نقف مع ماضي أسلافنا، لا لنتسلى أو نتشفى، ولكن لنكتشف حيث أصابوا وحيث أخطأوا، ونعرف متى سموا ومتى سقطوا، ونستنبط بعض أسباب الارتقاء لديهم وسبل الإخفاق. وقائع من سبقنا هي ذكرى لنا أمرنا بالتبصر في ثناياها: “قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين” (سورة الأنعام – الآية 12)، “أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم…” (سورة الروم – الآية 8).

إن الوقوف مع ماضي الأمة جسر أساسي لاستشراف مستقبلها، ويتحتم علينا فحص الأحداث التي عاشها أجدادنا لنستمد منها طاقة الانطلاق ووقود تشغيل قطارنا المعطوب في حلبة سكك الأمم التي تمخر العباب مخلفة إيانا وراءها نعدو في الظلام فاقدين بوصلة تحديد الاتجاه، باحثين عن سبل النجاه.

ربنا الطف بنا واهدنا سبل الرشاد وأنقذ هذه الأمة من براثن الظلم والفساد وامنن علينا بصبح قريب تمكن فيه للصالحين من عبادك.

آمين.

مواقف ورجال …- بعد غزو السودان من قبل المنصور الذهبي قام عامله محمود بالقبض على “الإمام العلامة الهمام علم الأعلام أبي العباس سيدي أحمد بابا (التمبكتي) وعلى أهل بيته، فحملوا مصفدين في الحديد لمراكش ومعهم حريمهم ونهبت أموالهم وذخائرهم.” وروي عنه أنه قال: “أنا أقل عشيرتي كتبا، نهبت له ستة عشر مائة مجلد. وكان القبض عليهم في أواخر محرم عام اثنين وألف، ووصلوا لمراكش في رمضان من العام بعده، واستقروا مع عيالهم في حكم الثقاف إلى وقت انصراف المحنة عليهم. فسرحوا في يوم الأحد الحادي والعشرين من رمضان عام أربعة وألف. ففرحت بذلك قلوب المؤمنين. ولما أدخل أبو العباس بعد التسريح من السجن على المنصور وجده يكلم الناس من خلف حجاب، وبينه وبينهم شملة مسدولة، فقال له: إن الله تبارك وتعالى يقول: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب. وأنت قد تشبهت برب الأرباب، فإن كان لك حاجة في الكلام فانزل إلينا وارفع عنا الحجاب، فنزل المنصور ورفع الأستار، فقال له أبو العباس: أي حاجة لك في نهب متاعي وضياع كتبي وتصفيدي من تينبكت إلى هنا، حتى سقطت من فوق ظهر الجمل واندق ساقي؟ فقال له المنصور: أردنا كي تجتمع الكلمة وأنتم في بلادكم من أعيانها، فإن أذعنتم أذعن غيركم. فقال له أبو العباس: هلا جمعت الكلمة بترك تلمسان وما يليها من البلدان، فإنهم أقرب إليك منا. فقال له المنصور: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اتركوا الترك ما تركوكم، فامتثلنا الحديث. فقال له أبو العباس: ذلك زمان، وبعده قال ابن عباس: لا تتركوا الترك وإن تركوكم. فسكت المنصور ولم يجد جوابا…” (1)

– رأى جعفر المنصور سفيان الثوري في الطواف “فضرب يده على عاتقه فقال: ما منعك أن تأتينا؟ قال: قوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار! فالتفت المنصور إلى أصحابه وقال: ألقينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا! ثم قال له: سلني حاجتك يا أبا عبد الله! فقال: وتقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: حاجتي ألا ترسل إلي حتى آتيك، وأن لا تعطيني حتى أسألك.” (2)

لطائف وأحوال …- علي بن عيسى كان وزيرا للمقتدر ثم ابنه المطيع، وقد “ركب يوم الموسم كما كان الوزراء يركبون في موكب عظيم، فرآه جمع من الغرباء قالوا: من هذا؟ وكانت امرأة عجوز تمشي على الطريق قالت: كم تقولون من هذا؟ هذا واحد سقط من عين الله تعالى، فابتلاه الله بهذا كما ترونه! فسمع هذا القول علي بن عيسى، فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة و جاور مكة إلى أن مات.” (3)

– “لما أكمل المنصور (قصر) البديع (بمراكش)، وفرغ من تنميق بردته، وتطريز حلته، صنع مهرجانا عظيما ودعا الأعيان والأكابر. فقدم لهم من ضروب الأطعمة وصنوف الموائد، وأفرغ عليهم من العطايا، ومنحهم من الجوائز ما لم يعهد منه قبل. وكان في غمار الناس رجل من البهاليل ممن كانت له شهرة في الوقت بالصلاح، فقال له المنصورعابثا به: كيف رأيت دارنا هذه يا فلان؟ فقال له: إذا هدمت كانت كدية كبيرة من التراب.” (4)

مثالب وخروم …- في زمن السلطان زيدان السعدي الذي “كان رحمه الله غير متوقف في الدماء ولا يبالي بالعظائم وهو الذي سم قاضي الجماعة بفاس”، وفي إحدى وقائعه ضد الأعراب قرب فاس انهزم فرأى “أمامه إبلا قليلة فقصدهم، فإذا فيهم عبد الله بن الشيخ (كان ينازعه على الحكم) فهرب مع أن زيدان إنما قصد الفرار فتراجع أصحاب زيدان إليه، و من الغذ خرج إليه أهل فاس يهنونه كبارا وصغارا، فظن أنهم قصدوا الاستهزاء به، فأمر بهم فسلبوا رجالا ونساء وبقي بعضهم ينظر إلى عورة بعض، وكان عدد السلب عشرة آلاف كسوة…” (5)

– بعد القضاء على ثورة بحصن البنيول بنواحي سوس والأطلس وإلقاء القبض على زعيم الحصن سيدي زيد حكم عليه محمد الشيخ السعدي “بالقتل سحبا بالخيل، وسلمه إلى … منصور عامل قصبة تارودانت الذي كان رجلا قاسيا فظيعا وأمره بتنفيذ الحكم. فساق زيدا على الفور إلى مكان خارج القصبة وهناك فتح ثقبين في أعلى قدميه، أدخل فيهما حبالا غليظة من القنب مربوطة في ذيل جواد جموح امتطاه العامل، وأخذ يعدو بين السكان الذين اجتمعوا أفواجا، ساحبا هكذا زيدا عبر المدينة كلها، فتمزق جسمه إربا إربا، و تركه لتأكله الكلاب…” (6)

مصائب وهموم …- لما غزت جيوش المنصور السودان سنة 999 ه- “والتحمت الحرب من لدن الضحى إلى قرب العصر. فطحنتهم رحى الحرب وصيرتهم كأعجاز نخل خاوية …. وكان جيش إسحاق (سلطان كاغو) إنما سلاحهم الحرشان الصغار والرماح والسيوف، ولم تكن عندهم هذه المدافع. فلم تغن حرشانهم ورماحهم مع البارود شيئا… حتى كان أهل السودان ينادون نحن مسلمون نحن إخوانكم في الدين، والسيوف عاملة فيهم…” (7)

– في زمن عبد الله بن الشيخ بن المنصور، وفي ظل الاضطرابات السائدة بكل مكان خاصة في مدينة فاس من قبل قبائل شراكة الذين كان يستعصم بهم السلطان “… حتى أعطاهم أجنة الناس وديارهم، فكان الرجل يأتي بستانه فيجد أعرابيا بخيمته في وسطه، فيقول له أعطانيه السلطان، ومدوا أيديهم في حريم الناس ونهبوا الأسواق وجاهروا بالفساد وأظهروا السكر في الطرقات واقتحموا على الناس دورهم حتى أن امرأة كانت تطبخ خليعا وولدها رضيع عندها، فاقتحم عليها الدار أحد الشراقة، فهربت المرأة وأغلقت عليها مشرفة لها فلم يقدر لها على شيء، فراودها على النزول إليه فأبت، فقال لها: إن لم تنزلي إلي رميت الولد في الطنجير، فتمادت على الامتناع، فرمى به، صاحت صيحة عظيمة وألقت بنفسها عليه فاندقت عنقها فماتت…” (8)

——————————————–

(1) محمد الصغير الأفراني”نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي” تحقيق عبد اللطيف الشادلي – مطبعة النجاح الجديدة – 1998 ص ص 171  172.

(2) القزويني”آثار البلاد و أخبار العباد” دار صادر- بيروت – بدون تاريخ – ص 254.

(3) م. ن – ص 321.

(4) “نزهة الحادي…” م . س – ص 180.

(5) “نزهة الحادي…” م . س – ص ص240 – 241.

(6) دييكو دي طوريس “تارخ الشرفاء” ترجمة: محمد حجي و محمد الأخضر- سلا – 1988 – ص 179.

(7) “نزهة الحادي…” م . س – ص 167 .

(8) “نزهة الحادي…” صحح عباراته التاريخية هوداس – مكتبة الطالب – الطبعة الثانية – الرباط – ص ص 233 – 234.