يعد موضوع إماطة الأذى عن الطريق من المواضيع التي أولاها الإسلام عناية خاصة لما لها من وقع إيجابي على حياة المسلمين أفرادا وجماعات إن كان فيهم من يؤدي هذا الواجب ويعطيه حقه. وفي نفس الوقت إذا لم يتم القيام بهذا الواجب فإنه يصبح وبالا على الفرد وعلى الأمة، ويترتب عنه ضرر كبير على جميع الأصعدة. وما ينبغي الإشارة إليه هو أن مفهوم إماطة الأذى لا ينبغي حصره في ذلك المفهوم البسيط: إزاحة حجر، أو شوك يؤذي المارين من طريقهم. بل إن الأمر يشمل مجالات أوسع تهم الإنسان في حياته الدنيا والأخرى إن على مستوى علاقة الإنسان بربه وهو ما يسمى بالخلاص الفردي، أو علاقته ببني جنسه. وقد ورد الكلام في هذا الموضوع في الحديث النبوي الشريف الذي رواه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الإيمان بضع وسبعون  عند البخاري بضع وستون- شعبة (زاد مسلم): أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان”.

إن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان وهي أدنى هذه الشعب، وقد أوردها الأستاذ عبد السلام ياسين ضمن شعب خصلة العمل حيث قال: هذه هي الشعبة الثالثة التي وردت في الحديث النبوي عن شعب الإيمان. تلك الحركة البسيطة التي يقوم بها الفرد حين يسلك الطريق، فيجد شوكة أو حجرا أو أذى فيزيلها بنية تجنيب المسلمين المارين إذايتها، مما يقرب إلى الله عز وجل. هنا يجل العمل على بساطته بجلال النية) 1 .

ومن هنا يتضح أن إماطة الأذى عمل. وكل عمل يراد به وجه الله عز وجل لابد له من نية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لمل امرئ ما نوى” 2 وإذا نظرنا إلى الحديث بشيء من التأني نجد أنه يشمل كل ما يؤذي الإنسان. وما يؤذي الإنسان في زماننا الحالي يكاد لا يحصى، وبالتالي فإنني سأتناول معالجة هذا الموضوع من خلال نقطتين رئيسيتين: إماطة الأذى عن الطريق في علاقة الإنسان بربه، وإماطة الأذى في علاقته ببني جنسه من البشر. لكن قبل طرق هذا الموضوع لابد من شرح معنى إماطة الأذى عن الطريق.

معنى إماطة الأذى عن الطريق

ورد في شرح حديث شعب الإيمان عند مسلم للإمام النووي رحمه الله أن إماطة الأذى معناه تنحية وإبعاد كل ما يضر بالمسلم من طريقه سواء كان ذلك حجرا أو شوكا أو مدرا أو غيره، ومن ثم فكل ما يتأذى منه الإنسان بصفة عامة والمسلم بصفة خاصة فهو أذى أي ضرر ينبغي إبعاده، بنية التقرب إلى الله عز وجل بالعمل الصالح، على قلة ذلك العمل الصالح، فالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: “أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل” ويقول عليه الصلاة والسلام “لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق”.

وعليه، فكل ما يؤذي الإنسان فهو أذى سواء كان كبيرا أو صغيرا كثيرا أو قليلا. وبالتالي فالرذائل أذى، والجهل أذى، والسكوت عن الحق أذى، والتلوث أذى، والأسلحة الفتاكة أذى، والاستكبار بشتى أنواعه وأشكاله أذى.

إماطة الأذى عن الطريق في علاقة الإنسان بربه

إن الإنسان المسلم يؤمن ويعتقد اعتقادا جازما أنه في يوم من الأيام سيرجع إلى ربه، وسيحاسبه على ما قدم في دنياه من أعمال سواء كانت هذه الأعمال صالحة أو طالحة، يقول الله عز وجل: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 3 . والإنسان في هذه الدنيا إنما يزرع لآخرته. فلابد له من النظر إلى ما يزرعه. قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون 4 من هنا فحري بأي إنسان أن يعمل ويكثر من العمل الصالح. وإماطة الأذى عمل صالح كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وعلى الإنسان العاقل أن يميط الأذى عن نفسه أولا وقبل كل شيء وهذا لا يكون إلا بالمجاهدة. وجهاد النفس أشد. فأكبر عدو للإنسان ينبغي مجاهدته هي النفس التي يحمل بين جنبيه. وما دام الإنسان يجاهد نفسه فهو في عبادة، بحيث يميط الأذى من طريقها ويسير بها إلى ما فيه صلاحها.

فبمجاهدة النفس يتنحى الإنسان ويبتعد عن الأنانية وأمراض القلب والدين وهي أذى، يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: خذ مني دواء لمرض دينك واستعمله وقد جاءتك العافية. من تقدم كانوا يطوفون الشرق والغرب في طلب الأولياء والصالحين الذين هم أطباء القلوب والدين، فإذا حصل لهم واحد منهم طلبوا منه دواء لأديانهم) 5 إنها الصحبة والجماعة. فلابد من مصحوب يدل الإنسان المجاهد لنفسه على الله ولابد له من جماعة تحتضنه ويتربى في كنفها.

بالمجاهدة يميط الإنسان أذى الغفلة والتيه عن نفسه فيصبح ذاكرا لله تعالى في جميع أحواله، فيطمئن قلبه ألا بذكر الله تطمئن القلوب. بالمجاهدة يميط الإنسان أذى الكذب والخيانة والنميمة والفسق والنفاق عن نفسه فيكون بذلك صادقا مع نفسه ومع الله، وما أحوج الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى من يصدقها القول والعمل. بالمجاهدة يبعد الإنسان الشح والغل عن نفسه وهو أذى، ويبذل ماله ونفسه ووقته في سبيل الله فما أعظمه من بذل. بالمجاهدة ينحي الإنسان آفة الجهل عن نفسه وهي أذى ويتطلع إلى مناهل العلم والعرفان فيغرف منها ما ينفعه في دينه ودنياه.

بالمجاهدة يستطيع الإنسان أن يبعد عن نفسه أذى شبح الفقر والفاقة الاجتماعية. وذلك بالعمل الدؤوب فيصبح إنسانا صالحا لنفسه ولأمته. بالمجاهدة يمكن للإنسان أن يبعد عن نفسه كل نجاسة فيتصف بالطهارة، بالنظافة بالسلوك الحسن وبالمظهر اللائق تحقيقا للسمت الحسن. بالمجاهدة يجنب الإنسان نفسه أذى التسرع والعجلة وهي من الشيطان ويتصف بصفات الوقار وهي التؤدة.

بالمجاهدة يجنب الإنسان نفسه أذى التبذير والإسراف قال عز وجل إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين فيقتصد في ماله ولا ينفقه إلا في الوجه الذي يرضي الله، يقتصد في وقته وجهده حتى يسخر جله لمناجاة ربه. بمجاهدة النفس يسعى الإنسان إلى طلب الشهادة في سبيله وإبعاد أذى القعود والنكوص عن نفسه فيفوز بجائزة المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. إنها جائزة الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله. يقوم الإنسان بهذه الأعمال كلها بنية إخلاص العبادة له وحده، فيثمر هذا العمل ويقرب صاحبه من الله عز وجل. لكن وحده لا يكفي لأن صاحبه إنما يعمل لصالح نفسه يهذبها ويزكيها ويطهرها، فإذا لم تظهر نتيجة هذا الجهد والمجاهدة على معاملته للآخرين فقد يكون ذلك العمل بوارا. نعوذ بالله من ذلك.

إماطة الأذى عن الطريق في علاقة الإنسان بالإنسان

إن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان مبنية على التعاون والتآزر والتحاب في الله والتناصح فيه، فلا ينبغي للإنسان المسلم خاصة أن يهتم بإصلاح نفسه وترك غيره عرضة للضياع قال تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون 6 . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”. والاهتمام بأمر المسلمين يقتضي إبعاد كل ما يؤذيهم من طريقهم.

نجد المسلمين اليوم وقد ابتلي الكثير منهم إن لم نقل جلهم إلا من رحم ربك بأشد الأذى في الدين والدنيا ألا وهو داء الفتنة فلابد من إبعاد هذا الأذى عن طريق المسلمين. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: نريد تغييرا جوهريا يأتي بنيان الفتنة من القواعد. فعلينا أن نكون لا على مستوى العصر الذي تتحكم فيه الجاهلية وقيمها، بل على مستوى مستقبل نقترحه نحن على التاريخ، ونصنعه، ونخترعه على هدى من الله وبإذنه (…) يجب أن نصنع فكرا مستقبليا يلقي على آفاق هذا القرن الخامس عشر، قرن الإسلام بإذن الله، ومن بعده، نور القرآن ونور الهدي النبوي. يلقي على حياة البشر نورا به يميزون ما ينفع وما يضر في الدنيا والآخرة) 7 .

إنها مهمات صعبة وعقبات كأداء تنتظر من يريد القيام بها. مهمات إنقاذ الإنسان المفتون من براثين الجهل والظلم. جهل بأمور الدين والدنيا يحتاج إلى دعوة وتربية، ظلم يحتاج إلى عدل وإحسان. بلد ترتفع فيه نسبة الأمية بشهادة ذوي الاختصاص -والأمية أشكال وألوان- يحتاج إلى إماطة الأذى عن التعليم فيه. بلد تستحوذ فيه قلة قليلة على أكثر من 90% من الثروات والكثرة الكثيرة ترزح تحت الفقر والاضطهاد يحتاج إلى إماطة الأذى عن النظم السائدة فيه. فلابد من التوجه إلى الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ومخاطبتهم على قدر عقولهم، بالتبشير لا التنفير، بالتيسير لا التعسير، بالبشاشة لا العبوس، باللين لا الشدة، عملا بقول الله عز وجل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 8 . وأخرج البخاري عن علي كرم الله وجهه أنه قال: “حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما يكرهون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما من رجل يحدث قوما لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم” 9 حتى نزيح ونميط عن الدين ما لحق به من خلافات مفرقة وما لحق به من عصبيات موهنة للأمة. ولا يتحقق ذلك إلا بتحقق شروط ثلاثة: الحب في الله والنصيحة والشورى والطاعة وهي نواظم ثلاث جعل منها الأستاذ عبد السلام ياسين روح التنظيم ومعناه. لابد من إصلاح التعليم حتى نتمكن من التغلب على آفة الأمية الأبجدية والدينية والثقافية والسياسية والمعلوماتية… لابد من إصلاح الأسرة التي من خلالها صلاح الفرد والمجتمع. لابد من محاربة الظلم والاستبداد وهما عنوانان للتخلف. لابد من الوقوف في وجه رياح التغريب والحضارة الدوابية التي تغشى أوطاننا وبيوتنا صباح مساء. لابد من مكافحة الأمراض الفتاكة التي تؤدي بأرواح البشرية يوميا. لابد من مناهضة الحروب ونشدان السلم حتى يعيش الإنسان في أمان. لابد من مناهضة الاستكبار العالمي ورد الاعتبار إلى الشعوب المستضعفة، والتطلع إلى تحقيق العدل والمساواة بين جميع الشعوب والأمم، إنه التغيير الجذري الذي يحتاج إلى صبر وتدرج، وهو أمر منوط بجند الله الذين تلقوا الإسلام غضا طريا من نبعه الصافي نبع رسول اله فباعوا مهجهم فيما عند الله نسأل الله أن يجعلنا منهم.

وفي الختام لابد من القول أن هذا الموضوع يطول الحديث فيه ولا يمكن حصره في هذه السطور. ولا يتأتى ذلك إلا لذوي الاختصاص الذين حباهم الله العلم الغزير والقلب البصير. وهذا غيض من فيض نسأل الله أن ينفعنا به وأن يجعله في ميزان حسناتنا، ويرفع به درجاتنا.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة الثالثة 1414ه/1994م، ص: 235.\
[2] شرح الأربعين النووية، لابن دقيق العيد: الحديث الأول.\
[3] سورة الزلزلة الآية 7 و8.\
[4] سورة الحشر الآية 18.\
[5] عبد القادر الجيلاني، الفتح الرباني، ص: 160.\
[6] سورة هود الآية 117.\
[7] عبد السلام ياسين، المرجع السابق، ص: 32/33.\
[8] سورة النحل الآية 125.\
[9] عبد السلام ياسين، الإحسان 1، ص: 136.\