يقولون: قدِمَ سائرُ الحاجّ، واسْتُوفِيَ سائر الخراج، فيستعملون “سائرا” بمعنى الجميع، وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، ومنه قيل لِما يَبْقى في الإناء: سؤر، والدليل على صحَّة ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لغَيْلان حين أسلم وعنده عشر نسوة: “اختَر أربعا منهنّ، وفارق سائرهنّ”. أي مَنْ بقي بعد الأربع اللاتي تختارهنّ.

ويقولون: أَزِفَ وقت الصلاة، إشارةً إلى تَضَايُقه ومُشارفة تصرّمه؛ لأن العرب تقول: “أَزِف الشيءُ بمعنى دَنا واقترب، لا بمعنى حَضَر ووَقَع، يدلّ على ذلك أنَّ الله سبحانه سمَّى الساعة آزفة وهي منتَظرة لا حاضرة، وقال عزَّ وجلّ فيها: (‏أزفت الآزفة ‏‏ليس لها من دون الله كاشفة‏) (سورة النجم، الآية: 57)، أي دنا ميقاتُها وقَرُب أوانُها.

ويقولون: زيدٌ أَفضلُ إِخوته، وهذا خطأ؛ لأَنَّ أَفعل الّذي للتَّفضيل لا يضاف إلا إلى ما هو داخل فيه، ومُنَزَّل منزِلةَ الجزءِ منه، وزيدٌ غير داخل في جملة إخوته، أَلا ترى أنه لو قال لك قائل: مَنْ إِخوةُ زيد؟ لَعددتَهم دونه، فلما خرج عن أن يكون داخلا فيهم امتنع أن يقال: زيد أَفضلُ إخوته، كما لا يقال: زيدٌ أفضل النساءِ لتميُّزه من جنسهنَّ وخروجه عن أن يعدَّ في جملتهنَّ. وتصحيح هذا الكلام أن يقال: زيد أفضل الإخوة، أو أفضلُ بني أبيه.

ويقولون: فلان يستأْهِلُ الإكرامَ، وهو مُستأْهِلٌ للإنعام، ولم تُسْمَعْ هاتان اللفظتان في كلام العرب، يقال: فلان يستحقُّ التَّكْرِمة، وهو أَهْلٌ للمَكْرُمة. استأْهل: اتخذ الإهالة، وهي ما يُؤْتدم به من السَّمن والوَدَك.

وقولهم: لا أُكلِّمه قَطُّ، وهو من أفحش الخطإ لتعارض معانيه وتناقض الكلام فيه؛ وذاك أن العرب تستعمل لفظة «قطّ» فيما مضى من الزمان، كما تستعمل لفظة «أبداً» فيما يُستقبل منه، فيقولون: ما كلَّمتُه قطّ ولا أُكلّمه أبداً، والمعنى في قولهم: ما كلّمته قطُّ، أي فيما انقطع من عمري، لأنه من قَطَطْتُ الشيءَ، إذا قطعتَه، ومنه قَطُّ القلم، أي قطع طرفه.

ويقولون: قرأْت الحواميم والطَّواسين، ووجه الكلام فيهما أن يقال: قرأْت آل حم وآل طس، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: “آل حم ديباج القرآن”. وكما رُوي عنه أنه قال: “إذا وقعتُ في آل حم وقعتُ في رَوْضات دَمِثات أَتَأَنَّقُ فيهنّ”.

ويقولون: لما يُتَّخذ لتقديم الطعام عليه: مائدة، والصحيح أن يقال له: خِوان إلى أن يحضُر عليه الطعام، فيسمّى حينئذ مائدةً، يدلُّ على ذلك أنّ الحواريِّين حين تحدّوا عيسى عليه السلام بأن يَستنْزِلَ لهم طعاما من السماءِ، قالوا: (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء) (سورة المائدة، الآية: 112).

ويقولون: بعثتُ إليه بغلام، وأَرسلت إليه هدية، فيخطئون فيهما؛ لأن العرب تقول فيما يتصرّف بنفسه: بعثته وأَرسلته، كما قال تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا) (سورة المائدة، الآية: 112) ، ويقولون فيما يُحمل: بعثت به وأرسلت به، كما قال سبحانه إخباراً عن بلقيس: (وإني مرسلة إليهم بهدية) (سورة النمل، الآية: 35).

ويقولون: المشْوَرة مباركة، فيبنونها على مَفْعَلَة، والصواب أن يقال فيها: مَشُورة على وزن مَثُوبة ومعونة. وكان الأصل في مشورة «مَشْوُرة» على وزن «مَفْعُلة» مثل مَكْرُمة، فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها وسُكِّنَت هي فقيل: مَشُورة.

ويقولون في التحذير: إيَّاك الأَسدَ، إيّاك الحسدَ، ووجه الكلام إدخال الواو على الأسد والحسد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إيَّاك ومصاحبةَ الكذّاب، فإنه يقرّب عليك البعيد، ويبعِّد عنك القريب”.

فائدة: ومن خصائص لغة العرب إلحاقُ الواو في الثّامن من العدد، كما جاء في القرآن: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. وبشر المؤمنين) (سورة التوبة، الآية: 112)، وكما قال سبحانه: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم. ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) (سورة الكهف، الآية: 22).

ومن ذلك أنّه جلّ اسمُه لمّا ذَكَر أبوابَ جهنم ذَكَرها بغير واو لأنها سبعة، فقال: (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) (سورة الزمر، الآية: 71)، ولمّا ذَكَر أبواب الجنة ألحق بها الواو لكونها ثمانية، فقال سبحانه: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) (سورة الزمر، الآية: 73)، وتسمى هذه الواو واو الثمانية.

ويقولون: ذَهَبْتُ إلى عندِه، فيخطئون فيه؛ لأنَّ «عند» لا يدخل عليه من أدوات الجر إلاّ «منْ» وَحْدَها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجروراً إلا بها، كما قال سبحانه: (قل كل من عند الله) (سورة النساء، الآية: 78).

ويقولون أيضا: قد اصفرَّ وجهُه من المرض، واحمرَّ خَدُّه من الخجل، وعند المحققين أنه إنّما يقال:اصفرّ و احمرّ ونظائرهما في اللَّون الخالص الَّذي قد تمكَّن واستقرّ وثَبتَ واستمرَّ، فأمّا إذا كان الَّلون عَرَضَ لسبب يزول ومعنى يحول، فيقال فيه: اصفارَّ واحمارَّ، ليُفْرَقَ بين اللون الثابت والمتلوّن العارض، وعلى هذا جاء في الحديث: “فجعل يحمَارّ مرةً ويصفارّ أُخرى”.

ويقولون: اجتمع فلان مع فلان، والصواب أن يقال: اجتمع فلان وفلان؛ لأنّ لفظة اجتمع على وزن «افتعل»، وهذا النوع من وجوه افتعل مثل: اختصم واقتتل، وما كان أيضا على وزن تفاعل مثل: تخاصم وتجادل؛ يقتضي وقوعَ الفعل من أكثر من واحد.