خاتمةمر معنا في الصفحات السابقة أن حاجة الدعوة إلى الله تعالى اليوم كامنة في ضرورة التجديد في فقهها من حيث المعنى ومن حيث الوسائل الكلية لتنزيله بما يفضي إلى حقيقة العلم بالله تعالى وبيان طريق السلوك إليه سبحانه.

وإذا كان سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو المجسد الكامل للدعوة إلى الله سبحانه بشخصه وسيرته العطرة في أصحابه وأمته والناس أجمعين؛ إذ صلاة الله وسلامه عليه هو القدوة المثال وخاتم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن أي فقه لا يفضي إلى الاقتداء الكامل به إنما هو فقه ناقص وقاصر عن البناء الكلي وعن التأسيس للتجديد المطلوب.

إن الدعوة في حاجة اليوم إلى فقه جامع ينبني على التجديد في أمرين:

الأول: في معنى فقه الدعوة إلى الله جل جلاله.

والثاني: في عرض وقراءة السيرة النبوية حتى يفتح بذلك أفق تربوي إحساني وفكري كبير يعيد النظر في عرض الأصول منهجا ومضمونا وسياقا بما يحقق نهضة علمية وعملية شاملة تحيط بكل جوانب الحياة الفردية في ما يتعلق بسير الإنسان خلال رحلته عبورا للدنيا إلى الآخرة، والجماعية في ما يتعلق بواقع الأمة المحمدية وواقع الإنسانية.

ولذلك ففقه الدعوة إلى الله جل جلاله يدور على العلم بمعنى العبودية لله تعالى بمقتضى قوله جلا وعلا: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، وعلى العلم بالوسائل الكلية والجامعة لتحقيق ذلك بمقتضى قوله تعالى: “يادود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق”، وقوله سبحانه: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

فالاتباع الكامل لسيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني التجديد بما يحقق الاقتداء به في سيرته الطيبة الطاهرة مع صحابته الكرام في البناء الكلي على المستويات الأربع:

الأول: بناء الفرد.

الثاني: بناء الجماعة.

الثالث: بناء الأمة.

الرابع: خدمة الإنسانية من خلال بناء نظام عالمي إنساني قائم على قيم العدل والإحسان بمقتضى قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر”، وأساسه بر الفرد وكل معاني البر بمقتضى قواعد ومعاني الجماعة المجاهدة والأمة الحاملة للرسالة المحمدية.

إننا بهذا إزاء فقه جديد لابد أن يوفر من الوسائل العلمية والعملية ما يقارن ويوازن ويربط ويرجح بين قيم ومصالح كل مستوى ويدقق العلاقة بين المستويات مجتمعة كاملة أو بين بعضها.

ولذلك فنحن اليوم في حاجة ملحة إلى حلقتين اجتهاديتين متكاملتين:

الأولى: عملية اجتهادية فكرية جامعة وظيفتها التجديدية الأساسية إعادة عرض الأصول وبناء الفهم السالم لها، وهو ما يقتضي إعادة عرض السيرة النبوية عرضا بنائيا متكاملا، وليس عرضا وعظيا صرفا أو عرضا علوميا جافا مجردا، لأن السيرة النبوية بما هي حقيقة القرآن الكريم حياة شاملة لكل ما يرتبط بالإنسان دنيا وأخرى فردا وجماعات وأمما وشعوبا.

والثانية: القدرة العلمية المؤسسة على الحلقة الأولى بما يعيد النظر في جل العلوم الشرعية وتجديدها التجديد المطلوب منهجا ومضمونا وسياقا مع تدقيق العلاقة بينها وبين العلوم الكونية.

وعلى رأس هذه العلوم علم أصول الفقه وعلم المقاصد نظرا لوظيفتهما الاستنباطية، ونظرا لكونهما لهما علاقة بالسلوك اليومي للفرد والجماعة والأمة وقضايا الإنسانية المستجِدة.

إن فقدان الحلقة الأولى يعني استمرار البعثرة المربكة كليا أو جزئيا على مستوى الحلقة الثانية. وإن مستقبل الدعوة إذا أريد له أن يكون منجمعا مجتمعا لابد أن يدخل إلى عملية التجديد على مستوى الحلقة الثانية من خلال التجديد على مستوى الحلقة الأولى التي تشكل قاعدة التجديد الكلي.

وإن التجديد على مستوى الحلقة الأولى سيبقى بعثرة لا حدود لها، قد تتحول إلى انحراف خطير، إذا لم يبنى على قاعدة إحسانية عبادية أخلاقية عالية.

وها نحن حصلنا أفق عملية التجديد الكبرى الجامعة والشاملة لكل تفاصيل حركة الدعوة علميا وعمليا:

1- إن أساساها وعمقها إحساني، ومن ثمة فمقاصدها وغايتها لن تكون إلا إحسانية دنيا وأخرى.

2- إن هذا العمق الإحساني النبوي يفتح أفقا فكريا عميقا يمكن من حصول عملية تجديد متوازنة ومستقيمة، لأن العلمية التربوية تمت على قواعد من الشرع اتباعا كاملا لسيد المحسنين وإمام المتقين.

3- إن الأفق الفكري المؤسس على عمق إحساني يفتح أفقا سياسيا حركيا يصعد متدرجا وحكيما ورحيما نحو البناء الكلي لنظام الخلافة بما هو غايته إحسانية تكمن فيها حاجة الإنسانية إلى ضرورة بناء نظام عالمي يوفر الشروط المادية والنفسية والسياسية والاجتماعية لقيام الاستقرار والأمن والاطمئنان حتى تتهيأ شروط العبودية لله تعالى.

وبناء على هذا العمق الإحساني وهذا الأفق الفكري والسياسي تتحرك الدعوة مستجيبة لنداء الله تعالى والدعوة إليه على قواعد من الفقه الجامع والعمل المتكامل تجديدا كليا وشاملا لا يختزل عمله في معارك جزئية أو فرعية، لكنه يعالج الجزئية وفق علاقتها بخدمة المشروع التجديدي الدعوي في شموليته، ولذلك فالدعوة قوة كاملة في صناعة الأحداث وبناء المواقف واحتلال المواقع تدرجا نبويا ووراقة نبوية.

والله من وراء القصد وهو سبحانه يهدي إلى سبيل الرشاد.