الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أجمعين وبعد، فقد عرف المغرب في الأيام الماضية سيركا سياسيا لم يسبق له مثيل. أسقط آخر أوراق التوت عن عورات سياسـييه الأشاوس. فباتوا في ساحته عُراةً من كل مصداقية، قد انكشفت سَوْءات َطمَعهم وَوُصُوليتهم وهم يتهارشون على المناصب والكراسي على مرأى ومسمع من جماهير ناقمةٍ عليهم، قد سئمت مسرحيتهم الممجوجة المُكَرَّرة التي يسمونها تارةً “انتقالا ديمقراطيا” وتارةً “عهدا جديدا”…

الموسـم.. أو حملـة الصبيـانبالأمس القريب حملة انتخابية أبرد من الصقيع، لم يتفاعل معها إلا الأطفال، يطاردون ممثلي بعض الأحزاب في الشوارع والأزقة، تماما كما يفعلون مع لصٍ عاثِرِ الحظ، انفضح أمره بين أبناء الحي، أو معتوهٍ لم يجد طريقه إلى المصح العقلي بعد.. كم ضحك المغاربة من أولئك المناضلين والزعماء السياسيين الذين أظهرتهم شاشة التلفاز يَتَشَـنََّّجون ويصرخون ويعوُون ويزعقون، لكي يوهمونا أن في البلاد حِرَاكًا سياسيا وبرامج تتنافس على رضا الناس وأصواتهم. رغم كل هذا الضجيج لم يتجاوز عدد المواطنين الذي أطَّـرته الأحزاب إبان حملتها بضعة آلاف. إذا طرحنا منها الصبيان والفضوليين، لم تبق سوى كمشة من الانتهازيين وبعضٌ ممن يظن وهما أو زعما أن بإمكانه أن يُغَيـر من داخل المؤسسات.

درسٌ آخـر… في الفلسفة هذه المرةفي هذا الخضم، التقط بعضهم من مقررات الفلسفة كلمةَ العدمية (ولًيته ما فعل) لِيَصِف بها “المشككين في جدوى الانتخابات”، واهما بذلك أنه سَيُحْرج الناس وسيحملهم على الذهاب إلى صناديق الاقتراع… إذ سرعان ما أتـاه الرد الشعبي يوم 7 سبتمبر: أكثر من ثلاثة أرباع المغاربة قاطعوا هذه المهزلة… فجاء الأمر كشبه استفتاء، صوتت فيه الغالبية الساحقة لصالح العدمية والأقلية لـ… شيء آخر غيرها…

ولعمري إنه لموقف سيسجله التاريخ للمغاربة بمداد من ذهب، فهو رسالة لمن يهمه الأمر أنْ قد طَفح الكيل وأنَّ زمان الخنوع قد وَلـَّى بلا رجعة. العدمية بالمناسبة، هي موقف فلسفي يقول بأن العالم كله، بما في ذلك وجود الإنسان، عديم القيمة وخال من أي مضمون أو معنى حقيقي… أليس غريبا أن تنطبق هذه الأوصاف على”اللعبة السياسية” في المغرب ؟!

حـاميها حَـرَامِيها…وكأن شيئا لم يكن، واصل السيرك عروضه. رغم أن الساسة صاروا في وَضعٍ أقرب لِمُمَثلٍ رديء، قذفه الجمهور بالبيض الفاسد وبقايا الطماطم.. ومع ذلك أبى إلا أن يُتِمَّ عرضه المُغِرق في السخافة… فعُيِّـن وزير أول “تبعا للمنهجية الديمقراطية”. وجئنا على فصل آخر من فصول العبث. فالرجل ذو سوابق… مئات الأمهات لازلن يلاحقنه بدعواتهن: “الله يَاخُذ فيه الحق..” كما خرب بيوت أبنائهن. بدل أن يُحَاكَم ويُسجن صَيَّروه وزيرا أولا نِكَاية في المغاربة الذين لم تطأ أقدامهم مكاتب التصويت. وهو الذي جاء أخيرا في دائرته ببضعة آلاف صوت، أي أنه نجح “بستة وستين كْشِيفَة” وبطعنٍ يُلاحق النتيجة التي ُأعلن عنها…وبعد هذا المسخ الديمقراطي صار كل شيء مباحا في السيرك…

في الخريف… تسقط أوراق التوتثم بدأت لقطات العُري السياسي تتوالى تِبَاعًا ِلـتُظهر المكنون من نوايا طُـغْمَةٍ فاسدةٍ من السياسيين: تحالفات لا معنى لها ولا أساس من برامج سياسية منسجمة أو رؤى سياسية متقاربة، ولا مبرر لها سوى شَدِّ الحزام والتخنْدُق للظفر بمنصب وزير أو سفير… سِجَالٌ بين الأحزاب حول توزيع الحقائب كان أقوى من صراع البرامج المزعوم واقتتال داخل نفس الأحزاب على الكراسي… معايير الكفاءة والأمانة غابت، تاركة مكانها للمحسوبية والقبلية وربما لأشياء أخرى لا نعلمها (من قبيل من يدفع أكثر مثلا…). تَهَافُتُ أشباه المناضلين على الاستوزار وصل ببعضهم لحد التهديد بنزع القميص الحزبي أو كشف الستار عن بعض فضائح زعيم الحزب، إن هو لم يضمن له حقيبة!! وأكثرهم وقاحة أولئك الذين لفظتهم صناديق الاقتراع ومع ذلك يطالبون بحقهم من “الكعكة الحكومية”. بل بلغ الاستهتار بالمسؤولية بهم أن تقاذفوا الوزارات “الكثيرة المشاكل” كما يتقاذفون الجُـذام!! كُلٌّ يطمع في وزارةٍ لا عَنَتَ فيها ولا نَكَد، حتى ترفع أسهمه في الانتخابات المقبلة، ونِعْمت الرؤيا الاستراتيجية!!!

ابتسم… الكاميـرا الخفيةولأول مرة نُدركُ أن المخزن يتمتع بِحِسِّ فكاهة نادر الوجود… فما تلا هذا التهافت على المناصب مضحك فعلا… إذ أمعن المخزن في التنكيل بالزعماء والأحزاب، التي كادت تنسى نفسها وتُصَدِّقَ حقـًّا أنها في بلد ديمقراطي… فَبِخِفَّة لاعب الأكروبات قفز المخزن على هذا السجال الغبي وبمهارة الحاوي أخرج من جعبته لائحة الحكومة وفرضها على الجميع (واللـِّي ْدوَا يَرْعَفْ)، بقي فقط أن يخاطب المواطنين الذين غبنوا بالذهاب لمكاتب التصويت قائلا: “شعبي العزيز…ابتسم!! فقد شاركت معنا في الكاميرا الخفية…”. استقدم أناسا محسوبين عليه وألبس بعضهم قبعات أحزاب لم يستشرها، ورغم أنف المغاربة الذين لم يصوتوا عليهم أصلا… وكما يُتَلـَقَّى الوحي من السماء هرول الوزير الأول المُعَيَّن بلائحة الوزراء، كأحسن ما يفعل ساعي البريد، مبلغا الأحلاف أن هذه إرادة القصر وأن عليهم جميعا أن يهتفوا ملئ حناجرهم: “آميـن…” ولتذهب المنهجية الديمقراطية إلى الجحيم!!

عدميـو العهد القديم وأوبـاش العهد الجديدوبعد، فلا عجب أن تأتي الحكومة هجينةَ لقيطةَ لا أب لها ولا أم، سوى المخزن بالطبع… مُكْتـنزة بالمناصب، لا لون لها ولا طعم، لا سيادة لها ولا قرار بيدها… ولا عجب أن تتناسل عنها في الإدارات والمؤسسات عصابات تتعاضد ليحمي بعضها بعضا من الأوباش والعدميين (كلا النعتين استعمل ضد المغاربة وكلاهما من بنات أفكار المخزن: الأوباش عدميو العهد القديم والعدميون أوباش العهد الجديد…) أولئك الذين يصارعون بعيدا عن هذا العبث للإبقاء على أنفسهم في وطنٍ، يبدو جليا أن الهَمَّ الأول لمسؤوليه هو إبادة أبناء الشعب عن بَكرة أبيهم… يُلقـون نصف شبابهم في البحر ويُسَممون النصف الآخر بالحشيش والشيرا والكوكايين… ويقتلون شيوخهم بالسكري والسكتة القلبية كمدا على الأبناء المدمنين أو المعطلين… ومن لم يَمُت من هؤلاء وأولئك فمصيره السجن أو الجنون… والبقية الباقية ربما سيحلفون لهم بأنهم ليسوا مغاربة.. وأن أصولهم تعود إلى جزر الكايمان أو جزر توفالو… وأن عليهم أن يُخْلوا أرض المغرب طوعاً قبل أن تشحنهم الطائرات إلى موطنهم الأصلي كرهاً…