عين الملك عباس الفاسي وزيرا أول، وإذا كان في ذلك احترام ظاهري “للمنهجية الديمقراطية”، من خلال تعيين أمين عام حزب الاستقلال الذي احتل المرتبة الأولى في انتخابات 7 شتنبر من حيث عدد المقاعد، فإنه باطنيا يخفي أن حزب الاستقلال بلغة الأصوات يحتل المرتبة الثانية؛ ويخفي كذلك أن 63 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية فضلوا عدم المشاركة في الانتخابات، وأن هناك مليون بطاقة ملغاة؛ وأن جل الذين فازوا في انتخابات 7 شتنبر هم عبارة عن أعيان وتجار وباحثين عن ريع سياسي.

قام الوزير الأول بعد تعيينه بعدة لقاءات مع الأمناء العامين لأحزاب الأغلبية البرلمانية السابقة، لكي يطلب مشاركتها في الحكومة المقبلة. وإذا كانت أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والتجمع الوطني للأحرار قد وافقت بشرط أن يتم الرفع في عدد الوزارات المخصصة لها، فإن الحركة الشعبية وافقت في بداية المفاوضات، لكنها تراجعت عن موافقتها حينما رفضت “الجهات العليا” لائحة الوزراء التي اقترحتها للاستوزار، والتي كان من ضمنها ابن الأمين العام المحجوبي احرضان.

حينها، وجريا على ما جرى به العرف المغربي، كان الحديث عن تشكيل حكومة غير منسجمة، تضم خليطا من أحزاب اليمين واليسار وأحزاب الإدارة؛ وطرح التساؤل: هل سيتمكن عباس من تشكيل هذه الحكومة من خلال مشاوراته مع الأحزاب؟ واعتمادا على نتائج الاقتراع؟ أم سيتدخل القصر ليسلمه لائحة الحكومة المقلبة ؟

الأخبار التي تسربت فيما بعد، وأكدتها مجريات الأحداث غلَّبت الفرضية الثانية، وكشفت أن ثلث وزراء الحكومة الجديدة القديمة هم عبارة عن تكنوقراط ولم تخترهم الأحزاب (11 وزيرا من أصل 33 وزيرا)، مما يطرح على النخبة السياسية و”الجهات العليا” في البلاد الأسئلة التالية:

إلى متى سيبقى المخزن الجديد القديم يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في الحياة السياسية؟ هل هذا يعني أن النخبة السياسية الحالية ليست ناضجة بما فيه الكفاية، ولم تبلغ بعد سن الرشد السياسي لتدبير أمور البلاد والعباد بنفسها؟

وإلى متى ستبقى سياسة الإملاء والفرض والتعليمات والتخويف هي التي تحكم الحياة السياسية المغربية؟

وإلى متى سيبقى زعماء الأحزاب السياسية يضحون بمصلحة البلاد والعباد من أجل مصالحهم الشخصية ونزواتهم النفسية؟.