في الحلقة الثانية من السلسلة التي تنشرها جريدة “التجديد” الدكتور عبد العالي مجدوب يحكي بعض التفاصيل المرتبطة برسالة “الإسلام أو الطوفان” التي بعثها الأستاذ المرشد للملك الراحل الحسن الثاني..

أليس غريبا أن يكتب عبد السلام ياسين بمجرد خروجه من الزاوية “الإسلام أو الطوفان” ويوجهها إلى الملك؟ كيف يمكن تفسير ذلك؟ هل كان يريد أن يقطع المسافات لتأسيس جماعة، أم أنه كان يريد فقط أن يبلغ الملك ما توصل إليه في مشروعه؟

المشاريع عادة ما تبدأ جنينية ثم تكبر وتنضج، والأستاذ عبد السلام ياسين عاش تجربة الزاوية وتشرب عناصرها الإيجابية، فنضجت أفكاره وارتقت، وبلغت بعد ذلك مستوى من الرشد عبّر عنه الأستاذ، فيما بعد، بوضوح لا مزيد عليه في كتاب “الإحسان”، بجزأيه، ثم في كتاب “”العدل، الإسلاميون والحكم””، على سبيل المثال. لقد وجد الرجل الحق مع الصوفية، لكنه حق غطته عبر السنين طبقات من البدع والشبهات، بل والانحرافات في بعض الأحيان. لقد سعى جهده من أجل جلاء هذا الحق وتمييزه مما علق به من زيادات الرجال مما يكدّر صفو المنبع النبوي، وعمل أيضا، حسب شهادات بعض من عرفوا الأستاذ وخالطوه أيام الزاوية، من أجل أن يرى هذا الحق مجسدا في رجال إيمانا وسلوكا وجهادا، وكان يقول: “”أعطوني عشرة رجال أصنعْ لكم الأعاجيب””، وهو يقصد بالرجل، طبعا، الراحلة الحامل للمشروع. كانت هذه هي فكرته، ولكن كان يريد لهذه الفكرة أن تنبثق من الزاوية. ولا ننسى أن الأستاذ عبد السلام ياسين كان رمزا من رموز الزاوية وكان نشيطا، دعوة وفكرا وتأليفا؛ ففي هذه الفترة ألف كتابيه “”الإسلام بين الدعوة والدولة”” (1971) و””الإسلام غدا”” (1972)، حيث تعرض لمناقشة عدة مشاريع فكرية وتجارب أممية، ومدارسة دقيقة لأطروحات الماركسيين والماويين للتغيير، وفيه عرض للتجربة التاريخية الإسلامية وتحليل لتطورها وتفسير لأحداثها.

ولكنه ضمن كتابه الأول “”الإسلام بين الدعوة والدولة”” معالم مشروعه لتغيير الإنسان (المنهاج النبوي لتغيير الإنسان)، هل نفهم من ذلك أن المشروع كان جاهزا عنده قبل سنة 1972؟

إن تجربة الزاوية البوتشيشية هيأت للأستاذ ياسين ووفرت له الشروط التربوية، وهي عامل حاسم فيما نحن بصدده، لصقل أفكاره وتمثل معالم مشروعه. ولا ننسى أن نذكر هنا أن الأستاذ ياسين حينما ألف كتابه “”الإسلام بين الدعوة والدولة”” بعث بنسخة منه إلى الديوان الملكي، وكانت نيته أن يبلغ نتيجة ما توصل إليه إلى الملك لعله يقرأ تجارب الرجال. فالشيخ عبد السلام ياسين كان يؤمن يومئذ أن الدعوة الصادقة يمكن أن تجد من رجالات الدولة، بدءا من الرأس، من يتبناها ويحتضنها ويدافع عنها. هكذا كان يرى الأمور قبيل رسالة “”الإسلام أو الطوفان””، بل في هذه الرسالة نقرأ أن الرجل كان ما يزال يطمع، وهو يحررها، أن يرى الملك ينهض لهذا الأمر ويسمو سمو رجل كعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه.

أفهم من ذلك أن ياسين كان يريد أن يكون الملك أول من يتبنى مشروعه؟

نعم، وقد كرر هذا مرارا في رسالة “”الإسلام أو الطوفان”” إلى الملك الراحل، وقال له سأسرد عليك تاريخ الرجال عسى أن تكون ممن يشرفهم الله تعالى بتحمل مشروع الدعوة، وعرض عليه، كما ذكرت، نموذج عمر بن عبد العزيز. كان في نية الأستاذ عبد السلام ياسين أن يجد كتاب “”الإسلام بين الدعوة والدولة”” وما عرض فيه من تجارب الرجال قبولا وترحيبا لدى الملك، لكن الرجاء تبخر، فلم يكن للكتاب أي أثر يذكر على صعيد الواقع. وهذا يؤكد أن الرجل لم يقصد برسالة “”الإسلام أو الطوفان”” أي استثمار سياسي، بل على العكس من ذلك، فقد جاءت هذه الرسالة منسجمة مع التطور الطبيعي الذي كان يعرفه مشروع الأستاذ عبد السلام ياسين. فرسالة “”الإسلام أو الطوفان”” لم تأت فجأة أو طفرة، بل جاءت في سياق يرتبط فيه اللاحق بالسابق ارتباطا عضويا. ويحكي الأستاذ أنه عندما سُدّ في وجهه الطريق في الزاوية لم يبق له مجال لمتابعة الدعوة إلا أن يقول كلمة للأمير؛ وهنا بدأت الفكرة، وبدأ يطرح جملة من الأسئلة: كيف يقول هذه الكلمة؟ والرجل كان معروفا لدى النخبة المثقفة، والدليل على ذلك أن الأستاذ علالا الفاسي، رحمه الله، حينما علم أن الأستاذ عبد السلام ياسين لم يذكره في كتابه “”الإسلام بين الدعوة والدولة”” مع الرجال الذين ذكرهم أحس بنوع من الإهمال في حقه وكان منه، رحمه الله، كلام فيه بعض العتاب حمله بعضهم إلى الأستاذ ياسين. ولهذا، يمكن أن نعدّ رسالة “”الإسلام أو الطوفان”” شكلا من أشكال السير في الطريق، فقد كان لهذا السير أن يكون على شاكلة أخرى، ولكن شاء الله، تعالى، أن يكون على شاكلة هذه الرسالة “”التاريخية””. وكانت نيته في البداية معقودة على أن يكتبها باللغة الفرنسية، وقد شرع، بالفعل، حسب شهادة من عاشوا هذا الحدث عن قرب مثل الأستاذين أحمد الملاخ ومحمد العلوي السليماني العلوي، في الكتابة باللغة الفرنسية، لكنه عدل عنها إلى العربية بعد صفحات معدودات.

ألم يحذره مرافقوه من خطورة توجيه رسالة بهذه اللهجة إلى ملك البلاد في تلك الفترة العصيبة؟

كان الأستاذ عبد السلام ياسين هو من يحذر أصحابه، وهم يومئذ معدودون على رؤوس الأصابع، ويقول لهم إن السير في الطريق الذي اختاره قد ينتهي بالموت، فمن أراد أن يبقى معي فمرحبا به، ومن أراد أن يبتعد فله ذلك. كان الرجل عازما، وعندما قرر أن يخرج رسالة “”الإسلام أو الطوفان”” إلى العلن، أعدّ كفنه، كما يحكي الحاكون، وكان ينتظر الموت، وقد ورد في نص الرسالة بعض الإشارات إلى هذا.

كيف طبع الرسالة، ومن قبل أن يطبعها وهي كلمة قوية إلى الحاكم؟

كتب الرجل الرسالة بيده، وقام صاحباه (أحمد الملاخ ومحمد العلوي السليماني) بجلب الحروف المعدنية، وأخذا يصففان نص الرسالة صفحة صفحة يدويا إلى أن انتهى طبع الرسالة كلها بهذه الطريقة البدائية؛ كان الأستاذ ياسين يكتب وهما يطبعان.

أين تم ذلك؟

في مدرسة الإمام الجزولي بمنطقة دوار العسكر تعرف اليوم بـ””مدرسة السي العلوي””، لأن السيد محمد العلوي السليماني كان هو مديرها آنذاك. ولما أتما طباعتها، عمل الأستاذ عبد السلام ياسين أن تصل هذه الرسالة إلى كبار الشخصيات والعلماء والسياسيين ورجال الفكر والثقافة، قبل أن تصل الملك.

هل كان يريد بذلك أن يشهد كل هؤلاء على رد فعل الملك المرتقب من الرسالة؟

كان الرجل يريد لهذه الرسالة أن يكون لها ما بعدها، حتى إذا قضى الله أن يموت، انبرى رجال الدعوة والعلم ليحملوا الفكرة من بعده، ولذلك ألحق بآخر الرسالة نداء إلى المؤمنين عامة وإلى أهل الدعوة خاصة، ومما جاء في هذا النداء قوله: “”واعلموا أن صاحبكم (يقصد الملك) إن طرح النصيحة وماطل وراوغ ذاهبٌ أمرُه وصائرٌ إلى ما يصير إليه من أخذته العزة بالإثم حين قيل له: “”اتق الله””. ليس لي ـ يضيف الأستاذ في هذا النداء ـ منظمة ولا أعوان إلا أنتم معشر المسلمين. فإن قرأتم في رسالتي صوابا وحقا فكونوا أنصارا لله، واعتصموا بالمساجد، وادعُوا إلى رفق الإسلام يوم تضطرب المدلهمات بقوم غافلين، وإن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب. لا تسكتوا عن الحق بعد اليوم، واذكروا أن “”الساكت عن الحق شيطان أخرس””… إلى أن قال في آخر هذا النداء مخاطبا العلماء: “”فما قولكم يا علماء المسلمين؟ (أئفكا آلهة دون الله تريدون؟ فما ظنكم برب العالمين؟) أخذ الله عليكم ميثاقه لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وقد كتمتم وسكتم، فما حجتكم بين يدي ربكم يوم تعرضون؟ والموعد الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن الإسلام غدا حق لا مرية فيه، بالحَسَن، إن تاب وأصلح وبادر، أو بدون الحسَن. صدقنا موعود الله ورسوله، وكذبنا أوهام الواهمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين””.

كان الأستاذ ياسين يؤمن بأن الأمر يتعلق بدعوة ينبغي لها أن تسير بموته أو حياته، وكأن الأمر ليس فيه اختيار، ولذلك حرص أن تصل رسالته إلى كل من له سلطة فكر أو علم أو ثقافة أوسيف.

وكيف تعاملت السلطة مع الرسالة، وكيف كانت تداعياتها؟

بعد انتشار أمر الرسالة بأقل من أربع وعشرين ساعة، حضرت السلطة بسيارة إسعاف إلى بيت الأستاذ ياسين، وأخذته مباشرة إلى مستشفى الأمراض العقلية.

اعتبروه مجنونا؟

في منطق السلطة المخزنية ما أقدم عليه الأستاذ ياسين لا يمكن أن يصدر، في المغرب طبعا، إلا عن مجنون. ولهذا أخذته واحتجزته في مستشفى المجانين في مكان معزول عن المرضى الحقيقيين.

وماذا فعلوا بصاحبيه؟

أخذوهما معصوبي العينين واقتادوهما إلى معتقل درب مولاي الشريف الشهير حيث كان يُحتجز الشيوعيون ويُعذبون (إلى الأمام، و23 مارس…)

كم قضى ياسين في مستشفى الأمراض العقلية؟

قضى حوالي ثلاث سنوات ونصف (من1974 إلى مارس من 1978)، بينما قضى صاحباه أزيد من خمسة عشر شهرا بدرب مولاي الشريف.

ألم يحك لكم الأستاذ ياسين كيف قضى هذه المدة، وكيف كان رد فعله حين أدخل لهذا المكان؟

لا يفصّل الأستاذ ياسين في حديثه عن هذه المرحلة، لكنه يقول إن الله قد منّ عليه بهذه العزلة التي فرضت عليه فرضا، فانقطع فيها للتعبد وتفرغ لكتاب الله عز وجل والتوسع والتعمق في القراءات والمطالعات والكتابة والتأليف؛ ولا شك أن هذا الحجز الظالم قد ألهم الرجل كثيرا من كتاباته وتنظيراته.

هل يمكن أن تمثل لها؟

في هذه المرحلة وضحت تفاصيل معالم المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا، بعد أن كانت أفكارا عامة مبثوثة في كتاباته السابقة.

في سنة 1978 أفرج عن الأستاذ ياسين فوجد نفسه أمام بيئة جديدة، كيف تعامل مع هذه البيئة، وكيف كان تقييمه لأثر رسالة “”الإسلام أو الطوفان”” على النخبة والمجتمع؟

كان الرجل ينتظر، بعد أن كتب الرسالة وبعد أن ألحق بها نداء إلى أهل العلم ورجال الفكر والثقافة، أن يستجيب هؤلاء وأن يكون للرسالة ما بعدها، ولكن الأمر مضى بعكس المقصود، ولذلك لما خرج وجد الناس قد نسوا كل شيء وكأن الرسالة لم تكن، وانفض الناس عنه إلا ما كان من رجال معدودين على الأصابع ظلوا ملتفين حوله ماضين معه في الطريق مثل السادة أحمد الملاخ ومحمد العلوي السليماني ومحمد النقرة وإبراهيم موزين الملقب ب””الروابزي””، وقد كان صانعا تقليديا يصنع المنافيخ. أما معارفه من أهل الفكر والعلم والثقافة فقد ابتعدوا عنه، بل منهم، كما جاء في بعض الروايات، من حمل النسخة التي وصلته من رسالة “”الإسلام أو الطوفان”” وذهب إلى السلطة ليتبرأ أمامها من الرسالة ومن صاحبها.

وهل فكر في خطوة أخرى لاستكمال الطريق بعد أن لم يكن له ما كان ينتظره من رسالته؟

بعد الإفراج عنه، لم يلبث الأستاذ ياسين أن بادر إلى الاتصال بالناس، في شهر رمضان، بمسجد الحي الذي كان يسكنه بالداوديات، وبدأ يلقي دروسا، بدأها، حسب شهادة من حضروا بداية هذه الدروس، بشرح الحديث القدسي المشهور، الذي يعتبره الأستاذ ياسين دستور الصحبة وبرنامجها: “”حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابون فيّ على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصدّيقون والشهداء””. وقد استجاب الناس له وأعجبهم كلامه وكثر عددهم في اليوم التالي، لكن عمر هذه المبادرة الدعوية كان قصيرا؛ فما هي إلا ثلاث جلسات إيمانية في بيت الله حتى ضاقت السلطة بالرجل، فأرسلت إليه من يبلغه أمر عامل المدينة القاطع بأنه ممنوع من التحدث إلى الناس في المسجد. وقد احتج الرجل لدى القائد على هذا المنع، ثم جلس إلى الناس الذين أغضبهم صنيع السلطة يتلو عليهم قوله تعالى: “”ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها””. ثم أخبر الراغبين في الاستماع إليه أن بيته مفتوح لهم. وقد كان الناس يومها متعطشين إلى من يذكرهم بدينهم ويحدثهم حديث القلب، فحضر الناس في البداية بكثرة إلى مجلس الأستاذ ياسين في بيته، لكن عددهم جعل يتناقص بعدما أخبرهم الرجل أنه ليس من الوعاظ الرسميين المعروفين عند العامة، وأن همّه أن يبلغ الناس معاني الإحسان والمحبة والرجولة والقيام لله والجهاد في سبيله، وأن كلامه له تبعات، وأن السلطة تحصي عليهم أنفاسهم داخلين إلى بيته وخارجين، وأنه لم يكن ليخدعهم، فمن اطمأن إليه واختار مجالسه فمرحبا، ومن كان يخشى على نفسه ولا قدرة له على تحمل عسف المخزن، فليس عليه شيء إن هو اختار طريق “”السلامة””.

وماذا كان موقفهم بعد ذلك؟

بعد هذا الخطاب الواضح من الأستاذ ياسين تناقص عددهم، ولم يواظب على الحضور، فيما بعد، إلا نفر قليل منهم.

وكيف تحول منهج عبد السلام ياسين من خطاب الأمير إلى خطاب الناس؟

كانت الكلمة إلى السلطان عسى أن يأتي الله بخير على يديه، ولكن بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من الحجز ظهر للشيخ أن هذه الطريق ليست سالكة، فحول وجهته إلى الناس وفي مقدمتهم المثقفون والنخبة.

ولكن الرجل قد يئس من هؤلاء بعد أن انفضوا عنه، وبعد أن لم يكن للرسالة من أثر عليهم؟

لم ييأس الأستاذ ياسين من خطاب النخبة، وسنجد في خطوة لاحقة أن الرجل سعى كثيرا من أجل التواصل مع هذه النخب من طريق المحاضرات واللقاءات.

هل كان إصدار مجلة الجماعة سنة 1979 هو الخطوة التي اعتمدها ياسين للوصول إلى الناس وإلى النخبة؟

تطورت فكرة مجلة “”الجماعة”” بشكل سريع بعد أن أيقن الأستاذ ياسين أنه لا بد من الهجوم على الناس واقتحام نواديهم خاصة بعد أن قل الوافدون عليه بسبب الخوف. فبعد أن خرج الرجل من تجربة “”الإسلام أو الطوفان””، ولم يجد مستجيبا في المستوى الذي كان يتطلع إليه، دخل المسجد ليخاطب الناس، فإذا بهم ينفضون من حوله بسبب التخويف والتهديد، فرجع إلى بيته يستقبل من اختار الاستجابة لدعوته والإقبال على مجالسه في بيته، فإذا بهذه الفئة المستجيبة لا توفي بالمطلوب كمّا ونوعا. هكذا كانت الصورة، ولهذا، بدأ الأستاذ عبد السلام ياسين يبحث عن طريقة أخرى للخروج إلى سعة العالم من ضيق بيت في درب في زقاق في حي اسمه “”الداوديات””. فكان من الطبيعي أن يفكر الرجل في طريق يسلكها إلى الناس لعله يوسع دائرة مخاطبيه، ويبلغ مشروعه، وهنا جاءت فكرة إصدار مجلة “”الجماعة”” لتخاطب الناس وتبلغهم أفكار الرجل.

وكيف تم ذلك، ومثل هذا العمل الإعلامي له شروطه ومواصفاته؟

أول مشكل طرح هو كيفية الحصول على الإيداع القانوني، ولم يكن هذا هو المشكل الوحيد، فقد حكا الأستاذ ياسين طرفا من المشاكل التي اعترضت إصدار المجلة في عددها الأول، بحيث كان على الأستاذ ياسين ومن معه أن يواجهوا أربع عقبات:

ـ الإيداع القانوني، ومن يستطيع أن يسلم إيداعا قانونيا لرجل كان منه ما كان من شأن مخاطبة الملك في رسالة “”الإسلام أو الطوفان””؟.

ـ التمويل، ومن يستطيع أن يمول هذا المشروع الذي فيه إعلان لكلمة الحق.

ـ الطبع، وخاصة بعد أن ترددت مطابع كانت تطبع كتب الأستاذ ياسين قبل رسالة “”الإسلام أو الطوفان””، بسبب التخويف والتهديد المخزني الذي وصل إلى كل مكان كان يريد الأستاذ ياسين أن يلجأ إليه للطبع.

ـ التوزيع.

وقد يسر الله لهذه المجلة أن تظهر بفضل رجل اسمه “”إبراهيم الشرقاوي””. وقد يسره الله في هذه الظروف، لكن الأستاذ ياسين، على الرغم من حاجته لمن يمول هذا المشروع الإعلامي الدعوي الناشئ، اشترط على السيد الشرقاوي أن لا يكون له تدخل في الخط التحريري للمجلة، إذ كان يرفض أن تخضع المجلة، وهي لمّا تولد، لسلطان المال وما يكون مع المال من أهواء وميولات، ولذلك فقد قالها الأستاذ صريحة للسيد إبراهيم الشرقاوي: إذا أردت أن تساعد على إخراج هذه المجلة فمرحبا بك، لكننا، قبل ذلك، نشترط عليك أن تكتب رسالة تبين فيها نيتك وعزمك، وتعطينا عهدا على أن يكون تمويلك خالصا لوجه الله دون أن يكون لك أي غرض شخصي وراء ذلك.