أجرى بلال التليدي عن جريدة التجديد حوارا مع الدكتور عبد العالي مجدوب حول المسار الدعوي للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين. ننشر اليوم الحلقة الثالثة والأخيرة من ذلك الحوار:

من “أسرة الجماعة” إلى تأسيس “جماعة العـدل والإحسان”هل دشنت مجلة “”الجماعة”” مرحلة جديدة في العمر الدعوي للأستاذ عبد السلام ياسين؟

بعدما انتشرت المجلة وذاع صيتها، بدأ الأستاذ عبد السلام يستقبل الزوار القادمين من جميع أنحاء المغرب. ومن أبرز الوجوه التي زارت الأستاذ ياسين الأستاذ محمد بشيري، رحمه الله، والأستاذ محمد عبادي وهو اليوم عضو في مجلس إرشاد الجماعة. وعلى الرغم من التضييق الذي تعرضت له المجلة، وكذلك عدم انتظامها في الصدور بسبب المشاكل المادية والفنية، فإن المطلع على موادها وموضوعاتها يجد أن التركيز كان على التواصل مع الناس وعرض الدعوة، ولذلك نجد من بين المواد المنشورة في المجلة رسائل كتبها أولئك الذين انضموا إلى الأستاذ واطمأنوا إلى السير معه، كرسالتي الأستاذين محمد بشيري، رحمه الله، والأستاذ العبادي. وللتاريخ أسوق هنا مقتطفات من رسالة محمد بشيري، رحمه الله، المنشورة في العدد الخامس من المجلة، كتبها بعد أن اطمأن إلى مصاحبة الأستاذ ياسين في طريق الدعوة واقتنع بما كان يعرضه؛ قال، رحمه الله، عن أول لقاء له بالأستاذ ياسين: “”… وأقبل علي الأخ عبد السلام ياسين هاشا محييا بتحية الإسلام، وعانقني عناقا حارا ينضح صدقا وإخلاصا، وإذا بالحقيقة الماثلة أمام عيني أكبر من تصوراتي…””. ثم يقول عن أثر ترحيب الأستاذ ياسين به: “”وترددت كلمات الترحيب في قلبي وضميري قبل أن تتردد في سمعي، ورحت أقارن بين عذوبة الابتسامة وصفاء النظرة وبين صدق الحديث عند الرجل فازداد قربا مني أو بالأحرى ازددت قربا منه، وكأني أعرفه منذ زمن ضارب في القدم…””. ويقول عن بداية توطد العلاقة وما كان بينهما من مناقشات وحوارات…”: وأخذت أتردد على منزل الأخ عبد السلام نتجاذب أطراف الحديث ومحور أحاديثنا الدعوة والدعاة. ولم يخطر ببالي مطلقا أن أتخذ منه شيخا أو مرشدا، وما هو بالحريص على التشبه بالشيوخ ولا بالمرشدين، إلا ما كان من حرصه على لمّ الشعت ورأب الصدع…”” إلى أن يقول: “”…ولم يشف الأخ عبد السلام غليلي لأول وهلة، وطفق يفتح بصيرتي وبصري على ما كنت أجهله من حقيقة الصوفية النقية الطاهرة موضحا أن الأتباع من ذوي الضمائر المتعفنة قد أساؤوا إلى الصوفية أبلغ إساءة، وخاض أصحاب الأغراض الوضيعة في الماء العكر، ورسخ في أذهان المتطرفين أن الصوفي مثار كل الخرافات والخزعبلات التي نسجتها مخيلات محمومة تستلهم ضلالها من توجيه الشيخ وبإيعاز منه…ولم يكن ما أسرّ إليّ به من حديث استدراجا لتغيير موقفي بقدر ما كان محاولة لإخراجي من ضيق الأفق الفكري إلى سعته…””. ثم يقول عن اطمئنانه للأستاذ ياسين: “”…وشعرت بألمعية رجل التعليم الخبير بفنون التربية ومناهجها تسيطر على لبي ووجداني، وبدأت الوحشة تزول تدريجيا، وبزوالها بدأت غيوم الخلفيات والترهات الباطلة تنقشع، ولم أر من الأخ عبد السلام ولم أسمع منه ما يندرج تحت وصف “”الصوفي المخرف”” التي ألصقت به بغير وجه حق.”” ويقول عن العهد الذي قطعه على نفسه: “”…ليس في عنقي بيعة لأحد إلا العهد الذي قطعته على نفسي لأحملها على إخلاص النية لله. ولست سنيا تصوف كما يخطر بأذهان البعض، كما أني لست صوفيا نبذ الصوفية ليتمسك بالسنة، وليس بين السني والصوفي أي فارق إلا مان كان من ذلك الركام من الأوهام والأضاليل…””. رحمه الله، وجزاه عن الدعوة إلى الإسلام بمنهاج الإسلام وعلى هدي سنة نبي الإسلام أعظم الجزاء.

وكيف انتقلت التجربة من مجلة “”الجماعة”” إلى أسرة الجماعة؟ وهل من الجائز أن نعتبر أن فكرة التنظيم كانت جاهزة، وما كانت مجلة “”الجماعة”” إلا تمهيدا لها؟

إذا تتبعنا التسلسل التاريخي، فسنجد أن العدد الأول من “”مجلة الجماعة”” صدر سنة ,1979 أما أسرة الجماعة فلم تتأسس إلا في سنة .1981 فبين هذين التاريخين كان هناك اجتهاد في الاتصال بالناس والتواصل مع النخب، ولم يكن في نية الأستاذ عبد السلام ياسين يومئذ أن يؤسس تنظيما. ومن اجتهادات الأستاذ ياسين في هذه الفترة للتواصل مع الناس محاضراته التي ألقاها في “”دار الدعوة”” بالرباط. وفي هذه الدار كان للأستاذ ياسين “”حوار مع النُّخب المُغرَّبة”” في محاضرة بالفرنسية سنة1980 بدعوة من جمعية كان يرأسها آنذاك، حسب ما يذكر الأستاذ ياسين، الدكتور زكي مبارك. فهذه الفترة إذن(19811979) كانت للتواصل، وكان قصد الأستاذ أساسا أن يضم جهوده وجهود من معه إلى جهود الذين سبقوهم للميدان من أجل صالح الدعوة ومستقبل جماعة المسلمين، ولذلك وجدناه، بعد العدد الأول من مجلة “”الجماعة”” يعترف بفضل من سبقه إلى الجهاد بالكلمة وينوه بصحيفة “”النصيحة”” لعلي الريسوني بشفشاون، و””النور”” لإسماعيل الخطيب بتطوان. فقد كان الهدف هو البيان والتواصل وجمع الجهود.

في هذه الفترة تحدث كثير من قادة الحركات الإسلامية الأخرى أنه جرى تواصل بينهم وبين الأستاذ عبد السلام ياسين لتوحيد الصف الإسلامي بعد ما سقط تنظيم الشبيبة الإسلامية وتعرض لنكسة كبيرة؟

أصبحت مجلة “”الجماعة”” صوتا جديدا يعرض مشروعا دعويا جديدا، وصار لها حضور، ولو في حدود ضيقة، في أندية الناس وبخاصة أندية رجالات الدعوة. ولم يبدأ التفكير في التواصل مع الجماعات الأخرى إلا بعد أن أصبح بعض الإخوة يفكرون في تأسيس عمل إسلامي مستقل. وقد حكى الأستاذ ياسين أن الرأي في البداية لم يكن متجها إلى بناء تنظيم جديد، وإنما إلى جمع جهود العاملين في جسم قوي، في جماعة المسلمين القطرية تحت اسم “”حزب إسلامي””، كما يحكي الأستاذ ياسين. وقد فسر الأستاذ سبب اختياره لفظة “”الجماعة”” عنوانا للمجلة بكونه يقصد جماعة المسلمين التي لن تكون أسرة تحرير مجلة “”الجماعة”” إلا لبنة في بنائها. وهكذا تم اقتراح تنظيم جولات للاتصال بالعاملين وقتئذ في ميدان الدعوة. ويحكي الذين شاركوا في هذه اللقاءات أنهم حين كانوا يعرضون أنفسهم وأفكارهم كان لسان حال الآخر يسألهم: من أنتم؟ ويعترف الأستاذ ياسين أن الإخوة، في أسرة الجماعة، في هذه الفترة كانوا حالمين حين كانوا يتصورون أنه بالإمكان تحقيق الوحدة بين مكونات الطيف الإسلامي، وأنهم ضيعوا قريبا من سنة ونصف يجرون وراء المثاليات، لأن الواقع الذي لا يمكن لأحد أن يزحزحه، والذي يجب الاعترف به والعمل وفقه هو التعدد.

ألم يكم هناك في هذه الفترة تواصل مع بعض الشخصيات المحسوبة على العمل السياسي والعمل النقابي؟

نعم وقع ذلك، ويحضرني في هذا السياق اسم الأستاذ عبد الله إبراهيم، رحمه الله، والنقابي المحجوب بن الصديق، لكن اللقاء بهم أبان أن همّهم كان بالأساس سياسيا، ولذلك انقطع الاتصال بهم.

وماذا عن اللقاءات بقادة الحركات الإسلامية الأخرى، كيف تمت وكيف كانت أجواؤها، وماذا دار داخلها، وما هي رواية الأستاذ عبد السلام ياسين بخصوصها؟

لا أعرف تفصيلات هذه اللقاءات. والذي أعرفه عموما أنه جرت اتصالات بهيئات وشخصيات إسلامية وبشخصيات سياسيةعموما. أما الذين كانوا مكلفين بهذه الاتصالات فهم الأساتذة أحمد الملاخ ومحمد بشيري ومحمد العبادي وأيضا الحاج إبراهيم الشرقاوي الذي سبق ذكره. لقد تم الاتصال بالسلفيين، في فرع الرباط، لأن نشاط هذا الفرع كان أكبر من نشاط المركز، وكان الأستاذ فتح الله أرسلان يومئذ ما يزال من نشطاء جمعية الدعوة إلى الله السلفية في الرباط. وتم أيضا الاتصال في فاس بجمعية الدعوة وبتنظيم الطلائع، وبالإخوة في القصر الكبير، وفي الشمال بالسيد الريسوني، وبأفراد من الشبيبة الإسلامية قبل انفصال جماعة التبين والجماعة الإسلامية… لكن المتصلين عادوا من جولاتهم صفر اليدين إلا ما كان من اكتساب تجربة جديدة من خلال الاتصال بالناس والاستماع إليهم ومعرفة مشاربهم وأهدافهم. وفي تقديري أن من الأسباب التي جعلت الآخرين لا يتجاوبون مع عرض “”أسرة”” الأستاذ ياسين، زيادة على كون هذه التنظيمات كانت أمرا واقعا بخلاف عرض الأستاذ ياسين الذي كان ما يزال يبحث عن ذات، أن كثيرا من الناس، وخاصة من أهل الفكر والدعوة، كان لهم عن الأستاذ ياسين تصور اختلط فيه الواقع بكثير من الإشاعات والدعايات، فمنهم من كان ينظر إلى الرجل من خلال سوابقه مع المخزن، ومنهم من كان مقتنعا، بحكم تجربة الأستاذ في الزاوية، أن الرجل صوفي لا فرق بينه وبين الآخرين من أهل البدع والخرافات.

بعد مرحلة الوفود ومرحلة الاتصال بالحركة الإسلامية من أجل توحيد الصف الإسلامي جاءت مباشرة بعد ذلك فكرة تأسيس أسرة الجماعة، هل اقتنع عبد السلام ياسين ببناء التنظيم؟

من الأشياء الطبيعية أنك عندما تريد أن تتواصل، وتجد أن هذا التواصل الخاص، أي مع الحركات الإسلامية الأخرى، يفرض عليك أن يكون لك كيان قائم، إذ لا يمكن أن ترغم الناس على أن يُذَوِّبوا ذواتهم بكلمة أو بنية حسنة أو بفكرة مثالية حالمة، فإن الواقع يفرض عليك التفكير في إيجاد كيان خاص بك، فكان أن تأسست “”أسرة الجماعة”” في بيت السيد إبراهيم الشرقاوي بمراكش بحضور حوالي ثلاثين فردا، وفي هذا الاجتماع تم التصويت على أول مجلس للإرشاد إيذانا بميلاد تنظيم إسلامي جديد، وبدء الخطوات الأولى لعمل منظم محليا وقطريا. ومن الأسماء التي حضرت هذا اللقاء التأسيسي الأستاذ ياسين طبعا والسادة أحمد الملاخ ومحمد بشيري وصاحب البيت إبراهيم الشرقاوي وعلي سقراط ومحمد النقرة وعبد الكريم الهلالي وإبراهيم موزين (الروابزي).

ألم تفكر هذه الأسرة في تأسيس حزب سياسي؟

تم التفكير في حزب سياسي إسلامي، وبعد ما سدت الأبواب في وجه هذه الفكرة لم تبق إلا صيغة واحدة للعمل وهي تأسيس جمعية إسلامية ذات صبغة سياسية، وهكذا كان ميلاد جمعية الجماعة الخيرية.

ومتى تأسست الجمعية الخيرية؟

تم إيداع قانونها الأساسي لدى السلطات في أبريل سنة ,1983 وهي الجمعية التي اتخذت لها سنة 1987 شعار “”العدل والإحسان””، والتي ما تزال السلطات المخزنية تنكر وجودها على الرغم من الأحكام القضائية العديدة التي أكدت قانونية الجمعية. وكانت السلطات قد اعترضت بمناوراتها الإدارية المخزنية المعروفة على الجمعية في صيغتها الأولى التي ظهرت سنة 1982 باسم “”جمعية الجماعة””، واحتالت حتى انتزعت من المسؤولين الوصل المؤقت الذي كان بحوزتهم. وبعد احتجاجات في أشكال متعددة انتهى رأي “”أسرة الجماعة”” إلى طلب جديد باسم الجمعية الخيرية لكن بنفس القانون الأساسي السابق.

انطلت على أسرة الجماعة لعبة السلطة التي كانت تريد أخذ الوصل بدعوى أنها تريد أن تسلم للأسرة الجماعة الوصل النهائي؟

نعم، هكذا تم الأمر، وطلبوا من السيد فتح الله أرسلان أن يسلم لهم الوصل على أساس أن يعطوه الوصل النهائي، ولحد الساعة لم يظهر لا الوصل الأصلي ولا الفرعي، وبقيت وضعية الجماعة القانونية على هذا الحال إلى اليوم.

متى غادر عبد السلام ياسين مراكش إلى سلا وما سبب تغييره للمكان؟

في سنة 1980 فكر الأستاذ ياسين أن يغادر مدينة مراكش ويستقر بحي السلام بسلا، ليكون قريبا من الرباط حيث ملتقى السياسيين والمثقفين، و””للهجوم على الأمر في عقر داره”” بعبارة الأستاذ ياسين.

كيف رتبت أسرة الجماعة أولوياتها، وكيف نزلت أولوية بناء التنظيم؟

في الحقيقة، الفترة الحاسمة لم تبدأ إلا مع اعتقال .1983

وما سبب اعتقال عبد السلام ياسين هذه السنة؟

سبب الاعتقال الحقيقي، كما يعتقد مسؤولو الجماعة، كان هو ما كتبه الأستاذ ياسين في افتتاحية العدد العاشر من المجلة بعنوان “”قول وفعل””، وهو رد مباشرعلى الرسالة الملكية المشهورة ب””رسالة القرن””. لكن السلطات المخزنية، كعادتها في الاعتقالات السياسية، لفقت له تهمة أخرى لتبرير اعتقاله.

مثل الطعن في المؤسسات والإخلال بالأمن العام؟

نعم مثل ذلك مما هو معروف ومشتهر. والحقيقة، أن الرجل اعتقل بسبب رأي أعلنه، فاقتيد إلى سجن “”لعلو”” سنة .1983 وفي تلك الفترة كانت مجلة الجماعة قد وصلت إلى كل أطراف المغرب، على الرغم مضايقات السلطة ومصادرتها للأعداد الخامس والعاشر والسادس عشر الذي توقفت عنده المجلة إلى اليوم. وقد كان جسم الجماعة التنظيمي يومئذ ما يزال في طور النشأة، إلا أنها نشأة كانت تمتاز بسرعة النمو وإقبال الشباب المتزايد. وفي أطوار هذه محاكمة وجد هذا الجسم التنظيمي الناشئ الغض نفسه أمام أول امتحان في مواجهة قمع السلطة وعنفها وإرهابها. فقد كانت هناك اعتقالات يوم جلسة يناير ,1984 ويوم جلسة 23 فبراير، ويوم 23 مارس. وفي ماي 1984 صدر الحكم على الأستاذ ياسين بسنتين نافذتين حبسا و5000درهم غرامة. ولم تكتف الدولة بمحاكمة الأستاذ ياسين بل تعدته إلى رموز الجماعة الناشئة، فاعتقلت الأستاذ محمد بشيري، رحمه الله، وصدر في حقه مع عشرة من إخوانه أحكام تراوحت بين سنتين وثمانية أشهر سجنا نافذا، ثم تغير هذا الحكم في الاستئناف إلى ثلاثة أشهر في حق الجميع، كما حكم على سعيد الغنيمي بخمس سنوات نافذة سجنا. وفي الفترة نفسها اعتقل الأستاذ فتح الله أرسلان صحبة بعض من إخوانه، وقضوا أربعين يوما في الحجز قبل الإفراج عنهم من غير محاكمة.

هل يمكن القول بأن الجماعة أحسنت استثمار المحنة سياسيا وإعلاميا وضمنت لنفسها انتشارا كبيرا في المغرب؟

بالتأكيد، ففي هذه المرحلة تكلمت عن الجماعة منابر إعلامية عربية ودولية بسبب تعسفات الدولة المخزنية، ونشرت صور الأستاذ عبد السلام ياسين خاصة في مجلة “”المجتمع”” الكويتية التي أفردت له تغطيات تحدثت عن محنته والظلم الذي لحق الحركة الإسلامية بالمغرب. وبعد هذه المحنة اتسعت دائرة أنصار الجماعة وكثر أنصار الأستاذ ياسين ومحبيه، وقد ظهر ذلك جليا في الأفواج الكبيرة التي كانت تزوره بسجن “”لعلو”” من مختلف مناطق المغرب، بل إن هذه الزيارات تحولت إلى مناسبة أسبوعية يخاطب فيها الأستاذ ياسين زائريه من وراء القضبان بكلمات تجمع بين التربية الإيمانية والتوعية السياسية مع قوة العبارة ووضوح الخطاب، مما كان يثبت الأعضاء ويحفزهم لمزيد من العطاء.

هل يمكن أن تحدثنا عن الرصيد الذي خرج به من هذا السجن؟

كان السجن بالنسبة للأستاذ عبد السلام ياسين خلوة للعبادة والتفكير والتأليف. وقد خرجت من هذا السجن كتب كثيرة، أذكر منها “”الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية””، و””نظرات في الفقه والتاريخ”” و””مقدمات في المنهاج”” و””الإسلام والقومية العلمانية”” والجزء الأول من كتاب “”الإحسان””، وإن كان طبعُ هذه الكتب قد جاء متأخرا، لأن ظروفا واعتبارات لا علاقة لها بتاريخ الكتابة الحقيقي قد فرضت ذلك.

خرج ياسين سنة 1985 فوجد الجماعة قد قويت عدديا وتنظيما، ما هي الخطوة التي أعلنها بعد ذلك؟

خرج الأستاذ ياسين فوجد عود الدعوة قد قوي وصوتها قد صار له وزن، ووجد الإعلام قد قطع شوطا مهما في التعريف بالجماعة ومرشدها، هذا فضلا عن ازدياد حاجة الناس يومئذ للدعوة ولرجالاتها وإقبالهم على الحركات الإسلامية. اجتمعت كل هذه العوامل لتجعل من حقل الدعوة حقلا خصبا. وينبغي التنويه هنا بالدور الذي قامت به دروس الأستاذ محمد بشيري في أحد مساجد البيضاء في توعية الناس وإنهاضهم للانتصار للدعوة إما بالانضمام إليها وإما بدعمها معنويا وماديا. وقد نتج عن هذه الدروس مئات الأشرطة قبل أن تضطر السلطة إلى توقيفه. وقد ساهمت هذه الدروس في صناعة رافد قوي للدعوة، إذ كانت تجربة الأستاذ بشيري متميزة ورائدة في هذا الشأن.

كيف استثمرت الجماعة هذا الرصيد؟

تكثفت الاجتماعات التي كانت تعقد في بيت الأستاذ ياسين، ونظمت الجلسات العامة والخاصة، وفتحت أيضا لقاءات الدعوة، وكانت تركز على الخواص الذين كانوا لا يريدون إظهار انتمائهم للجماعة نظرا لحساسية مراكزهم (أطر في الدولة، رجال أعمال..)، هذا فضلا عن اللقاءات التنظيمية التي بدأت تؤسس عمل المناطق واللجان والمناشط. وفي هذه المرحلة، وبعد التوسع العددي والتنظيمي، تم الانتقال من “”أسرة الجماعة”” إلى “”العدل والإحسان””، وكان ذلك سنة .1987 وقد صدرت بالمناسبة وثيقة من مجلس الإرشاد توضح مقاصد الجماعة من هذا التغيير في الاسم وتركز على وجوب الإعلان عن مطلبي العدل والإحسان في سير دعوة الجماعة.

يعني تغير اسم الجماعة إلى العدل والإحسان؟

قانونيا نقول جمعية الجماعة الخيرية التي رفعت سنة 1987 شعار العدل والإحسان.

هو مجرد تكييف قانوني؟

هي معركة قانونية لا زالت الجماعة تخوضها.

كيف تميزت مرحلة (1985 إلى 1989) باختصار؟

هي مرحلة التوسع التنظيمي والعددي، واتساع الأنشطة واللقاءات التنظيمية والرباطات التربوية، فضلا عن الزيارات الخاصة والانفتاح على الإعلام (لقاءات صحفية). وقد عرفت كل مناطق المغرب نشاطا متميزا، وأصبح للجماعة حضور وازن في المؤسسات التعليمية والثقافية ودور الشباب، إلى جانب الأنشطة العامة المتعلقة بالتربية والمخيمات…

وهل لأجل هذا التوسع فرض الحصار على عبد السلام ياسين سنة 1989؟

لما رأت الدولة أن أمر الرجل، رغم التضييق والقمع والمنع، لا يزداد إلا اتساعا، قررت أن تفرض حصارا جزئيا على بيته.

ماذا تقصد بالحصار الجزئي؟

كل من أراد أن يدخل بيت الأستاذ ياسين كان يطلب إليه أن يدلي بالبطاقة الوطنية لرجال الأمن.

وكيف تطور الأمر إلى الحصار الشامل؟

في دجنبر 1988 قررت الجماعة الامتناع عن الإدلاء بالبطاقة الوطنية عند زيارة بيت الأستاذ ياسين، فكان أن ضاقت السلطات بنشاط الجماعة الآخذ في التصاعد وخاصة باللقاءات المتحدية في بيت مرشد الجماعة، فجاء الحصار الشامل في دجنبر .1989 وقد سبقت هذه الفترة اعتقالات ومحاكمات من بينها اعتقال ثلاثين أخا من تارودانت، واعتقال الإخوة بسيدي يحيى الغرب وقد ألحق بهم عضو مجلس الإرشاد الأستاذ منير الركراكي، ليأتي بعد ذلك اعتقال مجلس الإرشاد في يناير .1990

تحدث وزير الأوقاف في كتابه “”الحكومة الملتحية”” عن وقوع مفاوضات بين الجماعة وبين السلطة لعب فيها بعض ممثلي وزارة الأوقاف دور الوسيط، ما تفاصيل ما وقع؟

ما ادعاه الدكتور عبد الكبير المدغري وزير الأوقاف السابق من كونه يمتلك وثائق بهذا الصدد غير صحيح، والحقيقة أنهم، أقصد مبعوثي الدولة، لما استعصى عليهم أن يأخذوا من قيادة الجماعة ما يريدون بالمساومة والإغراء، لأن المخزن عندنا لا يتنازل لكي يتفاوض، أرادوا أن يرجعوا إلى كبارهم بأضعف الإيمان، وأضعف الإيمان عندهم أن يحرر مجلس الإرشاد رسالة إلى الملك يخاطبوه فيها بألقاب التعظيم والتقديس المعروفة، ومنها صفة إمارة المؤمنين، فحررت قيادة الجماعة المعتقلة نماذج من الرسائل، لكن هذه النماذج لم تستجب للمطلوب المخزني في حده الأدنى، وكان ذلك نهاية الاتصال بين الدولة والقيادة المعتقلة؛ ولعل المقصود في حديث الدكتور المدغري عن وجود وثائق هو هذه النماذج من الرسائل التي لم يرض عنها المخزن؛ وأعتقد أن المخزن ما كان ليتردد طرفة عين في نشر مسودات هذه الرسائل إن كان فيها رائحة مما يمكن أن يعيب الجماعة ويمس مصداقية قيادتها.

ماذا عرض على الإخوة من طرف السلطة؟

عرض عليهم تأسيس حزب سياسي والاستفادة مما يستفيد منه المرضيّ عنهم، في دولة المخزن، من امتيازات وأموال وغير ذلك مما كان معروفا في مساومات وزارة الداخلية وصفقاتها على عهد إدريس البصري.

والمقابل؟

هو الاعتراف بإمارة المؤمنين، وقبل إمارة المؤمنين ومعها وبعدها التسليمُ للمخزن بأنه هو “”الكل في الكل””.

وماذا كان رد الإخوة؟

قلت، إن الدولة لم تكن تتفاوض، وإنما كانت تساوم؛ ماذا تريد؟ وكم تريد؟ لتتنازل وتخضع وتُسلِّم؟!!!