لا شك أن لكل بداية نهاية، وبداية المشوار السياسي للنظام المغربي هندسها عبقريو العهد القديم اذا سلمنا بوجود القديم والجديد، وقعدوا لها بناءا على معطيات الواقع السياسي التاريخي الذي حمل آنذاك اليسار المغربي إلى المعارضة، وانتهى المسار برفاق الأمس الى التناوب والتوافق، الذي يعتبر نقطة تحول في الوجهة السياسية لليسار المغربي الذي اختار طريقا آخر غير خدمة الشعب ومعانقة همومه وتبني قضاياه الحقيقية، والتي يستحيل أن تجد لها حلا اجتماعيا واقتصاديا دون البوابة السياسية التي كان مناضلو الأمس يقرعون بابها ليل نهار من أجل التغيير الدستوري قبل أن تحط بهم الرحلة بالعهد الجديد الذي تنفسوا فيه حرية الرفاهية والغنى المالي والاستوزار وحلاوة الكراسي إلى الحد الذي جعلهم يدافعون على الدستور أكثر من الملكية نفسها وذلك لما أحس الجسم اليساري “المناضل” بالترهل والانهيار الشامل من جراء فقدان القواعد والإطارات الموازية التي كانت بمثابة ذرعه الواقي والسند الجماهيري الضاغط في كل المحطات، وهي نتيجة طبيعية للاختيار والطريق السيار الذي سار فيه نحو المخزنة الجديدة. في مقابل ذلك استطاع النظام السياسي المغربي أن يستدرج جزءا من إسلاميي المملكة الشريفة إلى مربع لعبته العجيبة، ويقنعهم بالمشاركة في العبث السياسي من أجل تبييض واجهة منقوضة مرضوضة، وبين الضفتين ظلت الأحزاب الإدارية التي اصطنعها المخزن على عينيه تركض ذات اليمين وذات الشمال وتلعب دور المهرج/ المنشط للحركة السياسية الصورية بالمغرب، ليظل المخزن طيلة خمسة عقود من الزمن هو المحتكر للسياسة بالمغرب والصانع المبتكر لخطوطها ومجالات حركتها وسقف مطالبها والمتحكم في مسارها.

وقد عاش ملايين المغاربة على آمال العهد الجديد ووعود ملكه الشاب، إلى أن حل الخريف السياسي، بعد ربيع التناوب التوافقي وما صحبه من آماني معسولة وإشارات سامية، مرورا بصيف ساخن بالأسعار الصاروخية التي بشرت بها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية! وهما فصلان متميزان قبل حلول الخريف، وللإشارة فخلا لهما كانت الأحزاب السياسية والحكومة يقضيان عطل الاستجمام والفرجة الممتعة لأن اللجن المشكل في كل مكان كانت تقوم بالإنجازات والمشاريع التنموية الضخمة تحت الرعاية السامية.

حل الخريف السياسي بعواصفه ورعده وبرقه، فبعد عاصفة 7 شتنبر 2007 التي كشفت عن وجه الديمقراطية المغربية التي أفرزت مؤسسات لا تمثل الشعب الذي قاطع مهزلة الانتخابات، اهتز الكيان المغربي على واقعة الوزير الأول المعين احتراما للمنهجية الديمقراطية التي جاءت بمن اقترن اسمه بفضيحة النجاة إلى الواجهة، لينطلق مسلسل تشكيل الحكومة الجديدة بدون جديد، اللهم ما ستواجهه من أعاصير اجتماعية واقتصادية وطوفان الحركات الاحتجاجية المطالبة بالشغل والمنددة بغلاء الأسعاروهي سمة طبيعة لكل خريف.

من الشك اليقين أن المخزن المغربي معني بشكل كبير بمؤشرات السياسة بالمغرب والتقارير التي يتوفر عليها تدفعه إلى التفكير العميق في الأزمة السياسية المغربية، مما يجعله يفكر بجدية في سؤال الإصلاح والتغيير..

فمن السابق لأوانه التخمين بتقدمية النظام المغربي على الأحزاب السياسية التي سيلقنها درسا في الديمقراطية بالإعلان عن الإصلاحات الجوهرية في بنية النظام ككل من أجل الاستمرار، مما يفرض تعديلا دستوريا سيجد له المخزن مبررا واقعيا في ارتباط الموضوع بملف الحكم الذاتي بالصحراء وهو ماستكشفه الأيام القابلة، الشيء الذي سيؤهل النسق المركزي الحاكم إلى مزيد من الممارسة السياسية الرشيدة ردحا من الزمن كما فكر وقدر، وذلك بالتنفيس على الشعب المغربي المقهور بطريقته الخاصة، وفي نفس الوقت بقطع الطريق على التيارات السياسية المعارضة له وفي مقدمتها العدل والإحسان، لكن الحقيقة التي ستعرفها الأيام المقبلة لا يعرف حقيقتها إلا الله، واليقين أن كل خطوة من الخطوات وكل فعل مستقبلي سيخدم التوجه نحو الفتح والتمكين للفقراء والمستضعفين كما وعد رب العالمين “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض..”.