بقضية الشعب وحقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ أليس التدين مسألة شخصية؟ ليكن الحاكم من يشاء، تلك حياته، وذلك مصيره. ما دخلك أنت يا إسلامي في ذلك؟! “لكن الشعب الخامل المضلل والشباب المشحون المهيج، لا يكاد أحد منهم يفهم وجوب الخروج عن طاعة من أخر الصلاة عن وقتها. لا يفهم العامة أن حاكما لا يصلي رجل يعصي الله وقد يجحده ابتداء. فإذا جحد وعصى أصبح طاغوتا، وحكم بهواه، وحارب الله، وظلم عباده. أهون على من يعصي الله بترك الصلاة، وهي عماد الدين، أن يعصيه في سائر الدين. فإذا عطل الدين حكم بغير ما أنزل الله، فكان من الكافرين الفاسقين الظالمين…” (المنهاج النبوي، ص25).

هل علمت الآن أيها المتسائل خطورة خروج الحاكم عن طاعة الله عز وجل؟ وهل علمت علاقة ذلك بظلم الشعوب وقهرها في بلاد المسلمين؟

جهل بالله يتبعه لا محالة جهل على العباد. المتجرئون على الله تعالى بالجهل به وعصيان أوامره متجرئون من باب أولى وأحرى على خلقه بالجهل عليهم بعصيانه في الوفاء بحقوقهم ومصالحهم، فيظهر الظلم والاستبداد ويتفشى الفقر والجوع وتستشري الأمية والجهل.

ومن يتنكب عن دين الله يحجبه لا محالة عن عباده في جميع سياساته. يحجبه ويحجب عنهم خيره في الحكم والقضاء، في الإعلام والتعليم، في الصحة، في الأدب، في الفن… في كل شيء. يصير الحاكم حجابا دون معرفة الشعب المستضعف لدينه وخالقه. وهل بعد هذا من خسارة؟!

يحجبونه عنهم بالظلم والاستضعاف، بضغط البطالة، وهم الخبز اليومي، ومرارة العيش، وظلام الجهل… بالكفر المحدق لا قدر الله. يضيع الشعب في معرفة دينه ومعرفة خالقه. وهذا، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “تضييع للإنسان في أكرم حق منحه إياه الباري جل وعلا: وهو أن يسمع خبر السماء ودعوة الخالق إلى مأدبة الآخرة” (العدل، الإسلاميون والحكم، ص317).

رسالتنا للشعوب المستضعفة وللأمة والعالمين بعد رسالة العدل وقبلها ومعها هي رسالة الإحسان. رسالة ترقيك أيها الرجل وترقيك أيتها المرأة في معارج الإيمان من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، قربا من خالقك وحظوة عنده ومقاما.

وحديثنا عن الإحسان ليس كلاما فضفاضا ولا موعظة ظرفية مؤثرة ومتبخرة. إنما هو برنامج يومي، فردي وجماعي. أذكار وأوراد تؤتى بتدرج واستمرار وزيادة في ظل وبعين صحبة ربانية مباركة حتى تلج وتلجي باب محبة الله تعالى والقرب منه.

ناس ربانيون مجاهدون ذاقوا وعاشوا معاني الشوق إلى الله تعالى ومحبته والقرب منه فهم ولا شك يحملون هم تبليغ هذه المعاني النورانية إلى شعبهم المستضعف كما يحملون هم فك رقبته من الاستبداد والفقر، بل أكثر إذ و”الآخرة خير و أبقى” (سورة الأعلى، الآية 17)، من باب الرحمة وحب الخير للمسلمين والناس أجمعين. هذا المعنى نستقيه من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه). لا يكتمل إيماننا حتى نحب لشعبنا ما نحب لأنفسنا من محبة لله ورسوله علمناها حبيبنا ومرشدنا. كمال الإيمان ننشد، فهل ننكص عن رافد عظيم من روافده بترك تبليغ دعوة الإحسان إلى الإنسان، سيما إن كان هذا الإنسان هو شعبنا المسلم الذي نحيى بينه ونكتوي بما يكتوي به؟!

يقول الأستاذ ياسين في كتاب “المنهاج النبوي”، ص8: «رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضــاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله، دعوة إلى الاستسلام بين يديه، نحب لقاءه، ونطيع أمره، ونقبل حاكميته، ونجاهد لإعلاء كلمته، ونطلب الاستشهاد في سبيله. ونحن بهذا فقط نكون قدرا من قدر الله.

الغاية الإحسانية إذن هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد. والأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية ليسمع الإنسان تلك الكلمة، ويقبل ذلك الاقتراح، ويجني تلك الثمرة. فذلك السباق الذي عرضه الله على كل منا إلى مغفرته وجنته ورضاه والنظر إلى وجهه هو رسالتنا للعالم الشقي بحضارته المادية، المهدد بالعنف الجاهلي النووي، المتخبط بزعامة الجاهلية وكيدها وجهلها بالله في مشاكل تؤذن بسقوط الحضارة الغربية السائرة إلى أفول».

هذا الشق الإحساني لا ينفك عن الشق العدلي بل يحيطه ويسيجه ويحميه. على الأول ينبني الثاني اعتقادا وتصورا، حالا وسلوكا، دعوة وتبليغا، بذلا وخدمة.

أ- مجتمع مفتون لا جاهلي، ومسلم لا كافر:

ترفض الجماعة رفضا مطلقا فكرة “جاهلية” المجتمع وتعتمد بدلها فكرة “الفتنة” في وصف واقعه. يقول السيد المرشد: «مفتونون نحن غير جاهليين، وإن كان من بيننا أهل الردة ومن قادتنا، فإن الأمة المستضعفة لا تزال هي أمة سيدنا محمد سليم اعتقادها ولا ينال منها الطاغوت الجاهلي المتكالب عليها المتألب إلا إشارة بالرأس المائل من الظلم المترقب لرحمة الله الذي جعل متسعا في رضاه لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» (الإسلام غدا، ص470).

وشتان بين الأطروحتين. القول ب “جاهلية” المجتمع يعني تكفيره وبالتالي اعتزاله والتعنيف عليه قولا وفعلا. وتبني أطروحة “الفتنة” تأكيد على إسلامه رغم ما قد يشوب عقيدته من دخن وأخلاقه فساد وسلوكه من اعوجاج. القول ب “الفتنة” تأكيد على إسلامه واعتراف ببواعث الخير والصلاح فيه رغم بعده البين عن الدين كما يشهد بذلك الواقع حيث اختلاط الحق بالباطل. وواجب المؤمن هنا دعوة رحيمة حكيمة لتصويب الوجهة وإعادة الأمور إلى نصابها. يقول الأستاذ المرشد في هذا السياق: « في الأمة خير، فيها غضب على حكم الجاهلية مكبوت، أنبت الله بين ظهرانيها جيلا أشرب قلبه محبة الله ورسوله، فيها طاقات هائلة. ذلك الغضب بحاجة لتوجيه حتى لا ينصرف في انتفاضات عقيمة، ذلك النبات الرباني بحاجة إلى رعاية وتربية حتى يشتد ويؤتي ثمرته، تلك الطاقات بحاجة إلى تنظيم قوي يهدم الباطل ويؤسس دولة الحق ويبنيها» (المنهاج النبوي، ص6).

من المسؤول الأول والأكبر عن هذا الواقع المفتون؟ الحكم الجبري الظالم المصلت على الرقاب بكل تأكيد ودونما أي تردد. قلناها ونقولها وسنضل نرددها بكل جرأة ومسؤولية وبصوت عال. وإن أية دعوة أو محاولة للإصلاح تسقط من حسابها هذا المنكر الأكبر فإنما هي ملهاة وعبث وضحك على الذقون. وأية دعوة تتجه إلى الشعب المستضعف اتهاما وتعالما وتفيقها، من باب تخطي الحائط القصير، فإنما هي من دجل فقهاء القصور، عميان القلوب، عديمي الهمم. يقول الأستاذ ياسين: « بعضنا ينسي الناس بتعاميه عن المنكر الأكبر، وهو شيطنة الحكام، واجبهم الأول، ويتجند ويجند معه أخفاء من الناس ليهاجم المصلين، يبدع هذا، ويكفر ذاك، ويبطل صلاة الشيوخ العاكفين في محرابهم.

بعضنا ينشط إن سمحت له الأنظمة الشيطانية أن ينكر على بعض الحانات، في بعض الأوقات، أو أن يكتب ليندد بالمناكر الجزئية التي تعج بها البلاد، ويرزح تحت ويلها العباد (…) عم تتولد المناكر؟ أين عشها؟ كيف تفرخ؟ كيف تنمو؟ من حاميها ومخططها؟

اتبع الجذور تجد المنكر ينبت في أرض الجاهلية هناك، ويفرع في أرضنا بواسطة شتلات بشرية عقلها هناك، وقلبها وهواها وولاؤها. فلماذا تصرف الجهد أسى على ثمار الفروع اجتث الشجرة من أصلها. أغلق الباب الذي منه تهب رياح الكفر والفساد!» (المنهاج النبوي، ص393-394).

ب- الرحمة والرفق:

الرحمة والرفق بخلق الله عز وجل في تبليغ الدعوة، في الحياة اليومية، في الأمور كلها من الدعائم الأساسية في الدعوة إلى الله تعالى. جند الله يجب أن يغشوا الشعب بالرحمة في كل سكناتهم وحركاتهم، بقلوبهم وعقولهم، بسلوكهم وجوارحهم. وإن رحمة ورفقا بهذا المعنى وبهذا العمق لا بد لهما من زاد إيماني دائم يرقق القلب ويرطب اللسان ويلطف الجوارح من أن تقسيها وتظلمها هموم الدنيا ومتطلبات الحركية والجهاد.

الرحمة والرفق التي ننشدها حال متجدد مستمر باستمرار المدد الإيماني غير منقطع. لا نعني الرحمة الانطباعية الآنية المتبخرة، ولا جدوى كبيرة تنتظر منها، ولا نبني عليها، لا في المعاملات ولا في الجهاد.

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (رواه مسلم). ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين: « وكل تديُّن لا يكون من مضمونه الشفقة على الخلق، ومن أهداف جهاده البِر بالخلق والعدل في الخلـق، فهو تدين أجوف» (العدل، الإسلاميون و الحكم، ص 330).

ج-التيسير والتبشير:<