وقفـات مع الدكتـور حليـم!إذا كان الدكتور الريسوني قد اختار طريقا مختصرا، فجزم بضعف الحديث من غير بيان المستند، ودون أن يرفع الوهم والإيهام عن القراء، فإن أحد الدكاترة الجامعيين حاول دسّ نفسه بين العارفين بالحديث وعلومه، فخبط خبط عشواء وهو يجرب مناطحة الحديث الصحيح ليوهّنه، فأوهى المسكين رأسه!

وكيف لا، وهو أول متجرّئ على الحديث الثابت بالتضعيف، إذ لم يسبق إلى هذا الاختراع!

وإليك أيها القارئ كلامه بتمامه، قبل كشف الغطاء عما تضمنه من الخبط والخلط:

قال الدكتور في كتابه عن جماعة العدل والإحسان ص26/27:

حديث الخلافة يشكل عند جماعة العدل والإحسان أسّ المنهاج الذي يقرؤون به الماضي والحاضر والمستقبل.

والحديث رواه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. رواه الإمام أحمد في المسند. قال الهيثمي في مجمع الزوائد5/192: “رواه أحمد في ترجمة النعمان، والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط ورجاله ثقات.

والحديث في مسند الطيالسي تحت رقم438 بلفظ: “إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط تحت رقم6581 عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنكم في نبوة ورحمة، وستكون خلافة ورحمة، ثم تكون كذا وكذا، ثم تكون ملكا عضوضا، يشربون الخمور، ويلبسون الحرير، وفي ذلك ينصرون حتى تقوم الساعة”.

في حديث عند الإمام أحمد: “الخلافة ثلاثون عاما بعد ذلك الملك”. وعند الترمذي في السنن حديث رقم2326: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” ورواه أبو داود في السنن حديث رقم4611 بلفظ: “خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء”.

قال المنذري: في إسناده علي بن زيد بن جدعان القرشي التيمي، ولا يحتج بحديثه.

يستخلص من اختلاف هذه الروايات ما يلي:

1- قول الهيثمي في الرواية الأولى: رجاله ثقات، يشعر أن في متن الحديث أمرا ينبغي التوقف عنده، وذلك أن أهل الحديث يفرقون بين قولهم: حديث صحيح. وقولهم: حديث إسناده صحيح. فالعبارة الأولى تشمل السند والمتن بالصحة، بخلاف العبارة الثانية التي قد تفيد في مفهومها أن المتن فيه ما فيه من ضعف، أو أن الذي استعمل هذه العبارة لم يتبين له وجه الحق في المتن، فتوقف. والتوقف شك، والشك يستدعي التحري.

وبالرجوع إلى الروايات المذكورة يظهر أن في متن الحديث اضطرابا. فتارة يروى بلفظ وتارة أخرى يروى بلفظ آخر. تارة بالزيادة وتارة بالنقصان. والحديث المضطرب نوع من الضعيف كما هو مقرر عند أهل الصنعة الحديثية.

مثل هذا الحديث الذي يحمل هذه البشارة يستحق أن يكون مشهورا مرويا في أغلب كتب السنة. والواقع أن هذا الحديث لا ذكر له في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم، وألفاظه مختلفة بين سنن الترمذي وسنن أبي داود كما سبق أن بيّنّا.

فالسؤال المركزي الذي أتوجه به للأستاذ عبد السلام ياسين: لماذا لم يرو هذا الحديث بهذا القدر والمنزلة في الصحيحين؟ وقد تجيبني: إن مصادر الصحيح لا تقتصر على الصحيحين، فهناك أحاديث صحيحة في غيرهما. أقول: جوابك صحيح، ولكن هذا الحديث ليس كغيره من الأحاديث، ففيه بشارة عظيمة، فلماذا لم يشتهر عند الصحابة وعند التابعين؟. انتهى كلام الدكتور.

وقد يغتر من لا خبرة له بفن الحديث، عندما يسمع الجعجعة الصادرة عن كلام الدكتور، فيظن أنه أتى بما لا قبل به لمن يصحح الحديث!

والواقع أنها جعجعة لا تنبئ عن طحن، بل عن دوران في الفراغ، وإليك البيان عبر هذه الوقفات:

الوقفـة الأولـى:

لقد جعل الدكتور من حديث الخلافة: “تكون النبوة فيكم…”، وحديث سفينة: “الخلافة ثلاثون عاما…” حديثا واحدا. ثم صنع من ذلك وجود الاختلاف والاضطراب الذي أعلّ به الحديثين! وهذا اختراع لم يسبق إليه الدكتور.

والصواب أنهما حديثان اثنان لا حديث واحد، وهو ما يلحظه من له أدنى ممارسة للحديث وعلومه، وأضعف اطلاع على كتب السنة. فالأول يستعرض المراحل الكبرى لعمر الأمة، والثاني يخبر بمدة الخلافة بعد النبوة.

الوقفـة الثانيـة:

زعم الدكتور أن ألفاظ حديث الخلافة “مختلفة بين سنن الترمذي وسنن أبي داود”!

وهذا وهم فاحش، فحديث الخلافة لا وجود له في السنن الأربعة ألبته.

وهذا يعني أن الدكتور لم يكلف نفسه عناء البحث عن مظانّ الحديث ومصادر تخريجه.

نعم، يوجد في السنن حديث سفينة، وقد قلت لك إنه حديث مستقل.

فكن على دراية، وإلا فاطرح الراية.

الوقفـة الثالثـة:

نقل الدكتور عن الحافظ المنذري أنه قال عن حديث سفينة: في إسناده علي بن زيد بن جدعان القرشي التيمي، ولا يحتج بحديثه. هـ

وصنيع الدكتور يوهم أن الحديث ليس له إلا طريق واحد، يوجد في رواته علي ابن جدعان المضعف، ويوهم أن الحافظ المنذري يضعف الحديث بإطلاق.

وهذا لعمري من التدليس القبيح، والغش الذميم.

فحديث سفينة حديث صحيح كما قال أئمة السنة، وله طرق عدة لا وجود لابن جدعان فيها، والمنذري إنما حكم على طريق واحد، لا على كل الطرق.

الوقفـة الرابعـة:

لقد خلط الدكتور بين قول النقاد: “رجاله ثقات” وقولهم: “إسناده صحيح”، فجعلهما يحملان مفهوما واحدا. هذا ما يدل عليه سياق كلامه ومضمونه. وهذا غلط لا يقع فيه مشتغل بعلوم الحديث قط!

فعبارة: “إسناده صحيح” تستلزم ثقة رجال السند، واتصال طبقاته، وخلوه من الشذوذ والعلة.

أما صيغة “رجاله ثقات”، فلا تستلزم إلا ثقة الرجال، دون أن تتعرض إلى ما سوى ذلك من شروط الصحة بإثبات أو نفي.

الوقفـة الخامسـة:

ادعى الدكتور أن قول الناقد عن حديث “رجاله ثقات”، يفيد أن في المتن ضعفا، أو أن الناقد يشك في الحديث فتوقف!

ونحن نقول له: الاحتمالان المذكوران واردان، لكن هناك احتمالا ثالثا لم تذكره، وهو أن الناقد لم يستكمل نقده فأخبر بمرحلة من مراحله.

فمن مراحل نقد الحديث: جمع الطرق والبحث عن الشواهد، ثم دراسة كل إسناد على انفراد، ثم المقارنة بين الروايات والوجوه المختلفة… إلى أن يصل الناقد إلى حكم عام.

ومن طالع “مجمع الزوائد” للحافظ الهيثمي، ظهر له ما يلي:

1- الحافظ الهيثمي لم يقصد جمع الطرق ودراستها، فإن ذلك شاق وبه يطول الكتاب إلى مئات المجلدات، وإنما قصد إيراد الأحاديث الزائدة على الكتب الستة، والمخرّجة في بعض كتب السنة كمسند أحمد ومعاجم الطبراني.

وبناء على ذلك، فإنه يكتفي ببيان حال الرواة غالبا، دون أن يبحث عن الاتصال وانعدام العلة والشذوذ، فيقول عن السند مرة: “رجاله ثقات”، ومرة: “فيه من لم أعرف”. وقد يصححه أو يضعفه بإطلاق، وهذا قليل في كتابه.

2- إن الحافظ الهيثمي قد يكرر حديثا واحدا في بابين أو أكثر، وقد يقول في موضع: رجاله ثقات، وفي آخر يصححه أو يحسنه.

وهاتان الملاحظتان تعنيان أن الحافظ رحمه الله، لم يشترط على نفسه تمحيص أسانيد ما يورده من الأحاديث، فيكتفي بما ظهر له واستحضره.

ولذلك وقع في أوهام كثيرة، فرضت على تلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني، تعقبه في حياته بكتاب خاص.

وما قلناه، يقتضي عدم تحميل قوله في أي حديث: “رجاله ثقات”، ما أراد أن يحمّله الدكتور، من احتمال ضعف المتن أو شك الناقد!

ومسلك من يحترم قواعد علم الحديث، أن يأخذ من قول الهيثمي توثيقه لرجال السند، ثم يبحث في باقي شروط الصحة إن كان مؤهلا، وإلا فليغادر بسلام.

الوقفـة السادسـة:

قول المحدث: “حديث صحيح” أو “إسناده صحيح” يقتضي صحة الحديث عند المحدثين، لكن العبارة الأولى أقوى.

ولم يقل أحد: إن قول الناقد: “إسناده صحيح”، يحتمل ضعف المتن عنده أو شكه فيه.

وإنما قال بعض المحدثين في القرن السادس وبعده: لفظ: “حديث صحيح” لا يحسن صدوره عن غير الأئمة الكبار كالبخاري وأحمد وغيرهما. فمن دونهم يحسن به أن يعبر بقوله: “إسناده صحيح”، لأنه قد تغيب عنه العلل والشذوذات المحتملة!

بل دعا بعضهم إلى إقفال باب التصحيح والتضعيف، واستقبح الاستدراك على الحفاظ المتقدمين!، وهذان الاستحسان والاستقباح، ردّهما المحدثون كالعراقي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وغيرهم تنظيرا، وخالفوه ممارسة وتطبيقا، فصححوا وضعفوا ما لم يتكلم عليه الحفاظ الأوائل، واستدركوا على كبار الأئمة.

فعلى الدكتور أن يعيد النظر في كلامه، ويستحضر بشكل جيد كلام أهل الفن، قبل أن يخرج للمشتغلين بالحديث وطلبته ما يسيء إلى شواهده العليا.

الوقفـة السابعـة:

“هذا حديث عظيم، ولم يذكره البخاري ومسلم في صحيحيهما! ففي صحته نظر”

هذه العبارة وما في معناها، كثيرا ما يرددها من يفتقد الحجة، أو يصرعه برهان محاوره!

وقد لجأ إليها الدكتور، فشكك في صحة حديث الخلافة لعدم وروده في الصحيحين.

وجوابا على ذلك نقول:

أولا: إذا توفرت شروط الصحة في حديث ما، كان حديثا صحيحا، يجب العمل به، كان في الصحيحين أو في غيرهما.

ثانيا: البخاري ومسلم لم يقصدا تخريج كل الأحاديث الصحيحة، ولا أعظمها وأشهرها، فإذا لم نجد فيهما حديثا ما، لم يجز التشكيك فيه، فإن آلاف الأحاديث العظيمة، في العقائد والعبادات والأخلاق لا وجود لها في الصحيحين.

فإذا رددنا كل حديث عظيم لعدم وروده فيهما، هدمنا الدين من أساسه. والدكتور يدرك هذه الحقيقة، لكنها لم تكفه كما يبدو!، ومن لا يسلّم بالشمس فلا جدال معه.

ثالثا: إن الحديث المبشر بالمهدي المنتظر متواتر، وهو حديث عظيم جدا، ولم يخرجه الشيخان، فهل نشك في صحته يا دكتور؟!

وكذلك الحديث الصحيح: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”. وهكذا، إذا نظرت في كتب السنة، وجدت فيها أحاديث صحاحا، وفيها المتواتر، وتحمل المعاني والبشائر العظيمة، ولم يخرجها الشيخان، فهل نشك فيها ونردها؟

رابعا: إذا وجدنا حديثا عظيما صحيحا، ولم يخرجه الشيخان أو أحدهما، كنا أمام طائفة من الاحتمالات، منها:

1- عدم معرفة الشيخين بالحديث أصلا، وهذا جائز عليهما وواقع، فما هما بمعصومين ولا جامعين لكل السنة، وكم من حديث لم يعرفاه، وهو مخرّج في الكتب المتقدمة عليهما، أو في زمانهما.

2- قد يصل الحديث إلى الشيخين من طريق ضعيف، فلا يخرّجانه، ويكون له طريق آخر صحيح أو أكثر، تتوفر فيه الشروط التي وضعها الشيخان.

ولذلك صنف الدارقطني كتاب: “الإلزامات والتتبع”، وألف الحاكم النيسابوري: “المستدرك على الشيخين”.

فقد لاحظ الدارقطني والحاكم، أن الشيخين لم يخرجا مئات الأحاديث التي توفرت فيها شروطهما، فاستدركوها عليهما.

3- قد تتوفر شروط الصحة في حديث ما عند الشيخين، فيريان أنه لا حاجة إلى تخريجه في الصحيح، وذاك مبلغ اجتهادهما، أو يغفلان عنه وينسيانه، ولو كان عظيما جدا.

ومن يُلق نظرة على تواريخ البخاري وكتبه الأخرى، ير فيها عشرات الأحاديث العظيمة التي لم يروها في الصحيح.

4- إن الظروف السياسية، قد تفرض على المحدث تجنب الأحاديث التي يمكن أن تجر عليه أذى الحكام. وهذا أمر واقع مارسه كثير من العلماء، ولا يجادل فيه إلا معاند.

والشيخان عاشا في زمن العباسيين، وحديث الخلافة يخبر بأن فترتهم فترة ملك عضوض، وبأنها زائلة ومتحولة إلى ملك جبري، ثم يحل محلهما العدل والقسط، فمثل هذا الحديث، إذا خرّجه الشيخان في أصح كتب السنة، قد يعتبره العباسيون نذير شؤم عليهم، وتحريضا على دولتهم، ومن شأن ذلك أن يدفعهم إلى الانتقام، وربما أمروا بحرق الصحيحين وعاقبوا من يمتلكهما، وبذلك تضيع فوائدهما وجهودهما.

ويبدو أن الإمام البخاري، رضي الله عنه، كان أشد حذرا من الأحاديث المتعلقة بالحكام، فلا تكاد تجد فيه حديثا يدعو إلى الإنكار على الحكام المفسدين.

وبالجملة، فإذا صح الحديث، لزم قبوله، خرجه الشيخان أو غيرهما، هذا ما اتفقت عليه كلمة المسلمين.

الوقفـة الثامنـة:

يزعم الدكتور أن حديث الخلافة “لم يشتهر عند الصحابة والتابعين”!

والحق أن الدكتور لا يعرف أن الحديث جد مشهور عند السلف الصالح، فقد رواه جماعة من الصحابة، وتعددت طرقه إلى حد التواتر، ولكن الدكتور لم يكلف نفسه عناء البحث قبل الحكم، وذلك عيب قبيح.

ولنفرض أنه لم يشتهر، فهل يضيره ذلك إذا رواه صحابي واحد، وكان صحيحا؟

إذا كان ذلك أمارة على ضعف الحديث، فاعلم أن حديث: “إنما الأعمال بالنيات”، وهو من أجل الأحاديث، لم يروه من الصحابة إلا مولانا الفاروق رضي الله عنه، وقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة، ولم يروه عن عمر إلا رجل واحد، وقد رواه سيدنا عمر فوق المنبر، ومع ذلك كله، فحديث النية متفق على صحته بين الأئمة.

الوقفـة التاسعـة:

الحديث المضطرب عند المحدثين: هو ما تعددت رواياته وطرقه، وتساوت أسانيده من حيث القوة والصحة، ووقع الاختلاف بين رواياته إلى حد التناقض، فتعذر الجمع بين رواياته المختلفة، وعسر ترجيح إحداها.

فإذا تعددت روايات الحديث واختلفت، وأمكن الجمع بينها، أو ترجيح بعضها، لم يكن الحديث مضطربا ولا ضعيفا، بل تكون الرواية الراجحة صحيحة، وتكون المرجوحة شاذة إذا كان راويها ثقة، أو منكرة إذا كان راويها ضعيفا.

هذا ما قرره علماء الحديث، وعليه مشى من تصدر للتصحيح والتضعيف، وأكتفي هنا ببعض النقول في الموضوع:

قال الحافظ ابن الصلاّح في مقدمة علوم الحديث صفحة55:

النوع التاسع عشر: معرفة المضطرب من الحديث:

المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى: بأن يكون راويها أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه.

ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلك من راو واحد، وقد يقع بين رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط والله أعلم هـ

وفي المقنع للحافظ ابن الملقن صفحة221:

المضطرب، وهو الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية. فإن رجحت إحدى الروايتين، بحفظ راويها أو كثرة صحبته للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يكون مضطربا، وإنما يسمى مضطربا عند تساويهما. هـ

وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة، في الكلام على حديث جابر “في بيع وشرط”: أشار بعضهم إلى أن اختلاف الرواية في الحديث، مما يمنع الاحتجاج به. قال: وهذا صحيح بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها. أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها، إما لأن رواته أكثر أو أحفظ، فينبغي العمل بها، إذ الأضعف لا يكون مانعا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح، قال: فتمسك بهذا الأصل فإنه نافع في مواضع عديدة، منها أن المحدثين يعللون الحديث بالاضطراب ويجمعون الروايات العديدة، فيقوم في الذهن منها صورة توجب التضعيف.

والواجب أن ينظر إلى تلك الطرق، فما كان منها ضعيفا أسقط عن درجة الاعتبار، ولم يجعل مانعا من التمسك بالصحيح الأقوى”. نقله الحافظ ابن حجر في النكت على مقدمة ابن الصلاح2/226.

وبعد، فهل اختلفت روايات حديث الخلافة إلى حد التعارض والتناقض، فامتنع الجمع؟

وهل تساوت طرقه في القوة فاستحال الترجيح، يا فضيلة الدكتور؟!

إن الجواب واضح لكل من تأمل روايات حديث الخلافة وطرقه المتقدمة، فإنه يلحظ الآتي:

أولا: لا وجود للتعارض والتناقض بين روايات الحديث الصحيحة والحسنة، فكلها متفقة على ذكر المراحل الكبرى لتاريخ الأمة، إلا أن ألفاظها مختلفة.

وهذا الاختلاف راجع إلى تعدد المناسبات التي قاله فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو للرواية بالمعنى، أي أن بعض الرواة نقل مضمون الحديث بأسلوبه وألفاظه. وهذا حاصل في كثير من الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما، كما هو معلوم ومسلّم.

والاختلاف الناشئ عن الرواية بالمعنى لا يعد من الضعف في شيء عند العلماء، إلا من شذّ وتشدّد فحرمها، وهؤلاء مخطئون، فقد حدث ذلك للصحابة وكبار الأئمة.

ثانيا: طرق حديث الخلافة فيها الصحيح والحسن والضعيف، فهي غير متساوية من حيث القوة.

فلو فرضنا أن متونها متعارضة، ولم نتمكن من التوفيق والجمع بينها، فالواجب ترجيح أصحها وأقواها، كما تنصّ القواعد المقررة.

فإذا أعملنا الترجيح، لزمنا تقديم رواية حذيفة بن اليمان المروية من طريق النعمان بن بشير رضي الله عنهما، للأسباب الآتية:

1- لأن إسنادها أصح من غيره،

2- ولأن حذيفة كان متخصصا في أحاديث الفتن،

3- ولأنها من رواية صحابي عن مثله،

4- ولأن عدد رواتها قليل، فليس بين أبي داود الطيالسي والنعمان بن بشير إلا رجلان ثقتان، وعندما يقل عدد الرواة يقل الوهم والخطأ.

وقد ضرب الدكتور مثالا للاضطراب والاختلاف، فساق رواية الطبراني: “إنكم في نبوة ورحمة، وستكون خلافة ورحمة، ثم تكون كذا وكذا، ثم تكون ملكا عضوضا، يشربون الخمور، ويلبسون الحرير، وفي ذلك ينصرون حتى تقوم الساعة”

وقد علمت مما سبق، أن هذه الرواية لا ترقى إلى رواية النعمان بن بشير من جهة القوة، إذ فيها رجل مستور، فهي مرجوحة على فرض التعارض بينهما.

والحق أنه لا تعارض، وكل ما في الأمر أن أحد رواتها لم يضبط الحديث كما يشير قوله: “ثم تكون كذا وكذا”، فلم يذكر مرحلة الجبرية. ويحتمل أن يكون قوله: “ثم تكون كذا وكذا”، هو المرحلة الجبرية، فيكون الراوي قدمها على فترة الملك العضوض نسيانا.

والقلب بالتقديم والتأخير يقع للرواة كثيرا، وبمقارنة الروايات والطرق، يدرك الترتيب الصحيح.

وطرق حديث الخلافة الصحيحة، تذكر الجبرية بعد العضوض، وذاك هو الصواب.

هذا، وقد ذكر الدكتور وجها للتعارض والاضطراب، فذكر الاختلاف بالزيادة والنقصان.

وجوابا على ذلك، نذكره ببعض القواعد النافعة:

أولا: ما من حديث صحيح، في الصحيحين وغيرهما، إلا واختلفت ألفاظه بالزيادة والنقصان، إلا جملة يسيرة من الأحاديث التي لم تتعدد طرقها.

والاختلاف بالزيادة والنقص له أسبابه المعروفة، منها الرواية بالمعنى، ومنها قصد بعض الرواة للاختصار، فيروي ما يحتاج إليه في مجلس من المجالس، ومنها نسيان جزء من الحديث…، ولذلك لا يعتبر مثل هذا الاختلاف من باب الاضطراب، إلا إذا أوجب تناقضا لا يقبل التأويل والترجيح.

ثانيا: إذا روى الحديث مجموعة من الثقات، وتفرد بعضهم بزيادة في الحديث، كان ما زاده مقبولا وحجة.هذا مذهب الأكثر، وهو الصواب:

قال الخطيب في الكفاية في علم الرواية صفحة 424:

قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أو لا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانا من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت، أو زيادة لا توجب ذلك، وسواء كانت الزيادة في خبر رواه راويه مرة ناقصا، ثم رواه بعد وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو. هـ

وفي المستصفى لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي صفحة 133:

انفراد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ لقبل، فكذلك إذا انفرد بزيادة، لأن العدل لا يتهم بما أمكن.

فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع. قلنا: تصديق الجميع أولى إذا كان ممكنا، وهو قاطع بالسماع، والآخرون ما قطعوا بالنفي، فلعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذكره في مجلسين، فحيث ذكر الزيادة لم يحضر إلا الواحد، أو كرر في مجلس واحد وذكر الزيادة في إحدى الكرتين ولم يحضر إلا الواحد، ويحتمل أن يكون راوي النقص دخل في أثناء المجلس فلم يسمع التمام، أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة إلا واحدا، أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش فغفل به البعض عن الإصغاء، فيختص بحفظ الزيادة المقبل على الإصغاء، أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن الزيادة، أو عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام، فإذا احتمل ذلك فلا يكذب العدل ما أمكن. هـ

قلت:

ليس في حديث الخلافة زيادة تحتاج إلى النظر، إلا ما زاده طريق النعمان بن بشير رضي الله عنهما من الإخبار بالخلافة الثانية بعد الملك الجبري.

فلعل بعض المتسرعين يقول:

هذه الزيادة ضعيفة أو شاذة، لعدم ورودها في الطرق الأخرى!

وجوابا على هذه الشبهة نقول بإذن الله وتوفيقه:

أولا: الرواية التي نصت على تجدد الخلافة بعد الملك الجبري، هي أقوى الروايات وأصحها إسنادا، فيتحتم تقديمها على فرض التسليم بالتعارض بينها وبين سائر الروايات.

ثانيا: على فرض التساوي بين طرق الحديث في القوة، فالزيادة المذكورة زادها رواة ثقات، ولم ينفها من لم يذكرها، وقد عرفت القاعدة في زيادة الثقة، فهي مقبولة حتما.

ثالثا: هذه الزيادة وردت في أصح طرق حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو متخصص في أحاديث الفتن، وكان كثير السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مستقبل الأمة والكون، حتى استحق لقب: صاحب سرّ رسول الله. فروايته تلك أتم الروايات، وأولاها بالقبول.

رابعا: لم يتفرد حديث حذيفة بذكر المراحل كلها بما في ذلك الخلافة الثانية، فقد وجد له شاهدان تامّان هما حديث أبي جابر الصدفي وحديث سهل بن أبي حتمة.

خامسا: لنفرض أن الزيادة التي تبشر بالخلافة الثانية رويت بإسناد ضعيف، وهو ما يخالفه الواقع، وأن حديث أبي جابر الصدفي وسهل بن أبي حتمة منعدمان، فحينئذ ننظر هل توجد نصوص شرعية تثبت قيام حكم راشد عادل بعد العضوض والجبرية. فإن وجدت كانت زيادة صحيحة أو حسنة، وإلا فهي باقية على ضعفها.

وقد نظرنا، فوجدنا بحمد الله شواهد وأدلة صحيحة، تبشر المسلمين بأن الملك بنوعيه العاض والجبري، ليس هو آخر مراحل تاريخ الأمة، بل هناك مرحلة عظيمة، ستعرف فيها الأمة العدل والقسط، يكون حكامها على سيرة الخلفاء الراشدين. وأكثر من ذلك، فإن من خلفاء تلك المرحلة، من سيكون زمانه أفضل من زمان بعض الخلفاء الراشدين الأربعة عليهم الرضوان.

وتلك الشواهد والأدلة الحاملة لبشرى الخلافة الثانية كافية للقطع بصحة الزيادة الواردة في حديث النعمان عن حذيفة رضي الله عنهما.

فمن كان على دراية بقواعد الحديث لا يسعه إلا الإيقان والتسليم بثبوت تلك الزيادة، وإلا فما “أنت بمسمع من في القبور”.

وختاما نذكر بأن حديث الخلافة غاية في الصحة، وأن أحدا من الذين يعتبر قولهم لم يضعفه، بل صححه طائفة من أهل الخبرة بالحديث.

والله المستعان.