وأخيرا أسدل الستار إعلانـا نهاية مسرحية استحقاقـات شتنبر2007 التي أراد المخزن أن يشغل بها الشعب المغربي، قفزا على معضلاته وقضاياه من شغل وتطبيب وتعليم وسكن و..، لأكثر من سنة؛ والعجيب أنه بمجرد طي صفحة انتخابات شتنبر 2007 بدأ الحديث عن انتخابات 2009 المحلية والجهوية، باعتبارها أكثر أهمية من البرلمانية، لذا على الأحزاب السياسية أن تسارع لتتدارك هفواتها التنظيمية والهيكلية أو علاقتها مع الشعب حفاظا على دورها في تأطير المواطنين واستيعاب قضاياهم.

إنها لعبة الهروب إلى الأمام، يلجأ إليها القائمون على شأن الشعب هروبا من واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي بئيس، والوصف هذه المرة له دلالته، إذ صدر من أعلى سلطة في البلاد وخلال افتتاح الولاية التشريعية الجديدة،في برلمان سرى في مرافقه البؤس فانقطع التيار الكهربائي، وعم الذعر القاعة، وبلغت قلوب ممثلي الشعب الحناجر، قبل تدارك العطب.

واقع عام بئيس تعقدت معضلاته، أحزاب بئيسة طلقها الشعب ثلاثا، انتخابات بئيسة -لم تستقطب رغم كل أشكال الاستنفار والتعبئة أكثر من 20% إذا ألغيت الأصوات الملغاة- تمخضت عنها حكومة بئيسة، في كلمة واحدة: مرحلة تاريخية عنوانها البؤس، بعد مرحلة السكتة القلبية التي كانت عنوان سنوات التسعينيات.

جاء تنصيب حكومة عباس الفاسي ليؤكد موقفا طالما أثار جدلا سياسيا، ونعت أصحابه بالتطرف السياسي والمواقف التعجيزية، فجاء المسلسل ككل ليبرهن لمن كان يحتاج إلى برهان أن الانخـراط في اللعبة الانتخـابية في غيـاب إصـلاح دستـوري يميز بين السلط، ويحدد المسؤوليات وآليات المساءلة والمحاسبة ضرب من المغالطة للشعب والاستخفاف به؛ فمن تقطيع انتخابي قوض فرص حصول أي طرف أو مكون سياسي على أغلبية ولو نسبية، إلى إغراق الدوائـر الانتخابية بمكـاتب الاقتراع (أكثر من 32 ألف مكتب اقتـراع، تعذر على أي حزب تغطيتها)، إلى حياد سلبي للسلطة أو دعم مكشوف للبعض، إلى تلاعب بالنتائج، إلى ضرب إرادة الناخبين ومصداقية الأحزاب بإقحام التكنوقراط في الحكومة وبنسبة الثلث، في رسالة واضحة أن أمر تولي تدبير الشأن العام للبلاد لا يمر عبر صناديق الاقتراع، وأن الشعب لا يختار من يحكمه بناءً على برامج واضحة قابلة للإنجاز، هذا كلام للاستهلاك والتخدير فقط؛ وإلا من كان يسير البلاد لأكثر من شهرين على الأقل، حين انشغلت الأحزاب والحكومة السابقة بالإعداد لانتخابات شتنبر 2007. فقبيل الانتخابات وبعيدها شهدت ربوع المغرب تدشينات لمرافق ومؤسسات عديدة كانت مؤسسة محمد الخامس للتضامن الممول الرئيس فيها، إلى درجة غدا المواطن العادي يرى أن المؤسسة أجدر بتسيير البلاد من الحكومة، وهذا الكم من التدشينات وفي هذا التوقيت الحساس -أثناء الحملة الانتخابية وبعد الانتخابات- يحمل أكثر من رسـالة، فحواها أن المؤسسة الملكية من يحكم حقا وواقعا، وأنها وحدها تملك القدرة على المبادرة.

إذا كان هذا هو الواقع، فلماذا كل هذا الضجيج الإعلامي؟ ولماذا كل هذا السجال السياسي بين الفرقاء؟ ولماذا تبذر الأموال والجهود من أجل مسلسل معروفةٍ نهايتُه؟ أليس من المعقول والحالة هذه أن تصرف الملايير على انتخابات عارية من أية جدوى أو مصداقية؟ أيعقل أن يكلف البرلمان بغرفتيه خزينة الدولة الملايير وهو أعجز من أن يحمي المال العام للشعب الذي سارت بنهبه الركبان؟

يبدو أن الطريق إلى الديمقراطية بما هي تعددية سياسية وفصل للسلط ومساءلة ومحاسبة وحرية رأي وحق في الاختلاف أبعد من أن تشرئب لها أعناق المغاربة، وكل المؤشرات الميدانية تدل على تقويض ما يسمى مكتسبات في الحريات والحقوق العامة، في اتجاه ترويض مكونات المشهد السياسي وتثبيت أركان دولة المخزن توظيفا لمتغيرات محلية وإقليمية ودولية.