انتخابات غير وطنية:

الحمد لله على أن حصل إجماعا شعبيا منقطع النظير حول الموقف الوطني من هذه الانتخابات، حيث عُدت عملية عبثية من ألفها إلى يائها، الغرض منها استغفال الناس وإلهائهم عن جوهر الأزمة التي تعانيها البلاد على جميع المستويات، والتي ازدادت تفاقما خلال السنوات الأخيرة وبلغت ذروتها مع نهج سياسات اقتصادية تزيد الفقير فقرا وتزيد الغني غنى، وظهر ذلك جليا في الغلاء المُحرق للسلع الأساسية، مقابل الإعراض الجبان للدولة عن الاستجابة الحقيقية لحاجات الشعب الحقيقية.

انتخابات 2007 كانت على هامش المواطنين والوطن، لا علاقة لها لا بإرادة الشعب ولا بتسيير البلاد ولا بوضع سياساته ولا بحاجة الناس ولا بمستقبلهم. ليس لها من حقيقة الانتخابات إلا الاسم. ليست لها السوابق التي تُقَعِّد لها وتؤسسها من جهة (ما يجب أن يسبق الانتخابات من حوار وطني وميثاق وطني ودستور وطني)، ولا تحقق المطالب التي ترتب على نتائجها من جهة ثانية (انتخاب حكومة أغلبية مسؤولة أمام البرلمان تطبق برنامجها وتحاسب عليه…). فهي فارغة من المبدأ والمقصد. من النية والمطلب.

انتخابات الداخلية:

ما تزال انتخابات “العهد الجديد” (الاستبداد الجديد) تنوب فيها الداخلية عن المواطنين بدءا من التقطيع الانتخابي التعجيزي إلى التسجيل الفوضوي إلى سحب البطائق من طرف المقدمين وتوزيعها في الأحياء والدواوير. إذ كان المفروض هو أن يسحب الناخبون بطائقهم بأنفسهم وفي الفترة: ما بين 27 يونيو 2007 و30 يوليو 2007، إلا أن الحالة في بلادنا لم تكن كذلك حيث سُجِّل الناس من غير عِلمهم! وسُحِبت بطائقهم من غير إِذنهم، من طرف مقدمي الأحياء! ووُزِّعت على البيوت من غير طلب من السكان!، وتم تسجيل الذين انتقلوا من سكناهم عشرات السنين!

من هذا إلى تزوير الانتخابات (وهي أصلا زور)، إلى فرض الحكومة من فوق احتراما للمنهجية المخزنية، إلى سياسة المخزن والمخازنية من جديد. إلى عهد جديد بحكم جديد بالنار والحديد!

انتخابات الديماغوجيا:

سنة كاملة والمخزن بأعوانه الحداثيين والأصاليين في حيص بيص من أمرهم، ولسان حالهم يقول: كيف نلملم بضع أصوات حتى ننقد ماء الوجه؟ (إن كان لهم وجه)، واعون جيدا أن الأمة لفظتهم ورفضت دعاواهم لذلك تراهم يبذلون قصارى جهودهم لاستصناع حيل جديدة وباطلة يموهون بها على غالبية فقيرة وأمية وخائفة ومستضعفة ومهضومة الحقوق، حيث نزلت الآلة القمعية بوجه أبلق تحرض الناس على التصويت مرة أخرى…وكأن الصوت سيحكم!

دعاية ملكية وحزبية متمالئة خسر فيها الوطن الزمن والمال والكرامة، اسْتُعمِل فيها الإعلام المخزني والحزبي، بل وحتى المساجد التي قيل أنه يجب إبعادها عن الشأن السياسي تم إقحامها في المسخ المخزني ووُزِّعت خطب الجمعة على الخطباء كرها لحث المصلين على التصويت!. إلا أن الشعب كان بالمرصاد، ورفض اللعبة المقيتة عقابا للمسرفين.

ولم يعد للمبذرين وجه يتحدثون به عن نقمة المشاركة في التصويت، الذي كان ضعيف جدا بالمقارنة مع عدد المسجلين. فكم هي نسبة المُسجِّلِين أنفسهم من المسجَّلين غيابيا من أبناء هذا الشعب؟؟ (عدد الذين سجلوا أنفسهم ضعيف جدا من مجموع من سجلتهم الداخلية غيابيا)، وكم يشكل عدد المسجلين باللوائح الانتخابية من مجموع البالغين سن الانتخاب؟. ناهيك عن الأصوات الملغاة التي فاقت المليون.

أليست هذه ديماغوجية لخدعة الشعب؟

أكثر من ثمانين بالمائة رفضوا انتخابات 2007، أي رفضوا سياسة من دعا إليها، مثلما رفضوا ما يتمخض عنها من مؤسسات وسياسات عمومية. ف 80 بالمائة هي حزب الشعب الذي سحق معارضيه، رغم التأهب المخزني المنقطع النظير في العالم من أجل استقطاب الناس بالترهيب والترغيب للتصويت، حيث عملت الإدارة حتى أيام السبت والأحد ومن الثامنة صباحا إلى السابعة والنصف مساء مع تمديد فترة التسجيل إلى ثلاثين يوما، من 05 أبريل إلى 04 ماي، وإضافة سبعة أيام استدراكية، وملأ البلاد بمكاتب التسجيل، واستعمال مئات اللوحات الإشهارية لتسويق التسجيل في الانتخابات، أما التلفزة بقناتيها العجوزين فلا حديث يومئذ إلا عن “الواجب الوطني”، أي الانتخابات، وبلغ الأمر إلى فتح عدة مواقع إلكترونية رسمية وحزبية من أجل الترويج لفكرة المشاركة في انتخابات يرفضها الشعب. لكن ورغم ذلك فقناعة الشعب لم تعد تجدي معها شعارات الريح.

وطامة مخزنية أخرى:

من طوام المخزن هذه السنة (2007) تأسيس جمعية مخزنية ذات وظيفة بهلوانية، سمَّوها “دابا 2007″، لتقول للمغاربة وللأحزاب عليكم بممارسة السياسة فليس لكم بها أية علاقة! والسياسة طبعا هي مزيد من الانقياد للمخزن، بعدما كان الذي ينبس بكلمة سياسة يُهشم رأسه وتكسر عظامه ويُرمى في زنازن الموت البطيء. جمعية على رأسها أحد رجال المخزن الأغنياء استطاعت بحكمة مخزنية أن تجمع دعما ماليا كبيرا. لم تستعمله لتخفيف الضغط على الفقراء ولا لمكافحة التهاب الأسعار ولا لمحاربة الأمية ولا لدعم أطفال خنيفرة ومعوزي الحسيمة، ولا لبناء مدارس يتعلم فيها الناشئة، وإنما لتسيح في ربوع البلاد وتقول للمواطنين بوجه أبلق: صوتوا على الأحزاب.

دعاية تافهة بميزانية كبيرة.

لا ثقة في المخزن ولا في المخازنية:

لم يعد المواطن يستشعر أدنى ثقة في السياسة المخزنية برمتها، لا في الخطابات “المقدسة” المملة ولا في لغو ولغط الأحزاب الذي تمجه الأذن، لا ثقة في وعد هذا ولا في يمين ذاك. برامج الأحزاب وعهودهم سراب. وكلام الليل يمحوه النهار. و{يقولون ما لا يفعلون}…

شعب معرض تماما ومالٌَّ من مسرحية فاشلة لأبطال فاشيين سحروا أعين الناس واحتالوا عليهم مدة طويلة من الزمن ثم انكشفت عورتهم وعُرفت حيلتهم، وذهبوا يبحثون عن حيل جديدة فما أفلحوا… وإلا فمن يصدق مثلا الذين رفعوا شعار: “صوتوا على الحوتة التي تنفع الناس”! أو شعار: “في عشرة أيام سنغير وجه المغرب”! على من يكذب هؤلاء؟

إن العقلية المخزنية لا زالت هي هي، المحرك الذي لا يتحرك، سواء أكانت انتخابات أم لم تكن، وكان هذا الوزير أو ذاك، شارك هذا الحزب في الحكومة أم شارك غيره، وجودهم كعدمهم ما داموا جميعا “خدام للعرش” يعيِّنهم ويعفيهم، يقرِّبهم ويلغيهم، يسيِّرهم ويحميهم.(1)

وإن قيل هناك تعدد فإنما هو تعدد الواحد، و”من قال إن الواحد عدد فهو أحمق” كما قال الإمام الجويني رحمه الله. وسواء صوت المواطن أم لم يصوت، فالحاكم يبقى في برجه المقدس لا تهمه نسبة الأصوات حتى يلتحق بالأموات.

أما سياسة الكرسي الفارغ فهي تنم عن فهم سطحي وتحليل ساذج للأمور، لأن الكرسي الحقيقي هو ممارسة السلطة، وإلا فقد تكون جالسا على الكرسي ويكون فارغا في نفس الوقت، ما دام المقصود ليس هو الكرسي الخشبي. وهاهي الأيام تبدي لك الجدوى من انتخابات المخزن. لتوقن بأن التجارة في سوق المخزن تجارة خاسرة.

فهل من معتبر؟

1- صرح عبد الإله بنكيران أن أعضاء حزبه “عون للملك” (حوار في إسلام أولاين 2007/8/27 )