حيوية المسجد في حياة المسلمين لا تحتاج إلى كثير جهد لتوضيحها، فقد كان المسجد منطلق الدعوة الإسلامية تربية وتعليما وتعبئة. وظيفة حدد معالمها القرآن الكريم، يقول عز من قائل في سورة “النور”: “في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،..”(الآية:36). جاء في تفسير الآية أن المساجد تقام بأمر الله تعالى، فهي تبنى وتشاد على اسمه خاصة، وأن تعظم ويرفع شأنها لتكون منارات للهدى ومراكز الإشعاع الروحي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض”.

أراد الحق سبحانه أن تشع بيوته نورا إيمانيا، فتهفو إليها الأفئدة الظمآى للإيمان تزودا بما به تحيى القلوب من خلال حلق الذكر والعلم حيث يحتضن الشباب التائب المقبل على ربه، ليذوق حلاوة الإيمان. ولذلك توعد الحق سبحانه من يعطل وظيفة المساجد بالخزي في مسعاه دنيا، والعذاب العظيم آخرة، يقول عز سلطانه في سورة “البقرة”: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم”(الآية:113). “أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل لخرابها ماديا أو معنويا”(2)؛ فكيف إذا منع المسلمون من ولوج بيوت الله في شهر رمضان إحياءً لسنة نبوية كان صلى الله عليه وسلم أحرص ما يكون عليها، وهي سنة الاعتكاف في العشر الأواخر التماسا لليلة خير من ألف شهر؟ يمنع المسلمون في بلد دينه الرسمي هو الإسلام من ممارسة شعائر دينهم، وتجند الدولة أعوانها – في غياب شياطين الجن المصفدة – لمطاردة القاصدين بيوت الله للاعتكاف، دون أن يحرك سادتنا العلماء والفقهاء ساكنا. عجب عجاب، كيف يمنع المسلمون من حقهم في ممارسة دينهم ويرخص بل ويشجع الشواذ على مزاولة شذوذهم، وما حدث عبدة الشيطان ببعيد، حيث انبرت أصوات وجفت حلوق تطالب بحقهم في عبادة الشيطان تحت يافطة حرية الاعتقاد.

قد يقول قائل: هذه الاعتكافات الممنوعة غير بريئة، وتستغلها جماعة العدل والإحسان للتواصل مع الناس توسيعا لقاعدة متعاطفيها واستقطابا لأعضاء جدد تقوي بهم صفوفها؛وما الذي يمنع الوزارة الوصية من تنظيم الاعتكافات المسجدية كما تنظم دروس محو الأمية؟وللتذكير فقط، فنفس الكلام قيل لما أقبلت الجماعة على تدشين حملة التضامن مع الأسر الفقيرة من خلال حملة “إطعـام الصائم”، فما كان من المخزن إلا أن ينخرط في حملة توزيع “الحريرة” أمام عدسات الكاميرا – توثيقا لمستوى الفاقة والحاجة – على الفقراء الذين “ينظمهم” أعوان السلطة في طوابير بعد أن يشبعوهم ركلا وشتما ليتسلم كل محظوظ قطعة جبنة وبيضة و”زلافتي” حريرة وخبزة، حظه من ثروات المغرب، طبعا مضروبا في عدد أيام رمضان.

وبعد هذا تنبه المخزن أو قل “فلاسفته” – إذا صح أن يكون للمخزن فلسفة – أن الجماعة توظف شريحة من الوعاظ وخطباء الجمعة لاستمالة فئات واسعة من الشعب، وهذا – في نظرهم – أحد أسباب توسع شعبية الجماعة بين الشباب خاصة؛فجاء “مشروع” تدبير الشأن الديني متزامنا مع انطلاق الحرب على الإرهاب، فتهيأت للمخزن الفرصة لإبعاد كل من يشم فيه رائحة انتماء أو تعاطف مع الجماعة، ودخلت المساجد فيما يشبه التأميم، وأنفقت ملايير لتجهيز المساجد بالتلفاز والصحون المقعرة ووسائل التقاط الدروس الدينية المبثوثة عبر الفضاء، في محاولة لبعث الحياة الإيمانية في المساجد وسحب البساط من تحت الحركة الإسلامية عموما، وجماعة العدل والإحسان خصوصا، وأنى للمخزن ذلك؟

هذه بعض المحطات التي اضطر فيها المخزن لردود الأفعال في مواجهته للعدل والإحسان، والتي لا تزيد الجماعة إلا مصداقية وتغلغلا في الشعب، وتزيد المخزن وسياسته عزلة، وما استحقاقات 7 شتنبر 2007 عن المخزن ببعيدة! وما أبلغ رسالة “63%” من المقاطعين لوليمة انتخابات المخزن وخياراته وشكل تدبيره للشأن العام في البلاد! فهل من مُعتَـبِـرٍ؟

————————————

1. صفوة التفاسير ج:2

2. صفوة التفاسير ج:1