1- الاعتذار بالقدر والموقف من الظلمة:

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} سورة القمر49.

إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً{29} وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً{30} يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً{31} سورة الإنسان 29-31.

{ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً} سورة النساء79.

{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَّالٍ} سورة الرعد11.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} سورة الأنفال24.

{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} سورة النحل35.

{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} سورة التوبة46.

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } سورة القصص50.

{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} سورة الجاثية23.

القدر حق والإيمان به واجب. والخلق وما يصدر منهم قدر الله ومشيئته. لكن الاعتذار بالقدر للنفس وللناس ليس من أخلاق المؤمنين ولا يصح إلا لمكرهٍ أو صبيٍ أو ناسٍ أو نائمٍ أو ساهٍ. ويُضاف إلى هؤلاء التائبُ المعتذرُ المحسنُ والمخطئُ في الاجتهاد مع صلاح النية والقصد وبعد بذل الوسع الكامل. أما الظالمُ لنفسه وللناس، المُصِرُّ بَعْدُ على ظلمه، الرافض للموعظة والتذكير، المأخوذ بعزة الإثم، فالاعتذار له بالقدر سقوط في عقيدة الجبر واستهزاء بالدين وإبطال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأدهى والأمرّ نسبة الشر إلى الحق تبارك وتعالى. غير أن الحديث عن تحكم الرحمان القادر الحكيم في قلوب عباده، وذكر الختم والطبع والغشاوة على القلوب والأسماع والأبصار، والصرف عن الآيات وسبل الهداية قد يكون صحيحا بل مطلوبا إذا كان من باب تذكير المؤمن بقدرة الله وفضله عليه حتى لا يغترّ ولا يطمئن إلى عمله وحوله، والتائبِ حتى لا ينكص أو ينقض العهد، والظالمِ المُصِرِ عساه ينزجر ويرجع. أما السكوت عن الظالمين مع القدرة على الإنكار والتغيير، والاكتفاء عوض ذلك بذكر ما سبق وتفويض أمرهم إلى الله في الآخرة فَهُوَ هُوِيٌ في حضيض عقيدة الإرجاء في أبشع صورها. أما إذا وصل الخزي إلى مدح الظالمين في فسادهم وإفسادهم وعرضهما في أعين الناس في صورة الإسلام الصحيح والحكم الرشيد، وقد يصل الأمر عند البعض إلى الإنكار على من ينكر عليهم من العلماء والصالحين، بقلب الحقائق وإنكار الثوابت الشرعية والبديهيات العقلية والطبيعية، فآنئذ يمكن اعتبار الكفار والمشركين المنكرين للظلم في بلادهم أحسن حالا في الأصل الإنساني من هؤلاء المنتسبين زورا لأهل الإيمان والعلم والصلاح. وهذا الحال المخزي المضحك المبكي هو ما عليه الآن طائفة من “النخبة الدينية”(!؟) المتحلّقة حول الحكام المفسدين في بلاد المسلمين كتحلّق الذباب أو الطفيليات حول الخبائث والقاذورات. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذه العقائد والسلوكات هي ديدن العاجزين الجبناء المقبلين على الدنيا المعرضين عن الآخرة الناسين لربهم مع قدر غير يسير من الجدل وعلم اللسان في خدمة باطل نفوسهم ومَن فوقَهم من الظالمين المفسدين.

2- التوكل:

حقيقة التوكل التي تجمع مراتبه وأجزاءه ولوازمه كلها هي في المقام الأول الاكتفاء بالله، بالعبودية والمحبة واليقين والرضا به وبفعله سبحانه وتعالى عوضا عن كل شيء تصديقا لقوله تعالى: “أليس الله بكاف عبده” وقوله في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي بي ما يشاء”، وهذا عمل القلب أساسا؛ وفي المقام الثاني اتخاذ الأسباب الطبيعية والشرعية، إن تعينت، نحو المقاصد والغايات الطبيعية والشرعية )مع التوكل على الله فيها( حياء وأدبا مع الحبيب صلى الله عليه وسلم وتصديقا وامتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن التوكل والأسباب: “اعقلها وتوكل”، وهذا عمل الجوارح.

واتخاذ الأسباب هو من مقتضى الحكمة التي خلق الله من أجلها الكون. لذا فالزهد في الحركة والسبب والعمل تخلّف عن مقتضى استخلاف الله سبحانه للإنسان على الأرض ونقص في اتباع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم الأسوة الكاملة في التوكل على الله حق التوكل والعمل الصالح المتقن وفق الشرع والأسباب والسنن الكونية. الأدب مع الأسباب ألا تهمل إن وجدت وتعيّنت، دون أن تصبح حجابا مانعا عن رؤية الفاعل والرازق والخالق سبحانه وتعالى، فتتخذ أربابا مع الله أو من دون الله. المتوكل على الله إن وجدت الأسباب رعاها حق رعايتها دون إفراط أو تفريط، وإن فقدت لم يتغير قلبه تجاه ربه الخالق الرازق الحافظ.

3- ذات الحق:

قال تعالى في كتابه العزيز: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ}الجاثية20. وقال أيضا:{وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} البقرة118. وقال كذلك: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} الأنعام75.

لم يُرِنا الحق ذاته، لكن أسمعنا كلامه الدال عليه، وأشهدنا آياته وهي آثار صفاته، وبعث أنبياءه المعرِّفين به وبالطريق المؤدي إليه؛ وأمرنا بذكره المحبِّب إليه المقرِّب إلى حضرته. فالآخذ بأسباب الهداية هذه مع التقوى واليقين يصير بإذن الله الكريم الوهاب المتفضل على عباده إلى حال هو أقرب إلى رؤية الحق سبحانه وتعالى. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم معرفا الإحسان: “أن تعبد الله كأن تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك”.

4- خصال العاقل:

يُعرف العاقل بجملة خصال، منها: الحلم، محاسبة النفس والعمل لما بعد الموت (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت”)، مداراة الناس (قال سيدنا علي رضي الله عنه: “مداراة الناس نصف العقل”)، اغتنام الوقت وترك الفَضول وما لا يعني (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”)، الحرص على ما ينفع في البدن والدين والدنيا وإن كرهته النفس، والصبر على ما يضر في البدن والدين والدنيا وإن اشتهته النفس (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُفّت النار بالشهوات وحُفت النار بالمكاره”)، الاتعاظ بحوادث الدهر

وتجارب الناس وتدبّر آيات الخالق الحكيم سبحانه وتعالى في القرآن والنفس والآفاق، ورأس كل هذه الخصال الخوف من الله (في الخبر: “رأس الحكمة مخافة الله”).

5- مداراة الناس:

مداراة الناس من خصال العقلاء. وقد عدّها سيدنا علي رضي الله عنه نصف العقل. وهي حسن المعاشرة وتوقي شرور الناس وطباعهم السيئة بالحرص على سلوك ألطف الطرق وأكثرها رفقا للخروج من معاملتهم بأكبر ربح وأقل خسارة (للجميع أو للطرفين) في البدن والدين والدنيا دون رياء أو سمعة أو مداهنة على حساب الشرع. وبهذا المعنى مداراة الناس من خصال النبوة. المداراة في كلمة واحدة هي اليقظة والحزم صيانة لحقوق النفس، والشفقة والرفق رعاية لحقوق الناس مع حُسْن التخلص وسرعة البديهة وحفظ الحدود. وبهذا المعنى فهي تفريع عملي من القاعدة العظيمة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشهير: “لا ضرر لا ضرار”.

6- أنوار الذكر:

كلما كثرت المصابيح في مكان إلا وتلاشت ظلال الأشياء فيه. هذه الصورة الحسية تصلح مثالا طيبا لإبراز عمل الذكر في القلب: أنوار أسماء الله ودعائه ومناجاته وطاعته تُخرج من القلب ظلماتِ الغفلة والمعصية والشهوات والشبهات.

أما إذا كثر الذاكرون في أرض ما فإن هذه يعظم خيرها وبركاتها. قال تعالى حاكيا خطاب نوح لقومه: “َقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً{12}”.وقال أيضا:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} الأعراف96.