أسدل الستار أخيرا عن الفصل الأخير من مسرحية “انتخابات شتنبر 2007” وكانت نهايته مضحكة مبكية، عجيبة غريبة، مخيبة للآمال، صادمة لمن كان يرجو منها خيرا، مفاجئة لمن ظل يروج لأسطوانة مغرب التغيير وأوراش الإصلاح، ومؤكدة صدق التخوفات التي ظل يحذر منها البعض الآخر حين تحدث عن غياب أرضية صلبة تضمن نزاهة هذه الانتخابات وتوفر لها حدا أدنى من المصداقية والجدوى يمكن من إرجاع الثقة للمواطنين العازفين.

انتهت هذه المسرحية بعدما طالت حلقاتها وتشتتت وقائعها حتى فقدت مشاهديها الأوفياء، وكفر أكثر من كان مؤمنا بجدواها.

انتهت المسرحية بتنصيب حكومة لقيت استهزاء واستنكار الشارع بسبب أعضائها، وطريقة تشكيلها، وتقسيم الحقائب داخلها، والأحزاب المشكلة لها. وقبل هذا وذاك لأن وزيرها الأول أعطى رقبته لمستشاري الملك واكتفى بدور الوساطة بين الأحزاب والمتنفدين في جهاز المخزن.

ولذلك فخلاصة هذه الانتخابات تمثلت في أنها كرست ضعف الأحزاب وهيمنة الملك ومحيطه ويأس الشعب بمختلف فئاته وشرائحه، كما أكدت أن البلاد تسير من طرف أقلية تفضل الاشتغال في الظل بعيدا عن كل محاسبة ومراقبة ومساءلة وتتخذ قراراتها باسم مؤسسات صورية رضي أصحابها لعب دور الكومبارس في مسرحية يتجدد عنوانها بين الفينة والأخرى. فمرة تسمى “المسلسل الديمقراطي” ومرة تسمى “التناوب التوافقي” ومرة “الانتقال الديمقراطي” ومرة “العهد الجديد”… تكثر الأسماء والمسمى واحد.

في البدء كان الخطأ.

عين الملك الوزير الأول في 19 شتنبر 2007 وكان الكل ينتظر مرحلة التفاوض ويترقب طريقة تدبيرها والمتدخلين في ذلك سيما بعد استقالة أو إقالة” الهمة الذي كان مكلفا بهذا النوع من الملفات، وكيفية تشكيل حكومة منسجمة وقوية بحقائب أقل وبتوزيع يتماشى مع احتياجات البلاد وليس وفق الترضية واقتسام الغنيمة. كان كل المتتبعين غارقين في الصدمة التي خلفها اقتراع 7 شتنبر 2007 الذي لم يستطع جذب المواطنين ولفت انتباههم رغم كل أشكال الدعاية والترويج والترغيب، وحتى الترهيب، ورغم سد الباب على أصحاب الرأي الآخر وقمع تحركاتهم وحرمانهم من حقهم الطبيعي في التعبير عن رأي معارض بوسائل سلمية عن طريق الإعلام العمومي الذي يمول من جيوب المواطنين.

كان البعض يأمل أن تشكل مرحلة تشكيل الحكومة لحظة استدراك وتصحيح، لكن صدمة هؤلاء كانت أكبر هذه المرة!!!

كشفت مرحلة التفاوض التي دامت إلى 15 أكتوبر 2007 طبيعة “المشروع الحداثي الديمقراطي” الذي صم الآذان منذ سنين، وهو مشروع يبيح للمحيطين بالملك وأنصار المخزن الجديد استباحة كل شيء للوصول إلى هدفهم، واعتماد كل الوسائل بغض النظر عن قانونيتها وسلامتها ومنطقيتها وأخلاقيتها. وهكذا أفرزت المفاوضات حكومة خارجة عن الإطار الدستوري والأعراف الديمقراطية والشرعية الشعبية:

1- الإطار الدستوري: فالدستور، على علاته، ينص في ف24 على ” يعين الملك الوزير الأول. ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم. ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها “. اقتراح الوزراء مهمة الوزير الأول إذن.

لكن المتتبع لمجريات التفاوض يلحظ أن الوزير الأول لم يتمسك بحقه الدستوري في الاقتراح ورضي أن تملى عليه لائحة بأسماء الوزراء ليسلمها للأحزاب، وهذا الخرق له دلالات عدة أبرزها رغبة المخزن ومحيطه في إذلال الأحزاب والساسة وقتل كل ما له علاقة بالسياسة. والغريب أن يسكت الملك عن هذا الخرق الدستوري رغم أنه المؤتمن حسب الفصل 19 على احترام الدستور ” وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور” والأغرب أن تسكت كل الأحزاب عن هذا الخرق.

2- الأعراف الديمقراطية: حيث تقضي هذه الأعراف بفتح باب المشاورات مبدئيا مع الأحزاب حسب ترتيبها، والمفاجأة كانت أن الوزير الأول همش الحزب الثاني في الترتيب من حيث عدد المقاعد والأول من حيث عدد الأصوات بدون أي مبرر منطقي، بل إنه لم يفعل ذلك ولو بشكل شكلي مما يؤكد أن التوجيهات كانت حاسمة في اتجاه تحديد حكومة بأغلبية وأجندة موضوعة سلفا فعند المخزن لا شيء يترك للصدفة. ويؤكد صحة هذا الاستنتاج ما ورد في تصريح الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي حين قال ” عندما بدأ الوزير الأول المعين مشاوراته لتشكيل حكومته، كان هناك قرار للملك يقضي بأن يكون للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي منصب وزاري متميز عن باقي أعضاء الجهاز التنفيذي” ولا يخفى أن في هذا توجيه مسبق لكيفية صناعة أغلبية في اتجاه معين.

والمفاجأة الأكبر تمثلت في الطريقة التي تم بها الاستغناء عن حليف الأغلبية السابقة، أي الحركة الشعبية، بمبررات واهية. وما يزيد من هول المفاجأة الطريقة التي تم بها استكمال نصاب الأغلبية وهي للأسف طريقة لا تشرف مقربين من الملك صموا آذان المواطنين بالحديث عن الديمقراطية والحداثة والشفافية ويبدؤون حياة مجلس برلماني جديد بإحياء ظاهرة الترحال. فمن يشجع، إذن، الفساد السياسي؟ ومن يقضي على الالتزام السياسي؟ …

3- الشرعية الشعبية: حيث كان المنطق يفرض إحجام أي حزب عن تشكيل الحكومة، والمطالبة بإعادة الانتخابات بحكم ضعف المشاركة التي وصلت إلى أدنى مستوياتها 18% ، وهي نسبة الأصوات المعبر عنها، رغم وسائل الترغيب والترهيب، ورغم عدم احتساب الكتلة الناخبة بشكل صحيح، ورغم عدم فتح الباب للرأي المخالف للتواصل مع الشعب للتعبير عن وجهة نظره. ولذلك فالحكومة ستكون فاقدة لصفة التمثيلية فقد كان الأولى بالأحزاب فهم رسالة الشعب والعودة إلى إعادة بناء هياكلها ومؤسساتها، ومراجعة طريقة تعاطيها مع قضايا المجتمع. والمخرج الأقل ضررا هو تشكيل حكومة مؤقتة لمدة سنتين تتولى مهمة تصريف الأعمال إلى حين تهيئ ظروف إجراء انتخابات تحظى بالمصداقية والمشاركة الشعبية، ولو في حد مقبول.

حكومة عاجزة وضعيفة

أسفرت المفاوضات، إذن، عن تشكيل حكومة مشوهة تحمل بين طياتها بوادر نهايتها.

حكومة ضعيفة وعاجزة بكل المقاييس:

1- ضعيفة بضعف وزيرها الأول بحكم تاريخه وفضيحة النجاة التي تلاحقه ويمكن فتحها في وجهه في كل لحظة وحين؛ وهو الذي لم يحل إلا ثالثا في دائرته الانتخابية وتحوم شكوك حول نزاهة الاقتراع في دائرته وعدد الأصوات التي أعلن أنه حازها.

2- ضعيفة لأن أغلبيتها العددية على كف عفريت، فهي تحت رحمة أقلية النائب الجديد الهمة الذي يدور هواه مع هوى المخزن، والذي استطاع في ظرف وجيز الحلول محل الحزب الثالث حسب الترتيب النهائي للانتخابات.

3- ضعيفة بسبب غلبة الوزراء التقنوقراط فيها، وحتى المتحزبون فانتماؤهم شكلي وليست لهم دراية سياسية كافية بل إن منهم من فرض على الحزب وهو لا ينتمي إليه، ومنهم متحزبون لم يدرجهم الحزب في خانة الاستوزار ولكنهم نالوا الوزارة ضدا على رغبة أحزابهم. ولذلك فهي جماعة موظفين مزينة بأنصاف السياسيين ودورهم تنفيذ الأوامر وتلميع الواجهة للظهور بمظهر ديمقراطي.

4- ضعيفة بحكم الأحزاب المشكلة لها وهي أحزاب متصدعة من داخلها ومعرضة للانشطار في أي وقت وحين.

5- ضعيفة لأنها تفتقد السند الشعبي، فأغلبيتها لم تحصل إلا على نسبة ضعيفة، ويزداد ضعفها إن علمنا أنها مأخوذة فقط من نسبة مشاركة عامة لم تمثل إلا 18%.

6- ضعيفة لأنها تحت رحمة مستشاري الملك الذين شكلوها حسب أهوائهم وبما يخدم هيمنتهم.

والنتيجة.

أمام كل ما سبق تجد الحكومة الجديدة نفسها أمام مفترق طرق لأنها عمليا أفرغت من مضمونها الحقيقي كسلطة تنفيذية ولم يبق لها من الاسم إلا التنفيذ وبذلك تحولت إلى مجرد جهاز إداري موضوع رهن إشارة المخزن، وليس أمامها إلا خيارين اثنين:

1-الاستمرارية: تستمر في عملها رغم ضعفها وهشاشتها، وفي هذا قضاء على ما تبقى من أمل لدى فئة من النخب ما تزال تأمل في إصلاح الوضع القائم بالآليات والمؤسسات والتشريعات الموجودة. وهذا يخدم مصلحة من له أجندة سياسية مسبقة هدفها قتل السياسة والاستهزاء بالساسة وتحميلهم مسؤولية الوضع القائم.

2- القطيعة: وتتمثل في تعديل حكومي يعيد ترتيب الأوراق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خاصة أن استمرار هذه الحكومة بهذا الشكل لن يقود إلا إلى مزيد من تشويه سمعة البلاد في الخارج، ومزيد من الاحتجاجات الشعبية. وربما يكون السيناريو موضوعا سلفا فقد يبرز من بين الأغلبية الحالية “دينامو” جديد يقود العمل بمنهجية جديدة وحزب جديد يلائم طبيعة العهد الجديد والمشروع الحداثي الديمقراطي. فلكل عهد رجالاته ومنهجيته وأحزابه …

أصل الداء.

لن تنفع إصلاحات ترقيعية ولا مبادرات جزئية ولا حملات إشهارية. والحل يكمن في إعادة النظر في الإطار السياسي والدستوري والقانوني والتنظيمي المنظم للعملية الانتخابية.

الإطار السياسي: وذلك بفتح باب الحرية للجميع وإقامة تعددية سياسية حقيقية تسمح لكل الحساسيات للتعبير عن وجهة نظرها وخدمة قضايا المجتمع بالطريقة التي تتناسب مع اختياراتها طالما حظيت بثقة الشعب.

الإطار الدستوري: باعتماد دستور جديد شكلا ومضمونا يحظى بثقة الشعب، ويعبر عن طموحه ويجسد آماله.

الإطار القانوني: باعتماد قانون انتخابي يمكن من صنع أغلبية قوية ومنسجمة على أساس برامج واضحة.

الإطار التنظيمي: بلزوم الإدارة الحياد والحزم ضد كل أشكال الفساد.

حينها نقول بأننا وضعنا اللبنة الأولى في بناء طويل وشاق نبنيه جميعا لنحميه جميعا من عبث العابثين وفساد المفسدين.

المهم هو البداية، والأهم أن تكون صحيحة. ورحم الله من قال ” من صحت بدايته أشرقت نهايته”.