أجرت جريدة الرأي المغربية منذ مدة حوارا شاملا مع الأستاذة ندية ياسين، تطرقت فيه بالإضافة إلى موضوع الانتخابات إلى قضايا أخرى تخص الجماعة والمغرب عموما، تعميما للفائدة نعيد نشر هذا الحوار.

سؤال: مرت 8 سنوات على حكم الملك محمد السادس ما هو تقييمكم لها؟

جواب: بث تولي الملك الشاب الحكم أملا كبيرا في قلوب الشعب المغربي المسكين الذي فهم الآن وبعد عقد تقريبا من الزمن أن لا شيء قد تغير. فإن كان رجل الشارع يحتاج إلى صفعات الواقع ومدة زمنية طويلة نسبيا كي يعي أن الأزمة معقدة وأن تاريخ الظلم والاستبداد لا يُتجاوز بجرة قلم، فرجل الفكر والسياسة يعلم مبدئيا أن التغيير لا يأتي بالتمني ولا بالوعود المعسولة والأحلام الوردية؛ لذلك كتب والدي “رسالة إلى من يهمه الأمر” واضعا يده على الجرح الأعمق في هذه البلاد بل على سرطانها، ألا وهو الفقر وليد الفوارق الطبقية المهولة في المغرب والسياسات الاقتصادية الإقطاعية.

سؤال: لا شك أن هناك إيجابيات عرفها العهد الجديد، ما هي أهم هذه الإيجابيات؟

جواب: لا معنى في نظرنا للحديث عن عهد جديد وعهد قديم. مقاربتنا غير المقيدة بالظرفية السياسية تعفينا من هذا التصنيف الأجوف المبني على العاطفة والثقافة السياسية شبه المنعدمة. دورنا كدعاة مجددين لروح النصيحة يحتم علينا تقييم الواقع من زاوية التحليل العميق والنظرة الشاملة.

عن أي ايجابيات نتكلم؟

إن كان من الطبيعي أن يمن المخزن علينا بانفراج نسبي حوَّل على إثره سياسته من القمع الأعمى إلى القمع الأعور وتفضل على المغاربة بالمحاكمات عوض تزمامارت، فمن المذهل أن يتبنى المجتمع المدني وجل الحساسيات السياسية هذا الخطاب! متى نتجرد من ذهنية رعوية ترى الحق في الحرية صدقة وترى التغيير خيارا طوعيا للمخزن؟ متى نستوعب أن هناك عوامل دولية وعوامل داخلية تحتم على الحكام التخلي قهرا عن الأساليب القمعية المطلقة والرضوخ إلى نوع من الانفراج؟

إن الانفراج الحقيقي الذي تستحقه الشعوب المستضعفة يجب أن يكون طبعا لا تطبعا.

سؤال: أصبحنا على مقربة الانتخابات التشريعية ما هي ترتيبات جماعة العدل والإحسان؟

جواب: جل أعضاء جماعة العدل والإحسان منهمكون في الرباطات الصيفية وهي محطات تربوية موسمية نجدد فيها النيات والعزم على تهذيب النفس وترويضها والإقبال على الله تعالى في هذه الأيام المباركة، وليس لدى الجماعة وقت للخوض في مياه المخزن العكرة.

سؤال: أي موقف ستتخذونه في هذا الصدد هل ستوزعون بيانات المقاطعة أم ستعبئون الأعضاء؟

جواب: هناك فرق شاسع بين أن نقاطع الانتخابات وأن نتجاهلها تماما؛ كما أننا لا نحتاج إلى تعبئة قاعدة لم تختر الانضمام إلى جماعة العدل والإحسان إلا وهي تعلم موقفها السياسي من الألعوبة الرسمية. نحن لم ننطلق من شرارة عاطفية ولكن من فكر منسجم مع ذاته وموقف أصيل ثابت، وإلا فما يمنع الكم الهائل من الأعضاء من الانخراط في أحزاب ذات مرجعية إسلامية خاصة بعد الحملة الشرسة الأخيرة ضد الجماعة؟ هذا لا يمنع أن يؤثر صمتنا المبدئي حتما على نسبة المشاركة، والنتائج الانتخابية ستكون خير دليل. بل إن نتائج الانتخابات ستدفع ولا شك أي ملاحظ شجاع وموضوعي إلى التوقف عند ثلاث تساؤلات محورية حول:

– نسبة أعضائنا ومدى تأثير مواقفنا في المجتمع.

– مصداقية توقعاتنا الناتجة عن قربنا من واقع المغاربة ومعايشتنا لأزماتهم.

– مضي مشروع قومتنا الصامتة السلمية قدما إذ حجر زاويته هو إيقاظ الوعي السياسي إلى جانب غرس اليقين بالله وبموعوده.”إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

سؤال: كيف تلقيتم دعوة الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية محمد اليازغي لتأسيس الجماعة حزب والدخول إلى المشاركة السياسية؟

جواب: نشكر الأستاذ اليازغي على تهممه بمصير الجماعة السياسي واقتراحاته، فقد استفدنا الكثير من تجارب اليسار رحمه الله وخياراته التكتيكية.

سؤال: ما هو تقييمكم لأداء الأحزاب المغربية؟

جواب: الأحزاب المغربية تجمع عددا من الطاقات والكفاءات الفردية والإرادات الصادقة، لكن الكل يعلم توظيف الملك الراحل رحمه الله، بعد الاستقلال، لورقة التعددية والنظام البرلماني حينما أراد سحب البساط تحت أقدام أحزاب كانت في البداية تحظى بنوع من الشعبية. لم يزدد المشهد السياسي إلا تشتتا باسم التعددية “مهزلة 36 حزب”، ولم تزدد الملكية إلا احتكارا للسلطات والثروات. فعلى ماذا يتنافس هؤلاء بالضبط؟ أعلى المشاركة في اللغو السياسي والحركية المجانية الجوفاء؟

إن المعركة ليست معركة للفوز بالمقاعد وإنما المعركة معركة تحرير العباد من دستور الاستعباد.

سؤال: أعود بك إلى سنوات طويلة مرت حينما طالبتم لأول مرة بتأسيس حزبكم، أعلنتم عن ذلك ألم كانت الجماعة ستكون ضمن تقييمك لو أنها شاركت ولم ترفض السلطة؟

جواب: لا أذكر أن طلب الحزب كان خيارا من الخيارات الفعلية للجماعة ولربما تقصد مقاربتنا النظرية التي تقول باحتمال مشاركة بنمط حزبي إذا توفرت شروط حاسمة ما زالت منعدمة لحد الآن.

سؤال: أنتم ترفضون العمل ضمن قانون ودستور مغربي لكم عليه انتقادات وهي سبب عدم المشاركة في الحياة السياسية ألا يعني تأسيس جمعيات تابعة للعدل والإحسان مشاركة في نظام تعتبرونه غير ديمقراطي؟

جواب: اختيارنا المشاركة على مستوى العمل الجمعوي خير دليل على أننا لسنا عدميين خاصة وأن المبادئ المؤسسة لعملنا تتلخص في اللاءات الثلاث: لا للعنف، لا للتعامل مع الخارج، لا للسرية. مبدؤنا الثالث حتم علينا أن ننخرط على المستوى الأقل إضرارا بمصداقيتنا رغم علمنا بسيطرة الحكم المركزي على أداة تكون في الديمقراطيات الحقيقية فعالة وتدافعية. خصوصية الجماعة التي تتجلى في شخص مؤسسها، وفي كونها مبنية عن فكرة أصيلة مستنهضة للهمم، وعزيمة قوية دون أن تكون عنيفة، جعلت منها منذ البداية جمعية لها وقع أقوى من وقع الحزب دون أن تُثقل بخلفية النسق الحزبي اللصيق بواقع تاريخي ذكرناه سالفا.

سؤال: لم نر أي مؤشر على تطور في أفكار الجماعة ومواكبتها للظروف المتغيرة والأحداث المتعاقبة بل بقيت رهينة مرحلة نشأتها مع الشيخ عبد السلام ياسين؟

جواب: يقول عالم السسيولوجيا البريطاني الشهير Ralf Dahrendorf “يلزمنا ستة أشهر لتنظيم انتخابات وعشر سنوات لإقامة اقتصاد السوق ولكن يلزمنا جيل كامل لبناء مجتمع مدني”.

بناء الأمة من جديد مشروع ضخم يحتاج إلى طول النفس والفكر المنهاجي الذي يختلف تماما عن الفكرة السياسوية التي تتلون مع تلون الأجواء وتقلب الرياح. وكما قال بعض الشعراء “عيرتني بالشيب وهو وقار فيا ليتها عيرتني بما هو عار” نقول “عيرونا بالوحدة وقوة الرؤية وهي وقار يا ليتهم عيرونا بما هو عار”. سيعود لائمونا في يوم ليشكروا الله أن جعل في هذا البلد من نظَّر وفكّر وأنْجز وأطَّر انطلاقا من منهجية ثابتة صامدة لم تتنازل أبدا عن المبدأ وإن كانت لا تعارض المرونة المشروطة والاجتهاد المستمر. إن كانت هناك قوة سياسية تساير الواقع وتتطور حقيقة فهي الجماعة إذ التطور لا يعني الانخراط في أكذوبة المخزن بسبب أقدميتها.

سؤال: هناك من يتساءل هل باستطاعة أطر وأعضاء الجماعة أن يتسلحوا بالجرأة اللازمة لخوض معركة المراجعات الفكرية والسياسية؟

جواب: نظمت جماعة العدل والإحسان الأبواب المفتوحة، التي أثارت حملة مخزنية مسعورة، لعرض ورشاتها المتنوعة في شتى المجالات؛ فالدائرة السياسية بمثابة خلية نحل تشمل مكاتب ولجن متخصصة وقطاعات لا تفتر عن الاجتهاد والاستنباط وترجمة منهاج ثابت إلى فكرة مرنة واقعية وعمل فعلي ميداني. فِكر الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي تودون من أعضاء الجماعة مراجعته، هو بمثابة أرضية تربوية شاملة صلبة تنطلق على أساسها الاجتهادات المتنوعة التي تولد دينامية منسجمة بعيدة عن تشتت عمل سياسوي منطلق من فراغ تصوري أو من خليط فكري غير متجانس.

سؤال: لوحظ أن جماعة العدل والإحسان التزمت الصمت عقب أحداث 16 ماي 2003 وأحداث الدار البيضاء الأخيرة مع أن الاعتقالات في مراكز سرية والتعذيب كانت فظيعة والمحاكمات كانت غير عادلة؟

جواب: هذا اتهام مجاني يعكس التمويه الذي يسود المشهد الإعلامي في بلادنا خاصة وأن جل منابرنا الإعلامية ممنوعة منعا تعسفيا؛ وإلا فمن تابع عن كثب هذا الأمر يعلم أننا أدنّا هذه الأحداث الشنيعة وأن محامينا شاركوا بكثافة في هيأة الدفاع المختصة بملف المتهمين في هذه القضايا. بل أكثر من ذلك موقفنا المبدئي من العنف وممارساتنا المتزنة حمونا من الانتهازية التي جعلت البعض يتبنى أسلوب المداهنة والمساومة عقب تلك الأحداث.

سؤال: ثمة مؤاخذات على الشأن الداخلي للجماعة، ومنها عدم فسح المجال أمام مكوناتها الشابة لأخذ زمام المبادرة في القرارات، ومنها رغبتهم في مشاركة الجماعة في المشهد السياسي المغربي في إطار المشروعية، فهل يتعلق الأمر بتهميش للطبقة الشابة في جماعة العدل والإحسان؟

جواب: هذه أحلام اليقظة لبعض من يترقب سقوط جماعة العدل والإحسان ولا يفهم صمودها وتماسكها ولا يملك إلا أن يُسقط عليها ما يقع باستمرار في بعض الأحزاب التي لا تجتمع على شيء سوى الهم الانتخابي والأغراض السياسوية الدنيوية. جماعة العدل والإحسان لم تنجمع يوما على الخواء السياسوي وحب الظهور والرئاسة، وهي جماعة لها نظام مؤسساتي شوري يجعلها منزهة عن مثل هذه المقاربات.

سؤال: هل يوافقك والدك على فكرة الجمهورية التي لم نلمسها في كتاباته الداعية إلى دولة الخلافة على منهاج النبوة ذات البعد الإسلامي الديني؟

جواب: بل الجمهورية هي التي توافق فكرة والدي الذي قدم الخلافة روحا مستوحاة من النبع النبوي. هذه الروح التي يمكن أن تتقمص أنماطا متنوعة تليق بالزمان والمكان. الخلافة حياة يمكن أن تتخذ أشكالا مختلفة لا قبرا تاريخيا توءد فيه الأُمَّة وتُمْنع من السير قُدما ومسايرة عالم موار “وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت”. أساس الخلافة إتاحة فرصة الإحسان للفرد والعدل للمجتمع، والعدل كل العدل أن يختار الشعب من يدير شأنه العام. الشأن العام باللغة السياسية اللاتينية Res publica أي باللغة الفرنسية République وباللغة العربية “الجمهورية”. فكرة الخلافة فكرة منهاجية شمولية أصيلة ومؤصلة، وفكرة الجمهورية فكرة معاصرة ونمط فعال إن حافظنا على المبدأ الأصيل بأدوات حديثة، لسنا حبيسي تسميات ولكننا حاملون لرسالة خالدة تحتم علينا التصريف والتصرف.

سؤال: كشف الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق عن وجود مفاوضات سابقة مع الجماعة انتهت إلى توقيع والدك على وثيقة بنبذ العنف والاعتراف بالملكية والعمل من خلال حزب سياسي، هل لك علم بهذا، ولماذا توقفت المفاوضات؟

جواب: ما قاله الشريف المدغري، المُقَال من منصبه بعد 11 شتنبر، دال على الخلط في الأوراق وعدم الشفافية التي يتصف بها المخزن على مستوى التنسيق بين خدامه وأذنابه، وهو دليل على أن بعض هؤلاء الأذناب يعتمدون على القيل والقال والإشاعة لبناء سياساتهم وتأليف كتبهم. فلا نستغرب إذن لبعض الصحافة التي تنهج نهج الساسة المعتمدين على الخبر المغلوط والمخلوط. فوالدي الذي كنت رفقته هذا الأسبوع في نزهته المسائية يُحْتَضر حسب بعضهم منذ عشر سنوات! ربما يقصد المدغري الحملة التي زامنت توظيفه والتي فرضت فيها السلطات على عدد من أعضاء الجماعة الذي تم اعتقالهم إمضاء اعترافات بحل الجماعة.

سؤال: مرت الجماعة بأزمة كبيرة عقب قومة 2006 التي انبنت على رؤى وأحلام للأعضاء، مع نهاية 2006، من تابع موقفك شعر بأنك كنت محرجة وحاولت التوفيق بين ما يمكن اعتباره “ثقافة المبشرات” وثقافتك العصرية أين وصل الأمر الآن؟

جواب: يبدو أنه لم يعد عند متتبعي جماعة العدل والإحسان إلا الظن والإسقاط والخيال والشبهة. نحن نعذر هؤلاء لشدة ما يصيبهم من ذهول أمام فكر عميق وسلوك لم يعهدوه منذ قرون. ليس من السهل إعادة الربط بين مشروع عدلي ومشروع إحساني، لقد عهدت الأمة الفصل بينهما منذ زمن طويل كما تعودت الخجل من الغيب وذكره. لست أنا التي أحرج من ركن مؤسس لعقيدتي بل الحرج لمن ينتظر من مثقفة تصنف بالمُغَرَّبة إنكار جانب مُغَيَّب بتواطؤ تدريجي سقطت فيه الأمة تحت وقع تأثير حضارة مادية سائدة.