كشف يوم 7 شتنبر عمق الأزمة السياسية في المغرب من خلال ثلاث وقائع، أولها: مقاطعة أزيد من 80% من المغاربة للانتخابات، ليقينهم التام أن لا علاقة لها بالقرار السياسي، الذي يبقى أولا وأخيرا بيد الملك ومحيطه الخاص، ولمعرفتهم من خلال تجربة ما يزيد عن أربعين سنة أن أغلب المرشحين، ومهما اختلفت ألوانهم السياسية، لا يريدون من ذلك إلا تحقيق مصالحهم الشخصية. وثانيها: الاستعمال المكثف للمال الحرام من قبل أغلب الأحزاب، مما يعني نهاية المبادئ التي تبقى ضرورية لكل سياسة رشيدة تروم الصالح العام، ويعني أيضا أن الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب عن جدارة واستحقاق أقل بكثير مما هو معلن عنه، مع العلم أن الأرقام المعلنة كانت هزيلة جدا بالمقارنة مع عدد الكتلة الناخبة. كما كشف الاستعمال المكثف للمال تلك المغالطة التي ظلت الدوائر الرسمية وبعض الدوائر الحزبية تروج لها لردح من الزمن، ألا وهي أن الاقتراع اللائحي يضمن الشفافية ويحدّ من استعمال المال، لقد تأكّد بما لا يدع مجالا للشك أن اختيار نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي لم يكن بهدف تحقيق الشفافية ومقاومة الفساد الانتخابي، ولكن كان بهدف الإبقاء على التشرذم السياسي الذي يظن الماسكون الفعليون بالقرار السياسي أنه يخدم مصلحتهم.

لا شك أن للفساد الانتخابي علاقة بالفساد العام الذي تعرفه الحياة السياسية المغربية، وهذا ما ستؤكده ثالثة الأثافي: حكومة عباس.

إن الذي تتبع أطوار تشكيل الحكومة رقم 29 في المغرب سيقف على فداحة العبث السياسي الذي يمارس في هذه البلاد، وسيكتشف مدى الاحتقار الذي يكنه الماسكون بالقرار السياسي للشعب المغربي، برجاله ونسائه، بفضلائه وعلمائه، بشبابه وأطره.

لمدة شهر من “التفاوض” حول الحكومة بين أحزاب “الأغلبية” لم يتم التطرق، ولو مرة واحدة، لا تصريحا ولا تلميحا، لمسألة البرنامج الحكومي، ولكيفية تطبيقه، ولم يتشبث أي حزب بوزارة ما لأنها تشكل أولوية في برنامجه، ولأنه يقترح فيها جديدا، كل ما كان حوله الكلام واللغط هو عدد الحقائب الوزارية لكل حزب، لتكون وظيفة البرنامج الانتخابي في المغرب استجابة عابرة لرغبة ملكية، وتقديم وعود للناخبين لجلبهم للتصويت يوم الاقتراع، وسرعان ما تنتهي صلاحية البرنامج بانتهاء الحملة الانتخابية، فالملك الذي دعا الأحزاب إلى صياغة برامج هو نفسه الذي حدد البرنامج الحكومي في افتتاح البرلمان، والأحزاب السياسية التي جندت أطرا وأموالا  جزء منها من المال العام- لإعداد برامج انتخابية هي نفسها التي رشحت بعض أصحاب الأموال الذين لا يعرفون شيئا عن تلك البرامج، بل منهم من لا يعرف حتى متى تأسس الحزب الذي ترشح باسمه، وهي نفسها التي خاضت مشاورات من أجل المناصب الوزارية وليس من أجل البرنامج الحكومي.

كما أثبت “التشاور” بشأن الحكومة، من جديد، الضعف الشديد لهذه المؤسسة في النسق السياسي المغربي، فالوزير الأول كان يرجع في كل شاذة وفاذة إلى المحيط الملكي، بل لم يكن سوى ساعي بريد بين أحزاب الأغلبية ومستشاري الملك، لذلك ستجد الحركة الشعبية نفسها في المعارضة بسبب اعتراضها على نصيبها من الحكومة، لأنها في الحقيقة لم تعترض على عباس الفاسي وإنما اعترضت على مستشاري الملك، هؤلاء المستشارون الذين لم يحترموا الدستور، ولو في جانبه الشكلي، وفرضوا تشكيلة حكومية جاهزة على الوزير الأول، الذي يبدو أنه هو الآخر زهد في حقه الدستوري المتمثل في اختيار الوزراء واقتراحهم على الملك من أجل التعيين.

وهنا لابد من لفت الانتباه إلى لعبة جديدة قديمة أصبح المخزن يتقنها جيدا، بحيث يؤجج أسباب التوتر بين الأحزاب ليلجأ في الأخير إلى تطبيق ما يريد، فعقب انتخابات 2002 تم استغلال التوتر بين حزبي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال لتعيين وزير أول تكنوقراطي. وقبل ذلك بكثير كان أصل المشكل السياسي بالمغرب عندما استغل الملك الحسن الثاني التوتر بين زعماء الحركة الوطنية، حول وجوب أو عدم وجوب إحداث مجلس تأسيسي منتخب بواسطة الاقتراع العام، لينفرد بوضع الدستور. وبخصوص الحكومة الجديدة كان من أسباب التوتر إملاءات عليا تقضي بتقليص عدد الوزراء بحيث لا يتجاوز 27 وزيرا، وبمنع من سقطوا في الانتخابات من الاستوزار، هذا في ظاهره جيد، لكن العبرة بالخواتم كما يقال، فسرعان ما تم التخلي عن الشرط الأول ليس فقط بسبب عض الأحزاب على الحقائب الوزارية، ولكن أيضا بعدما تأكد أن الحركة الشعبية ستذهب إلى “المعارضة”، فاسحة المجال لفؤاد عالي الهمة ولمن دار في فلكه من البرلمانيين للعب دور استراتيجي في البرلمان، بحيث أصبحت أحزاب الحكومة بعد انسحاب الحركة الشعبية تفتقد للأغلبية.

أما الشرط الثاني فإنه يوحي بالحرص على شرط “التمثيلية السياسية” في الحكومة، لكن سرعان ما يتبدد ذلك الإيحاء حين نعلم أن ثلث وزراء الحكومة من التقنوقراط الذين لا لون سياسي لهم، وثلث آخر لا يرتبط بأحزاب الحكومة إلا بخيوط رفيعة جدا، بل منهم من سبق اقتراحه في لائحة وزراء الحركة الشعبية، وبعد التخلي عن هذه الأخيرة تم إلحاقه بالتجمع الوطني للأحرار في غضون 24 ساعة، كما أن الأحزاب المشكلة للحكومة مجتمعة لم تحصل إلا على حوالي 5% من مجموع الأصوات، والوزير الأول حصل في دائرته الانتخابية على المرتبة الثالثة بمجموع 5642 صوتا فقط في حين حصل صاحب المرتبة الأولى على 22315 صوتا.

إن الخاسر الأكبر في حكومة عباس وما عرفته فترة تشكيلها من سلوك سياسي مشين هو الأحزاب السياسية، فقد ظهرت هذه الأخيرة مرة أخرى لدى الرأي العام في صورة شديدة القتامة، من ذلك تهافت العديد من المناضلين الحزبيين على المناصب الوزارية بأي ثمن، وقبول الأحزاب بوزراء لا يمتون لها بصلة، وانفراد بعض الأمناء العامين بالمشاورات بشأن الحكومة ورضوخهم للتعليمات العليا دون استشارة الهيئات التقريرية، وقبول محمد اليازغي بوزارة دون حقيبة رغم رفض المكتب السياسي لذلك، ورغم مواجهته بهذه العبارة: “إذا كنت ترغب في الأجرة فإن الحزب يضمن لك ذلك”، ومن ذلك أيضا بوادر التصدع والانشقاق داخل عدد من الأحزاب، ليس فقط بسبب ما كان في فترة تشكيل الحكومة من أخطاء، ولكن أيضا بسبب الحرمان من الاستوزار، كما أن هناك انسحابات جماعية من بعض الأحزاب والتحاقا بمجموعة فؤاد عالي الهمة التي أصبحت تضم أكثر من 30 برلمانيا…

بعد كل هذا يمكن أن نتساءل عن الديمقراطية الداخلية للأحزاب؟ وعن الالتزام الحزبي؟ وعن الوفاء للبرنامج السياسي والانتخابي؟ وعن المشروع الديمقراطي الحداثي في غياب أحزاب قوية؟

ومهما اختلفنا في جرد أسباب هذا الضعف المهول للأحزاب فإن السبب الرئيس، في اعتقادي، يكمن في تخليها عن الاختيارات الشعبية، ودورانها في فلك المخزن، وقبولها للمشاركة في مؤسسات صورية على أساس دستوري هش يجعل السلطة في يد واحدة.

إن بعض الأحزاب وللأسف الشديد حينما عجزت عن الدفاع عن مواقفها الشجاعة، من مثل رفض الدستور الممنوح والدعوة إلى جمعية تأسيسية، ابتكرت ألفاظا كبيرة ليتلهى بها الشعب ومناضلوها من قبيل “الانخراط في المسلسل الديمقراطي”، “النضال من داخل المؤسسات”، “المقاعد لا تهمنا”، “أولوية الاجتماعي والاقتصادي عن السياسي والدستوري” .. وكانت النتيجة ما نرى لا ما نسمع…

وأخطر ما في الأمر أننا لا نلحظ أي بوادر للتصحيح، بل إن أحزابا أخرى تأبى إلا أن ترفع نفس الشعارات وتسير في نفس المسار معرضة عن قول الله تعالى “فاعتبروا يا أولي الأبصار” (الحشر، 2).