1- معنى البرنامج السياسي لدى الحركة الإسلامية:

إن من دواعي إثارة هذا الموضوع الحديث المتكرر عن البرامج السياسية لدى الأحزاب، خاصة مع الحملات الانتخابية ونتائجها، وكذلك لكون البرامج أصبحت معيارا في تقييم وتقويم الحركات.

ويظهر أن كثيرا من الحركات الإسلامية لم تأت بجديد في مسألة الصياغة البرنامجية، لحد الآن، لأنها حاكت في أغلب اجتهاداتها التجارب الحزبية السابقة.

وقبل الخوض في مناقشة الموضوع لما له من أهمية استراتيجية لدى الحركة السياسية لكل تنظيم يهتم بقضايا الشأن العام لابد من بيان المقصود بالبرنامج.

إن البرنامج السياسي مساحة محددة من الزمن تملأها حركة ميدانية لأجل تحقيق أهداف مدققة عبر وسائل معينة للجواب عن حاجات وسؤالات المرحلة التي تطرحها قضايا الشأن العام.

وقد تميزت التجارب السابقة للحركة الإسلامية بسياقين كبيرين مؤطرين لصياغة البرنامج.

الأول: أن يكون الهدف الكبير للبرنامج العمل المباشر للسيطرة على الحكم باعتباره الوسيلة الكلية لتنفيذ مقتضيات البرنامج العامة في تدبير الشأن العام. والثاني: العمل لضمان موقع يخول المشاركة في الحكم، ومن ثمة تنزيل محتويات البرنامج السياسي؛ إما عبر أغلبية حكومية للحزب أو من خلال تحالف حكومي يفترض فيه تقارب برنامجي.

وقد تميزت بعض الأحزاب اليسارية بأن كان السياق الثاني مرحلة لقيام الأول، كما حدث مع كثير من التجارب الشيوعية، لأن هذه الأحزاب تشتغل ضمن تصور معين لنظام الحكم وفق مفاهيم كبرى لها دلالاتها حول الصراع المجتمعي والنظام الدولي. أي إن المشاركة السياسية عمل تكتيكي، فقط، لتهيئ شروط السيطرة على الحكم.

ولئن كان النمط الأول من الاشتغال السياسي لم يعد له بريق مباشرة بعد نهاية ما سمي بالحرب الباردة، لأن سطوة النظام الديموقراطي وفق واقع عولمي فرضت نفسها مع انتشار وشيوع رعب القوة المادية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية وأثر مفاهيمها حول حقوق الإنسان والديموقراطية، وغيرها من المفاهيم، مع سيادة الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات، مما أربك كثيرا الأحزاب اليسارية والشيوعية تصوريا وتنظيميا وحركيا.

أما النمط الثاني فقد قلص الواقع الجديد من فعالية التمايزات المرجعية فيه إلى درجة تشابه البرامج وانخراط أحزاب كانت محسوبة على اليسار ومناهضة لما يسمى بالإمبريالية في المشروع الديموقراطي باعتباره خيارا كليا وليس تكتيكا، ومع ذلك لم يكسبها هذا الثقة الكاملة من طرف الأنظمة السياسية السائدة في البلاد العربية والإسلامية، كما هو الشأن مع أغلب يساري واشتراكيي العالم العربي، مما زاد من غموض العملية السياسة وتراجع المد اليساري أمام زحف الأحزاب والحركات ذات التوجه الإسلامي.

وفي خضم هذا الواقع الجديد وجدت الحركة الإسلامية، التي اختارت الخيار السلمي في العمل السياسي، نفسها مضطرة إلى أن تعلن برامجها السياسية على قاعدة العمل المشترك، خاصة بعد مرور مدة من الزمن ضمن المعارضة من خارج البرلمان أو من داخله.

ولئن كانت هذه المقالة لا تتوخى عرض البرامج وتقييمها، فإنها تتوخى مناقشة مقدمة مهمة في باب صياغة البرنامج السياسي وعرضه لدى الحركة الإسلامية المعاصرة.

وقبل الحديث عن هذه المقدمة، فإن السؤال يبقى مطروحا حول الجديد في مسألة البرنامج السياسي لدى هذه الحركة.

ويمكن رصد هذا الجديد من جهتين:

الأولى: أن البرنامج السياسي لدى الحركة الإسلامية لا ينبغي أن يبني حركته الميدانية على المعنى السائد للسياسة؛ فهو ليس مرهونا حركيا بالتطور الدلالي لمفهوم السياسة عبر الصيرورة الغربية التي فرضته على باقي مناحي الجغرافيا والحياة بعد هيمنتها الاستعمارية والمعنوية خلال القرن التاسع عشر ومابعده.

إن “الميكافلية”، و”البراغماتية”، وأن “السياسة هي فن الممكن”، وأن هناك إشكالا دائما حول علاقة السياسة بالأخلاق، كل هذا، ليس له مكانا سواء في صياغة البرنامج أو في التأسيس لحركته الميدانية لدى الحركة الإسلامية.

ومما يعنيه هذا الكلام أن أية حركة إسلامية أو حزب إسلامي، إن صح التعبير، بنوا صياغة البرنامج السياسي على معنى من هذه المعاني أو على بعضها أو على كلها أو ما يدور في فلكها الدلالي إنما هو تكرار لتجربة سياسية فاشلة مهما كان العجاج والحماس الذي تخلفه انطلاقتها ووجودها.

ولعل فشل كثير من الحركات والأحزاب الإسلامية في الباب، بعد عقود من وجودها، يرجع إلى عدم تقدمها كثيرا في التجديد والتأثير في تدبير الشأن العام من هذه الزاوية. ذلك أن تسرب مثل هذه الدلالات للفعل السياسي الإسلامي يجعل منه صورة من صور العجز، لأنه يكون أكبر وسيلة في فقدانه العمق الاستراتيجي المصيري، بل أخطر من ذلك يجعل السياسي موجها حتما لما وجدت من أجله الحركة الإسلامية وهو الدعوي. وهي الانتكاسة الكبرى للحركة الإسلامية مهما كان شأنها.

ولذلك، فإن القيمة الأخلاقية للعمل السياسي، التي تظهر جلية عند صياغة البرنامج وتنزيله على أرض الواقع، لا تصبح خاضعة لمنطق جدالي فلسفي حول علاقة السياسة بالأخلاق الذي فرضته الصيرورة الغربية، أو لمنطق “فن الممكن” البركماتي الميكيافيلي”، بل يصبح هو نفسه، أي العمل السياسي الإسلامي، قيمة أخلاقية نبيلة، لأنه يستند على قاعدة التطوع الإرادي ومنطق الواجب الإلهي في خدمة الأمة والإنسانية. فحوافزه نبيلة ومقاصده سامية؛ إذ ينتقل بحامله، أفرادا ومؤسسات، من موقع تدافعي سلبي يكرس قيما سلبية، يعج بها واقعنا المعيش اليوم، إلى واقع تدافعي يجعل من قضيته الوجودية الدفاع عن القيم الإنسانية العظيمة التي تضمن الحرية والكرامة على مستوى الحياة الفردية وتضمن الأمن والاستقرار والاطمئنان على مستوى الحياة الاجتماعية والسياسية، وهو ما يطلب العدل الشامل لأنه أساس كل ذلك حيث تتوفر الشروط المادية والنفسية والاجتماعية والسياسية لقيام العبودية لله تعالى.

ومن هنا تظهر قيمة التميز على مستوى الجهة الثانية.

الجهة الثانية: إن المضمون الذي يشكل روح البرنامج السياسي لدى الحركة الإسلامية لايشكل جوابا لحظيا عن الحاجات والسؤالات الملحة في قضايا الشأن العام وكفى، بل ومع ضرورة نجاحه الكبير في الجواب عن السؤال والحاجة اللحظيين إنما هو تجل واضح لقيم تربوية عالية تستمد قيمتها من كونه جوابا دعويا عن سؤال الحاجة الملحة في اللحظة المعينة وليس جوابا سياسيا جافا كما هو الشأن في باقي التجارب السياسية السابقة.

إنه جواب تربوي دعوي ابتداء ووسطا وانتهاء. ويبقى السؤال العريض: هل الحركة الإسلامية اليوم مؤهلة لهذا الجواب التجديدي الضروري؟

ولعل من الأخطاء القاتلة لدى كثير من الحركات الإسلامية أن زجت بكل طاقاتها التربوية والدعوية والفكرية، خاصة من الجيل المؤسس، في مساق ضيق جدا يتعلق بالجواب اللحظي من خلال البرنامج السياسي. وهي كارثة لها تجليات آنية وأخرى بعيدة المدى، حيث، حتما، سيتخلف ما هو تربوي ودعوي إلى الوراء ويحتل الصدارة ما هو سياسي “حراكي نضالي”، بالمعنى السائد للسياسة الذي لا يعني إلا الدسيسة والمكر، قبل أن يحصل الاتفاق المطلوب على معناه وطرق إنجازه.

إنها مقبرة الحركة الإسلامية حيث ستتحول، طال الزمن أم قصر، إلى هيكل فارغ يضاف إلى الركام السياسي الذي أثقل كاهل الأمة وتنتظر اللحظة المناسبة لتتخلص من عبئه وأمراضه، لأن الاعتبار المصيري يقتضي انخراط الجميع في عمل دعوي متوازن المهمات من حيث الضبط والإنجاز؛ إذ يحدد بدقة موقع السياسي المكلف بإنجاز البرنامج السياسي ويحدد موقع الدعوي والفكري، وغيرهما، للسهر على الوضوح المصيري والاستراتيجي لمقاصد الحركة الإسلامية وأهدافها الكبرى التي وجدت من أجلها.

نعم، إن للواقع إكراهاته في الباب؛ إذ الناس في حاجة إلى إنجاز الجواب اللحظي الذي من وظيفة السياسي مباشرة، لكن الاعتبار المصيري والاستراتيجي الوجودي يفرض على الحركة الإسلامية كفاءة تربوية وعلمية وتنظيمية وعملية كبيرة وهائلة لصناعة التوازن من حيث الفهم والعلم والعمل قبل فوات الأوان فيضاف إلى الأمة انتكاسة كبيرة إلى انتكاساتها الكثيرة ساعتها.

وما يفهم من هذا الكلام أن البرنامج السياسي ضرورة، ولكن إنجازه ليس أولوية البناء الحركي الاجتماعي والسياسي لدى الحركة الإسلامية، بل أولوية الأولويات صناعة الشروط التربوية والأخلاقية والتنظيمية والمجتمعية والسياسية والفكرية القادرة على بيان نوع التجديد وقيمته في البرنامج السياسي لدى الحركة الإسلامية، والتي تُمكن من إنجازه عبر قواعد تجديدية منسجمة مع خيار الأمة ووظيفتها التاريخية، بحيث يُمكنها من القيام بواجبها الرسالي والتاريخي الدعوي. وهو ما يقتضي بيان موقع البرنامج السياسي ضمن حركية المشروع الإسلامي.

2- موقع البرنامج السياسي ضمن حركية المشروع الإسلامي:

إن المقدمة المهمة لصياغة البرنامج السياسي هي الوعي الكامل بموقع هذا البرنامج ضمن صيرورة العمل الإسلامي. فسيدنا يوسف عليه السلام ما قال ما رواه القرآن الكريم ونتعبد الله، سبحانه، به حتى يوم قيام الدنيا: “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم” إلا بعد أن شهد له القريب والبعيد والعدو والصديق: “إنا نراك من المحسنين”.

فمن الأخطاء العلمية والمنهجية والحركية والتنظيمية القاتلة اعتبار عملية صياغة البرنامج السياسي وإنجازه هي الكل في الكل ولأجلها وجدت الحركة الإسلامية، في حين ما هي إلا فرع معين من فروع شجرة الدعوة الكبيرة والعظيمة التي من أجلها بعث الأنبياء والرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الطيبين الأطهار، وذلك “لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل”.

ومن ثمة فإن الوعي الدقيق بموقع البرنامج السياسي ضمن حركية الدعوة يعتبر وسيلة علمية تبنى عليها أعمال على مستوى بناء الحركة الإسلامية، أفرادا وتنظيمات، وعلى مستوى هيكلتها وفلسفلتها التنظيمية وعلاقاتها الداخلية والخارجية والمحلية والدولية.

نعم إن إنزال البرنامج السياسي يعني استعمال وسائل هامة كالدولة أو الحكومة أو البلديات والجماعات والإعلام ومجالات الاقتصاد والتربية والتعليم والاجتماع والعلاقات الدولية، وغيرها من المجالات، لبيان المعاني الدعوية وعرضها عرضا متكاملا نموذجيا، لكن لايمكن الحرص على الفرع فيكون وسيلة لهدم الأصل الذي من أجله وجدت الحركة الإسلامية، لأن تنزيل البرنامج السياسي ما هو إلا ثمرة هامة محليا ودوليا بعد أن يشهد الجميع شهادة قوم يوسف فيه وتكسب الحركة الإسلامية الثقة الشعبية في المشروع الإسلامي بمعناه الدعوي الرسالي بما يضمن الحد الأدنى من الدفاع عنه واستيعاب قضاياه بعد تجاوز مرحلة الحماس.

إن كل حركة إسلامية اعتقدت أن التمكين يحصل فترة الحماس الأولى في التجاوب مع المشروع الإسلامي، والقفز على مرحلة المعرفة العامة والشهادة بالإحسان الأخلاقي التربوي، الذي ينبغي أن يميزها عن غيرها من الحركات البشرية الأرضية المحضة، إنما تكون قد دخلت في دهليز الموت الأبدي من حيث هي تنظيم، أو الغيبوبة الطويلة من حيث هي فكرة ومشروع. ولعل كثيرا من التجارب القريبة والبعيدة خير دليل على هذا.

ولذلك، فإنزال البرنامج السياسي مرحلة متأخرة، رغم الإكراهات، ضمن صيرورة المشروع الإسلامي الدعوي، حيث هناك قواعد علمية وتنظيمية وهيكلية وسياسية واجتماعية ومجتمعية وتواصلية وعلائقية محلية ودولية لابد من إرساء الحد الأدنى منها بحسب ما تراه القيادة الجامعة ليضمن الاستقرار المطلوب لحركة البرنامج السياسي الميدانية دون اهتزازات وانحرافات وانزلاقات وانتكاسات مهلكة.

وما ينبني على هذه المقدمة الهامة لصياغة وتنزيل البرنامج السياسي كثير، إلا أنه يقتضي المقام الإشارة إلى أمر هام يتجلى في نقطتين:

الأولى: على جيل التأسيس أن لا يزج بنفسه جملة في حلبة العراك السياسي البرنامجي اليومي، فهذا باب يمكن أن يهيأ له جنود من الشباب مع ما تقتضي الضرورة تفريغه للرعاية والتوجيه من رجالات التأسيس والتربية والدعوة.

والثانية: إنه لا مستقبل للبرنامج السياسي ما لم تسلم التنظيمات الإسلامية بقاعدة: كل ميسر لما خلق له، وأن عليها أن تسعى لصناعة واقع التكامل والتكافل والتعاون على الخير.

فلا أحد يستطيع أن ينهض بتنظيمه للقيام بواجب الدعوة الإلهي النبوي، لأنه وببساطة أن هذا التنظيم ليس هو جماعة المسلمين، ولذلك فإن جيل التأسيس للحركة الإسلامية يتحمل مسؤولية عظمى أمام الله تعالى وأمام الأمة وأمام التاريخ في مستقبل الدعوة والإنسانية، إذ لابد من إيجاد سبل التواصل القوي والتعاون البناء مع التجرد من كل اعتبارات شخصية ضيقة وحسابات ساذجة أمام هول ما تعيشه الأمة والدعوة اليوم.

إن على الحركة الإسلامية، إذا أرادت أن تُعتبر دعوة حقا وتحقيقا، الجلوس، مع الترفع عن كل الأوهام والأحكام المسبقة، على موائد ومجالس حوارية علمية مسؤولة وأخوية. وعلى وسائل إعلامها أن تشتغل في الباب بقوة ويقين وضرورة عملية وشرعية للتأسيس لأرضية نهضة شاملة للمشروع الإسلامي.

إن قاعدة البرنامج السياسي لدى الحركة الإسلامية هي قدرتها على صناعة موجة عامة وعارمة لدى الأمة تدور على قيم الإسلام ومعانيه العظمى وعيا وعلما، لا أن تحاربك حين تعجز حكومتك عن تلبية حاجياتها الدنيا، بل المفروض أن يؤهلها المشروع الإسلامي لتكون، أي الأمة، جنديا له مدافعا عنه بالحق، ولذلك فهناك مسافة من الزمان تملؤها الدعوة لتهيئ الفضاء المناسب لتنزيل البرنامج السياسي تنزيلا متكاملا، لا أن يصبح موضوع صراع سياسي وتوازنات سياسية لتكريس الواقع في كل أبعاده السلبية.

ومن هنا فإن أي تشرذم أو تنافر أو تناحر لا قدر الله بين المسلمين إنما هو ضياع لحق الأمة والإنسانية في العيش الكريم وفي توفير شروط العبودية لله تعالى. بل من أوجب الواجبات أن يتحرك العلماء ورجال التربية والفكر في اتجاه جمع الشمل ووحدة الصف على أية صورة تضمن تكاتف الجهود وصناعة واقع عام يُقبل فيه الناس على دينهم وعبادة ربهم ويكونون مستعدين طوعا لا كرها للدفاع عن حوزة الإسلام والمسلمين وسائر المستضعفين. فلا نترك لاجتهاداتنا الشخصية، بل الشخصانية، مجالا للتفرقة، بل نجعلها عنصر قوة ووسيلة اقتراح جادة تفيد الأجيال القادمة في دنياها وأخراها. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.