الفصل الأول: في خضم التاريخ

بين النبوة والعضدولة القرآن

بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة القرآن. ورفع قواعدها في الشورى والعدل والإحسان، استجابة لنداء القرآن في قوله تعالى:

“الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ”. (سورة الحج الآية41)

وكان أصحابه معه على أتقى قلب رجل واحد، فكانوا أمة خير أمة أخرجت للناس. متحابين في الله متناصحين فيه، وأمرهم شورى بينهم، وإذا قضى الله ورسوله أمرا استجابوا راضين.

تلا القرآن ذكرهم:

“مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”. (سورة الفتح الآية 29).

أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق، فدعا قومه لما يحييهم حياة طيبة في الدنيا، وأخرى خيرا وأبقى في الدار الآخرة. وكان صلى الله عليه وسلم قدوة كاملة كمال الانتساب إلى الله عز وجل بالنبوة والرسالة، وكمال الشهادة بالقسط، وكمال البلاغ المبين الداعي إلى الله بإذنه.

قال الله عز وجل في حقه:

“يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا”. (سورة الفتح الآية 45-46).

دعاهم فاستجابوا لربهـم. وكان مما شرح صدرهم للإسلام، قرب نفوسهم من الفطرة التي فطر الله الناس عليها. لقد كان الوقر في آذانهم كبر العصبية؛ نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. وقد قضى الله أن يكون هذا أقرب أن يذهبه، وأدنى أن يرفعه. هذه سنته، وهو يخلق ما يشاء ويختار سبحانه.

ومما شرح صدرهم للإسلام، أن كان الدين في حياتهم ذا شأن، وفيه بقية من ملة إبراهيم عليه السلام. ليس الإسلام بدعا من الدين، ولا النبي صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل، وإنما الإسلام اتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وهو أبوهم، وقد رغبهم القرآن في الإسلام بما هو ملة أبيهم.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم منهم، يعرفونه لا ينكرونه، وهذا يجعلهم أدنى أن يستجيبوا.

كان هذا، ومن ورائه مشيئة الله ومنته وعطاؤه، أن جعل أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس. شأنها الأمر بمعروف العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن منكر الفحشاء والبغي.

رسالتها إلى الإنسان، كل إنسان، أن يسعد بنور الله. فهو الكفيل أن يبدد ظلمات شقوته ويأسه، واضطرابه وصراعه.

دعوة تبشر الإنسان، أن الذي خلقه يُحِب ويُحَب، ويَعرِف ويُعرَف، وأنه نور السماوات والأرض، ومن دونه الحياة ظلمات.

تحتاج سماوات الحب والأخوة والسلام والحرية، كما تحتاج أرض العدل والمساواة، نورا من دونه يكون الظلام، فلسنا نهنأ بشيء. فلا عدل من دون إحسان، والإحسان أن يعبد الإنسان ربه ويعرفه ويحبه حتى كأنه يراه.

لقد كان المربي صلى الله عليه وسلم قدوة كاملة، وكان القرآن الوحيَ المعصوم، وكان بيان النبي للقرآن منـزها عن الهوى، وكان للصحب استعداد وصدق في طلب وجه الله وابتغاء مرضاته، كل أولئك جعل منهم مثالا عاليا في الأخوة والعمل الصالح، فكان جزاؤهم عز الدنيا وكرامة الآخرة.

وإنما أمر الألفة والجماعة يقوم على ثلاث: حب في الله، يربط على القلوب، ويجمعها على الله والدين، هذه واحدة. وثانية، هي النصيحة والشورى بين المؤمنين، تجمع الرأي وتسدده، وتدل على الخير وسبله. وثالثة، تبرم الأمر، وتعزم على إمضائه وتنفذه، وهي الطاعة في المعروف.

ولقد كان زمن النبوة على هذا، كأحسن ما يكون. ثم جاء زمن الخلافة فكان هذا على درجات. فأما في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فقد انتظمت له هذه الثلاثة قريبا مما انتظمت في زمن النبوة؛ لقرب العهد من العهد، والقرين إلى المقارن ينسب. وأما في عهد عمر رضي الله عنه فانتظمت على تفاوت. وأما في عهد عثمان رضي الله عنه، فاختلت ناظمة الشورى، إذ صارت إلى غير أهلها من طلقاء بني أمية. وأما في عهد علي رضي الله عنه، فوهت ناظمة الطاعة، واختلف أصحابه عليه. وكان ما كان من الصدع في صف المهاجرين والأنصار، وكسر من جناح علي أمر الجمل أولا، ثم أمر الخوارج في النهروان.

وكسر من جناح صف المهاجرين والأنصار، ما كان من مقتلهم في حروب الردة والفتوحات والفتن، وما حدث من شتاتهم في الأمصار، وما كان من تطاول الزمن حتى دنوا من انقضاء أجل الجيل في زمن علي؛ فلقد بويع سنة 35 ﻫ، وما عمر الجيل على العادة سوى أربعين عاما.

ولقد كان انقضاء عمر الجيل، أوان انتقاض عروة الحكم في الإسلام، وبداية الملك العضوض؛ فقد ملك معاوية في منتصف سنة 41ﻫ.

فكيف جاء الجيل الجديد: جيل المُلْك العضوض؟