مقدمـةآية ترسم أهداف التغيير في نظام الإسلام، دعوة ودولة، وهي قوله عز من قائل:

“الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ”. (سورة الحج الآية41)

(الأول) إقامة الصلاة. هي عمود الدين. هي روح العبادة. وأكمل العبادة أن تعبد الله كأنك تراه. وهذا هو الإحسان.

و(الثاني) إيتاء الزكاة. تطهير للنفوس من شحها، حتى تفيء إلى أمر الله في التكافل والبذل والعدل في قسمة الأرزاق.

و(الثالث) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هو القطب الأعظم في الدين، العاصم بأمر الله لأمر الله دعوة ناصحة، ولأمر الناس دولة شورية.

وعلى هذا قوله تعالى:

“وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” (سورة الشورى الآية38)

وآية تدل على مدار القوة الممكنة في الأرض وهي قوله تعالى:

“وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (سورة النور الآية 55)

مدار الأمر وعدة التمكين، في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح المشترك. والشأن كل الشأن في الإخلاص لله في العبادة.

وآية تدل على الرجال في مجتمع الإيمان، وهي قوله عز وجل:

“إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَك وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (سورة المزمل الآية 20).

رجال قوامون لله قائمون على أمره هم ملاك الدعوة إلى الله. ورجال مرضى لهم العذر، ولهم حق الرعاية الصحية والأخوية حتى يلتحقوا بالركب الإيماني الجهادي. ورجال اقتصاد يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ورجال جهاد يقاتلون في سبيل الله والمستضعفين في الأرض.

وهكذا فاعلان في دولة القرآن:

(الأول) رجال الدعوة في التربية والتعليم والصحة النفسية والبدنية.

و(الثاني) رجال الدولة في الجيش والاقتصاد والإدارة.

رجال دعوة ورجال دولة، هم القوة الاقتحامية في دولة القرآن. فما دعائم هذه القوة؟

تعلمناها الآية الكريمة الواصفة لمثل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه رضي الله عنهم أجمعين:

“مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”. (سورة الفتح الآية 29)

معه، صحبة ومحبة، وطاعة واتباعا. رحماء بينهم تحاببا وتزاورا وتباذلا، وتناصحا وتشاورا. روح ما يجمعهم هو الإيمان بالله، وذكر الله ركوعا وسجودا، والصدق مع الله ابتغاء فضله ورضوانه.

وعلى هذا السبيل آية أخرى تعلمنا المحبة والشورى والطاعة جميعا. وهي قوله تعالى في شأن النبي صلى الله عليه وسلم:

“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”. (سورة آل عمران آية159)

محبة في لين، رحمة من الله هي حداء الطاعة. ولولاها “لانفضوا من حولك”. “فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”.

رابطة الإيمان ولاية بين المومنين. ونصيحة وشورى هي القطب الأعظم في الدين. وطاعة في الله ورسوله وأولي الأمر من المومنين؛ منهم لا من غيرهم.

أس هذه الدعائم الإيمان بالله واليوم الآخر. عنه تتفرع الدعائم الأخرى؛ من نصيحة وشورى وطاعة.

النصيحة والشورى والطاعة، كل أولئك محكوم بشريعة الله واجتهاد في ظلها. الشورى وسيلة النظر فيها، والنصيحة دلالة عليها، والطاعة آلة تحقيق مقاصدها.

دعائم ثلاث:

(الأولى) محبة روحها الإيمان بالله واليوم الآخر.

و(الثانية) نصيحة وشورى في ظل الشريعة.

و(الثالثة) طاعة لتحقيق أهداف الشريعة في العدل والإحسان والوحدة والشورى.

كيف السبيل إلى الطاعة من دون وسائل أهمها اقتصاد قوي، قوامه المال والعلوم والتقانة.

يتأسس بناء القوة الاقتحامية في دولة القرآن على قواعد الإيمان بالله واليوم الآخر، والولاية الجامعة المنظمة، والقومة الشورية، والطاعة في المعروف، والتعلم من تجارب الإنسان وحيلته في الأكل من رزق الله في الأرض.

وهكذا القوة إيمان بالله واليوم الآخر، ثم حكم شوري، ثم اقتصاد عادل، ثم توحيد ووحدة، ثم حمل رسالة الله رحمة للعالمين. قوة تستضيء بضياء الإيمان، وتستنير بنور الشريعة، فتقتحم العقبات إلى مقاصدها المشروعة في العدل والإحسان والوحدة والشورى.

تتفرع شريعة دولة القرآن ومشروعيتها عن قوتها. وروح قوتها الإيمان بالله واليوم الآخر. الرابطة الإيمانية هي محور هذه القوة، بوهنها أصبحت الأمة غثاء.

فكان الداء، مبتدأ الداء، وهن الإيمان في القلوب؛ فيكون الدواء، مبتدأ الدواء، تجديد الإيمان في القلوب.

دولة القرآن ودعوته، كيف بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورعاها خلفاؤه الراشدون من بعده؟ وكيف دالت، فشالت كفتها ورجحت كفة دولة العض والجبر؟ ثم كيف بناؤها على منهاج النبوة، فتكون رحمة للعالمين؟

عن هذه الأسئلة، وما على سبيلها، يجيب هذا الكتاب بعض الإجابة. نبراسه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشر بإشراق شمس الخلافة بعد ظلام العض والجبر.

روى الإمام أحمد بسند صحيح عن حذيفة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال:

“تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

وعلى الله قصد السبيل.

– يتبع –