القسم الثاني: الشواهد الناقصة

ثالثا: شاهد معاذ وأبي عبيدة رضي الله عنهما:

وقد روي عنهما، أو عن أحدهما من طرق:

الطريق الأول:

قال الدارمي في السنن2/155: أخبرنا مروان بن محمد ثنا يحيى بن حمزة حدثني أبو وهب عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يستحل فيها الخمر والحرير. قال أبو محمد: سئل عن أعفر فقال: يشبهه بالتراب، وليس فيه خير.

ورواه البزار في مسنده4/108 والخطابي في الغريب1/249 بإسنادين آخرين عن يحيى بن حمزة.

وهذا الطريق حسنه الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء ص10.

وهو كما قال، فرجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أبو وهب وهو عبيد الله بن عبيد الكلاعي، وهو “صدوق” كما في تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر ص373.

الطريق الثاني:

عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ وأبي عبيدة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، يرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عز وجل.

أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ص31، والطبراني في المعجم الكبير1/156 و20/53، والبزار في المسند4/109، وأبو يعلى في المسند2/177، وابن قانع في معجم الصحابة2/234، والبيهقي في السنن8/159 وشعب الإيمان5/16، وأبو عمرو الداني في لسنن الواردة في الفتن3/699، وابن البر في التمهيد14/245، وابن عساكر في تاريخ دمشق66/102، والحافظ ابن حجر في الأربعين المتباينة السماع ص28، كلهم من طرق كثيرة، عن ليث بن أبي سليم به.

قال الحافظ ابن كثير في البداية8/20: إسناده جيد.

وحسنه ابن حجر في الأربعين.

وكذلك فعل الألباني في التعليق على سنة ابن أبي عاصم.

قلت: هو حسن لغيره، فليث بن أبي سليم فيه ضعف، وباقي رواته ثقات.

الطريق الثالث:

قال الطبراني في المعجم الكبير1/157: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا فردوس الأشعري ثنا مسعود بن سليمان عن حبيب بن أبي ثابت عن رجل من قريش عن أبي ثعلبة قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ادفعني إلى رجل حسن التعليم. فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم قال: قد دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك. فأتيت أبا عبيدة بن الجراح، وهو وبشير بن سعد أبو النعمان بن بشير يتحدثان، فلما رأياني سكتا فقلت: يا أبا عبيدة، والله ما هكذا حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال: إنك جئت ونحن نتحدث حديثا سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجلس حتى نحدثك. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيكم النبوة، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكا وجبرية.

هذا طريق ضعيف: فيه راوه مجهول الحال هو مسعود بن سليمان، وشيخ حبيب بن أبي ثابت مبهم.

وله وجه آخر من طريق حبيب موقوفا:

قال نعيم بن حماد في الفتن1/100: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت أن أبا عبيدة وبشير بن سعيد أبا النعمان تذاكرا فقالا: تكون نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا وجبرية وفساد، يستحلون الفروج ويشربون الخمور ويلبسون الحرير، وهم مع ذلك ينصرون ويرزقون.

ورجال هذا الإسناد ثقات رجال الصحيحين، لكن هشيم بن بشير شيخ نعيم بن حماد، مدلس من الطبقة الثالثة، وأصحابها مختلف في تصحيح مروياتهم إذا لم يصرحوا بالسماع.

وحبيب بن أبي ثابت لم يدرك أبا عبيدة ولا بشير بن سعد، والطريق المتقدم يثبت أنه يرويه عن رجل عن أبي ثعلبة.

وبالوجهين يصير حسنا ولا بد.

الطريق الرابع:

قال نعيم بن حماد في الفتن1/98: حدثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، وقال أحدهما عاض وفيه رحمة، ثم جبروت صلعاء ليس لأحد فيها متعلق، تذبح فيها الرقاب، وتقطع فيها الأيدي والأرجل، وتؤخذ فيها الأموال.

قلت:

روات هذا الطريق أئمة ثقات.

لكن عبد الرحمن بن جبير لم يدرك أبا عبيدة، فهو منقطع.

فيكون متنه حسنا لغيره، أي بالمتابعات والشواهد.

الطريق الخامس:

قال نعيم بن حماد1/98: حدثنا يحيى بن سعيد العطار عن أيوب عن قتادة عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، ثم تصير جبرية وعبثا.

وهذا الطريق فيه يحيى العطار أبو زكريا الأنصاري الحمصي وأيوب بن خوط، وهما ضعيفان.

رابعا: شاهد أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه:

قال الطبراني في المعجم الكبير22/223: حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن مكحول عن أبي ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن دينكم نبوة ورحمة ثم خلافة ورحمة ثم ملكا وجبرية ثم ملكا عضوضا يستحل فيه الحر والحرير.

شيخ الطبراني بكر بن سهل الدمياطي فيه لين، وسائر رجاله ثقات.

فهذا الطريق لين بنفسه، حسن بالذي بعده:

ففي مسند الشاميين للطبراني2/293: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد ثنا هشام بن عمار ثنا يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن محكول عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك وجبرية، يستحل فيها الحر والحرير.

وهذا ضعيف بهشام بن عمار.

ومجموع الطريقين يلزم منه تحسين حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه.

خامسا: شاهد ابن عباس رضي الله عنه:

قال الطبراني في المعجم الكبير11/88: حدثنا أحمد بن النضر العسكري ثنا سعيد بن حفص النفيلي ثنا موسى بن أعين عن ابن شهاب عن فطر بن خليفة عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليها تكادم الحمر، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان.

قال الهيثمي في المجمع5/190: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

قلت: هذا إسناد صحيح، ورجاله كما قال الهيثمي.

وقوله: “ثم يكون إمارة ورحمة”، لعله إشارة إلى تعدد الإمارات الإسلامية بعد ضعف الدولة العباسية وزوالها.

وجملة: “ثم يتكادمون عليها تكادم الحمر” أمارة على مرحلة الملك الجبري بدليل شاهد عمر الفاروق الآتي.

سادسا: شاهد عمر رضي الله عنه:

قال نعيم بن حماد في الفتن1/99: حدثنا الحكم بن نافع البهراني أخبرنا سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة أبي شجرة الحضرمي عن ابن عمر قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إن الله بدأ هذا الأمر يوم بدأه نبوة ورحمة، ثم يعود خلافة ورحمة، ثم يعود إلى سلطان ورحمة، ثم يعود ملكا ورحمة، ثم جبروة صلعاء يتكادمون عليها تكادم الحمير.

قلت: رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا سعيد بن سنان فمضعف، وصحح له الحاكم في المستدرك.

وهذا يعني أنه لين فقط، حسن الحديث في المتابعات والشواهد.

وقد ورد من طريق آخر:

فقال الحاكم في المستدرك4/520: أخبرني الحسن بن حكيم المروزي ثنا أحمد بن إبراهيم الشذوري ثنا سعيد بن هبيرة ثنا إسماعيل بن عياش ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يحدث عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: إن الله بدأ هذا الأمر حين بدأ بنبوة ورحمة، ثم يعود إلى خلافة، ثم يعود إلى سلطان ورحمة، ثم يعود ملكا ورحمة، ثم يعود جبرية تكادمون تكادم الحمير، أيها الناس، عليكم بالغزو والجهاد ما كان حلوا خضرا، قبل أن يكون مرا عسرا، ويكون تماما قبل أن يكون رماما أو يكون حطاما، فإذا أشاطت المغازي وأكلت الغنائم واستحل الحرام، فعليكم بالرباط فإنه خير جهادكم.

وهذا الطريق ضعيف بسعيد بن هبيرة وعبد العزيز بن عبد الله فإنهما ضعيفان.

أما إسماعيل بن عياش فيروي هنا عن شامي مثله، وهو ثقة في الشاميين.

وبهذين الطريقين يثبت الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن ضعفهما ليس شديدا.

سابعـا: شاهد أنس بن مالك رضي الله عنه:

قال أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن4/824: حدثنا ابن عفان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا أبي قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن أنس قال: إنها نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك عضوض، ثم جبرية، ثم طواغيت.

قلت: رجال هذا السند أئمة حفاظ ثقات، وشمر بن عطية لا يذكرونه في التابعين، والحق أنه عراقي، عاصر أنس بن مالك رضي الله عنه الذي دخل العراق، فالعنعنة محمولة على السماع على مذهب مسلم بن الحجاج وجماهير المحدثين، لأن شمر بن عطية ثقة وغير مدلس.

فهذا السند حسن على الأقل.

وله طريق آخر يزيده قوة:

قال ابن أبي شيبة في مصنفه6/187: حدثنا أبو أسامة عن زائدة عن الأعمش عن شمر عن أنس قال: إنها ستكون ملوك، ثم الجبابرة، ثم الطواغيت.

قلت: هذا إسناد في غاية الصحة، رجاله حفاظ أثبات ثقات، وحكمه الرفع وإن ورد موقوفا، فإن هذا الذي قاله أنس لا يدرك بالرأي.

والموقوف يقوي المرفوع ولا يعله عند المحدثين.

وما قاله الفاروق وأنس بن مالك رضي الله عنهما حكمه الرفع، لأنه لا يقال بالرأي، والصحابة كثيرا ما يقولون كلاما سمعوه من المعصوم صلى الله عليه وسلم لأنهم يؤمنون به ويعتقدونه.

ودليل ذلك تشابه ما قاله سيدنا الفاروق مع شاهد ابن عباس المرفوع.

وأزيدك أيها القارئ الكريم فأقول:

إن مراحل عمر الأمة، بشرت بها الكتب السماوية المتقدمة، تشريفا لهذه الأمة واهتبالا بها.

فكما أن التوراة والإنجيل يتضمنان كثيرا من الأخبار المتعلقة بآخر الزمان، والتي تضمنها القرآن والسنة، فإنهما اشتملا على بيان مراحل أمتنا، ولعل ذلك من أوجه التدليل على صحة دينها.

فإذا وجد أهل الكتاب المعاصرون واللاحقون، في كتبهم المقدسة، أن أمة تمر بمراحل مفصلة، ثم وجدوها تنطبق على أمة الإسلام، سارع عقلاؤها إلى الإسلام.

واعلم أن الاستئناس بأخبار أهل الكتاب مأذون فيه بقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”، وهو حديث صحيح.

فهاك ما يعضد سنة نبيك من الكتب المقدسة:

ثامنا: شاهد كعب الأحبار:

قال نعيم بن حماد في الفتن1/99: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: سمعت كعبا يقول: أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم سلطان ورحمة، ثم ملك وجبرية، فإذا كان ذلك كذلك، فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها.

ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء6/25 من طريق نعيم بن حماد.

قلت: رجال السند كلهم ثقات من رجال التهذيب.

لكن يحيى السيباني لم يلق كعب الأحبار، فالسند منقطع.

ومع ذلك، فله طريق آخر يقويه:

قال نعيم في الفتن1/101: حدثنا محمد بن يزيد وهشيم عن العوام بن حوشب قال: أخبرني شيخ من بني أسد في أرض الروم، عن رجل من قومه شهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أصحابه، وفيهم طلحة والزبير وسلمان وكعب، فقال: إني سائلكم عن شيء، وإياكم أن تكذبوني فتهلكوني وتهلكوا أنفسكم، أنشدكم بالله ماذا تجدوني في كتبكم، أخليفة أنا أم ملك؟ فقال طلحة والزبير: إنك لتسألنا عن أمر ما نعرفه، ما ندري ما الخليفة؟ ولست بملك. فقال عمر: إن يقل فقد كنت تدخل فتجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال سلمان: وذلك أنك تعدل في الرعية، وتقسم بينهم بالسوية، وتشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، وتقضي بكتاب الله.

فقال كعب: ما كنت أحسب أن في المجلس أحدا يعرف الخليفة من الملك غيري! ولكن الله ملأ سلمان حكما وعلما. ثم قال كعب: أشهد أنك خليفة، ولست بملك. فقال له عمر: وكيف ذاك؟ قال: أجدك في كتاب الله! قال عمر: تجدني باسمي! قال كعب: لا، ولكن بنعتك أجد نبوة، ثم خلافة ورحمة على منهاج نبوة، ثم ملكا عضوضا. وقال هشيم: وجبرية وملكا عضوضا.

فقال عمر: ما أبالي إذا جاوز ذلك رأسي.

وهو في كنز العمال برقم35805.

ورجاله ثقات، لكن فيه رجلان مبهمان، فهو ضعيف.

وبالطريقين يصير أثر كعب حسنا.

ويزيده قوة هذا الأثر الصحيح:

قال نعيم بن حماد في الفتن1/103: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أتاه رجل من أهل الكتاب فقال: السلام عليك يا ملك العرب! فقال عمر: وهكذا تجدونه في كتابكم! ألستم تجدون النبي، ثم الخليفة، ثم أمير المؤمنين، ثم الملوك بعد؟ فقال: بلى بلى.

إسناده صحيح جدا، رواته أئمة ثقات من رجال الصحيح.

وهذا الأثر دليل على أن سيدنا الفاروق كان يصدق ما أخبره به كعب الأحبار، فإنه رضي الله عنه إنما أخذ ما قاله للرجل الكتابي عن كعب الذي كان من كبار علماء اليهود، وأدرك فترة النبوة، ثم أسلم في خلافة الفاروق، وكان يقربه ويعظمه ويسأله.

وقوله: “أمير المومنين” يشمل خلافة عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يلقبون بذلك، أما سيدنا أبو بكر الصديق، فكانوا يسمونه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الخلاصـات:

أولا: لقد روى حديث الخلافة جماعة من الصحابة، وتعددت طرقه إلى أكثر من خمسة عشر طريقا.

فهو متواتر على مذهب طائفة من الأئمة، والمتواتر قطعي الثبوت عند الجميع.

ثانيا: طرق حديث الخلافة فيها الصحيح والحسن والضعيف، وما كان كذلك، كان صحيحا بالإجماع.

ثالثا: لقد حسّن الحافظان ابن كثير وابن حجر أحد طرق حديث الخلافة، وحسن الحافظ السيوطي طريقا آخر، وحسن الألباني والأرنؤوط غيرهما.

ومن المعلوم أن الحديث إذا كان له طريقان حسنين، يترقى إلى درجة الصحة.

رابعا: من القواعد المقررة عند أهل الحديث وغيرهم، أن الحديث الضعيف يصير حسنا إذا كان له طريقان فقط، ثم يتقوى إلى الصحة إذا تعددت طرقه ومخارجه.

فلو فرضنا أن كل طريق من طرق حديث الخلافة لا يخلو من ضعف، فإن المصير إلى تصحيحه واجب تقتضيه القواعد العلمية، فقد جاوزت طرقه حدا لا يبقي مجالا لتضعيفه.

فكيف وله طرق صحيحة وحسنة!

خامسا: لقد اختلفت ألفاظ روايات الحديث، واتفقت على بيان كبرى مراحل عمر الأمة، وهذا يعني تعدد المناسبات والمجالس التي قاله فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنه كان بين الفينة والأخرى يبشر بالحديث مع تغيير الأساليب والمفردات.

ومثل هذا ملاحظ على جمهرة الأحاديث، وهو أمر مألوف عند المشتغلين بالسنة.

وبعد هذا البيان، الذي ننتهي به إلى القطع بصحة الحديث لاعتبارت متعددة، ننظر في كلمات المضعفين للحديث.

سادسا: التبشير بمرحلة الخلافة الثانية ورد في حديث حذيفة وأبي جابر الصدفي وسهل بن أبي حتمة، ولم يذكر في الشواهد الأخرى، وهذا راجع إلى نسيان بعض الرواة، أو اقتصارهم على رواية ما احتاجوه في مجلس من مجالس المذاكرة.

ومن المقرر في علوم الحديث أن زيادة الثقة حجة مقبولة، والذين زادوا ذكر المرحلة الخامسة صحابة ثقات، وفيهم حذيفة بن اليمان المتخصص في أحاديث الفتن، وإسناد حديثه أصح طرق الحديث، فروايته أضبط وأتم.

ثم إن الخلافة الثانية منصوص عليها بأدلة أخرى، أفردنا لها كتابا مستقلا، فنسأل الله تيسير إخراجه.

وأذكر منها الأحاديث المبشرة بالمهدي المنتظر رضي الله عنه، والتبشير به متواتر، ومن المعلوم أنه سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا، أي أنه سيكون حاكما يوحد الأمة، ثم يقيم العدل على مستوى العالم، وذلك عين الخلافة ولبها.

فمن كان متخوفا من تصحيح حديث الخلافة، لأنه يجره إلى المشاكسات مع الأنظمة الحاكمة، لما يقتضي تصحيحه من القول بتجدد الخلافة، وذلك مما يسخط الحكام ويغضبهم، فما قوله في المهدي عليه السلام؟ أهو خليفة أم ماذا؟