تنشر جريدة التجديد في ثلاث حلقات حوارا مع الدكتور عبد العالي مجدوب يحكي فيه تفاصيل المسار الدعوي للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، وفيما يلي الحلقة الأولى.

* الأستاذ عبد العالي مجدوب هل يمكن أن تحدثنا عن البدايات الأولى للأستاذ عبد السلام ياسين؟

** ولد الأستاذ عبد السلام ياسين بمراكش سنة 1347هـ(1928م)، من أب بربري ينتسب إلى أسرة عريقة من الأشراف الأدارسة تُدعى “آيت بهي”، أصلهم من سوس من منطقة تُسمى” أولوز. وممن اشتهروا من العائلة “عبد الله ولد بهي”، الذي يُروى أنه كانت له الرياسة على اثنتي عشرة قبيلة، وقد قتل في عهد السلطان العلوي محمد بن عبد الرحمن بتهمة السعي لتأسيس دولة في الجنوب. وقد عاشت هذه هذه العائلة، بعد مقتل ولد بهي، تحت وطأة القمع والتضييق والملاحقات. وكان والد الأستاذ ياسين، واسمه محمد بن عبد السلام، معدودا في فرسان قبيلته “آيت زلطن”، فبلغه ذات يوم أن القائد يريد به شرا فغادر بلدته “حاحة”، وبعد زمان استقر بمراكش عاملا بسيطا ببلدية المدينة، وتزوج على كبر بإحدى بنات عمومته، فرزقا ابنهما الوحيد عبد السلام. وقد عرف ياسين الطفل خطواته التعليمية الأولى في مدرسة بحي الرميلة كان أسسها العلامة محمد المختار السوسي، رحمه الله، وكان فيها أساتذة يمتازون بروح وطنية عالية وغيرة على اللغة العربية والعلوم الشرعية، (ذكر أسماء بعضهم السيد علي سقراط، وهو ممن صاحبوا عبد السلام ياسين منذ الصغر، في مذكرات غير منشورة كتبها عن سيرة الأستاذ ياسين). ولا يزال الأستاذ ياسين يذكر فضل هؤلاء الأساتذة عليه، ويذكر أنهم كانوا من أوقد فيه حب العربية والإسلام.

وقد امتاز الطفل عبد السلام في هذه المرحلة بنبوغ كبير، حسب ما يحكي علي سقراط، وكان سريع الحفظ والاستيعاب؛ فقد حفظ القرآن الكريم وأتقن أصول اللغة العربية وكان يقرض الشعر وهو ابن الثانية عشرة. وقد كان لي لقاء مع العلامة اللغوي أحمد الشرقاوي إقبال، رحمه الله، وكان صديقا للأستاذ عبد السلام ياسين، فقال لي: كان عبد السلام ياسين ناثرا أكثر منه شاعرا، فقد كنت أشْعُره أي أغلبه في الشعر، قالها وهو يضحك، وقد كانت بين الرجلين في أيام الشباب مراسلات وإخوانيات بالاصطلاح الأدبي.

وهل استمر على نفس الوتيرة في تعليمه الثانوي؟ أم أن هذه المرحلة عرفت جديدا في حياته؟

* ما ميز هذه المرحلة هو نبوغه في التحصيل الدراسي، فقد التحق بمعهد ابن يوسف، وكانت العادة أن يمتحن التلاميذ قبل الدخول لتحديد مستوياتهم، واستطاع عبد السلام ياسين، بعد هذا الامتحان، أن يربح ثلاث سنوات ويلتحق مباشرة بالمرحلة الثانوية. وفي سنة (1947)، وبعد حوالي أربع سنوات في المعهد الديني، التحق الشاب عبد السلام، وعمره تسع عشرة سنة، بمدرسة تكوين المعلمين بالرباط، وتخرّج منها، بعد سنة، محتلا المرتبة الثالثة. وكان الطالب عبد السلام قبلها صاحب المرتبة الأولى في قسمه، إلا أنه في السنة التي قضاها بقسم التكوين كان منصرفا إلى تعلم اللغات مما أحدث تغييرا في هذه القاعدة . وفي هذه السنة توفي أبوه، رحمه الله، فانتقل الشاب ياسين مع والدته إلى مدينة الجديدة حيث عُين معلما بالابتدائي. وقد توفيت والدته، رحمها الله، في بيت وحيدها الأستاذ ياسين بسلا سنة 1987.

ألم يكن لأساتذة ابن يوسف أي تأثير على مساره الحركي والعلمي؟

يحكي الأستاذ أنه لم يكن يجد في نفسه رغبة كبيرة في الإقبال على ما يلقيه الأساتذة في ابن يوسف من دروس، لأن مقررات المعهد لم تكن تتميز كثيرا عما حصّله الطفل عبد السلام في مدرسة حي الرميلة على يد تلامذة المختار السوسي، ولهذا مالت نفسه إلى تعلم اللغات الأجنبية، خاصة اللغة الفرنسية، ودخل هذه التجربة من باب العصامية، كما يحكي، لأنه لم يتبع فيها تعليما نظاميا رسميا، بل أتقن من هذه اللغات ما أتقن بالاعتماد على النفس.

كيف يتيسر له ذلك؟

كان يتخذ له واسطة الأصدقاء والمعارف الذين يدرسون في أقسام اللغة الفرنسية، فيأتون إليه ويأخذ عنهم ويحفظ منهم ويستفيد من كتبهم وكراريسهم حتى استطاع أن يحصل أصول اللغة الفرنسية، ومنها انطلق إلى تعلم لغات أخرى كاللغة الإنجليزية.

الملاحظ أن الأستاذ عبد السلام ياسين تقلب في مناصب متعددة في التعليم، لكن مساره المهني قد توقف بدخول سنة 1967، ما تفسير ذلك؟.

لقد ترقى الأستاذ ياسين في سلم الوظيفة، طيلة عشرين سنة، من معلم إلى مفتش، فمدير لمدرسة المعلمين، فمفتش للتعليم الثانوي، فمدير لمركز تكوين المفتشين، حتى أصبح خبيرا في شؤون التربية والتعليم يمثل وزارة التعليم في عدة مناسبات إقليمية ودولية. وكان توقفه عن العمل في سنة 1967.

هل كان ذلك بسبب تجربته الصوفية التي حكاها في كتابه “الإسلام بين الدعوة والدولة”؟

** قبل سنة 1964 لم يكن له أية تجربة يمكن لنا أن نربطها بالتجربة الذاتية أو الشخصية، بل كان عنوان المرحلة هو الإصرار على التحصيل الدراسي والتفوق العلمي. وفي سنة 1965 عاش الرجل تجربة روحية نقلته من حال إلى حال، وكانت سببا في تغير مسار حياته.

لكنك لم تحك أسباب المخاض الذي جعله يخوض تجربته الروحية؟

** للأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب” الإسلام بين الدعوة والدولة” وفي رسالة “رسالة الإسلام أو الطوفان” الشهيرة، التي كتبها للملك الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، ناصحا ومبشرا ومنذرا، كلام طويل في الموضوع؛ فقد تحدث عن هذه التجربة في هذين المرجعين، وأيضا في بعض أجزاء كتاب الإحسان(الجزء الأول)، وفي مناسبات أخرى. ويحضرني هنا لقاء مطول، وربما كان هذا من أطول اللقاءات التي تحدث فيها الأستاذ عبد السلام ياسين، في لقاء صحفي، عن تجربته مع الصحفي الفرنسي “فرانسوا بورجا” في أكتوبر من سنة 1987، وقد نشر بورجا هذا الاستجواب في كتابه

(Lislamisme au Maghreb-La voix du sud) “الإسلامية في المغرب العربي. صوت الجنوب.” وقد تُرجم هذا الكتاب إلى العربية. وملخص هذه التجربة الروحية أن الرجل أحس فجأة أنه يعيش إسلاما باردا وهادئا، ويعيش حياة عادية. وفي هذه الفترة أحس الأستاذ عبد السلام ياسين أن فراغا ثقيلا يطبع حياته، وأن كل ما يقوم به أصبح فاقدا للمعنى، بما في ذلك صلاته وصيامه وقراءاته بل عيشه كله. أحس الرجل وكأن الأمر قد هجم عليه هجوما، واستبدت به حالة نفسية غريبة، فانتقل الرجل من حال إلى حال، وأصبح الناس الذين يعرفونه ينكرون منه أشياء، حتى ذهب بعضهم إلى أن الرجل قد خرف، ومنهم من قال إن الرجل قد حمق. بعبارة أخرى، لقد أصبح الرجل مهموما من الداخل، فأصبحت الأسئلة تتساقط على رأسه ثقيلة، أسئلة الوجود والمصير والموت وسؤال الجدوى من الحياة، والمعنى في الوجود، واستبد به الهم فجعل يطرق الأبواب لعله يجد جوابا لما ألم به من حالة نفسية؛ يحكي الأستاذ ياسين أنه قرأ كتب الفلسفة والفكر، فضلا عن كتب الصوفية، بل وصل به الأمر إلى البحث في “اليوغا” وفي الثقافات الأخرى الخارجة عن المنظومة المعرفية الإسلامية، فانتهى به الحال، بعد هذا التشعب في القراءة والبحث، إلا أنه وجد أن القوم (يقصد الصوفية) متفقون على أن من كانت هذه هي حاله، فهو يحتاج إلى شيخ يأخذ بيده ويوجهه ويرشده.

وبدأت رحلة البحث عن الشيخ؟

نعم. وبدأ ياسين يسأل: من المرشد الذي سيأخذ بيدي وأنا على هذه الحال؟ وظل هذا السؤال المركزي يرافقه من غير أن يجد له جوابا. وفجأة، جاءه الخلاص، فانكشف الغم والهم وبانت معالم الطريق.

كيف تم ذلك؟ هل وجد الشيخ؟

صلى يوما في مسجد بالرباط، فإذا برجل ينادي بعد الصلاة يدعو الناس إلى شيخ مرب؛ كتب الأستاذ ياسين عن هذا اللقاء في “الإسلام بين الدعوة والدولة” قائلا: “حتى إذا أراد الله أن يتم علي نعمته لقيت علي غير ميعاد رجلا لم أكن أعرفه، نطق من دون أن أستنطقه، وأخبرني بأن ما كنت أطلبه موجود، وأن الشيخ المربي في البلاد على قيد أنملة ممن كان يائسا من وجود شادلي أو جيلي في عصره”.

هكذا، حتى دون أن يعلم من الشيخ وما هي مؤهلاته العلمية والروحية؟

استجاب الرجل دون أن يسأل عن شيء من ذلك، وصدق الرجل واستجاب له قلبه من الداخل.

متى كان ذلك تحديدا؟

في سنة 1965

وتوجه إلى الزاوية البوتشيشية؟

انتهى به السفر إلى الشيخ الحاج العباس القادري، ولازمه بوجدة، فوجد عنده مبتغاه؛ يقول الأستاذ ياسين عن صحبته للشيخ العباس، رحمه الله، وعن آثار هذه الصحبة في حياته الروحية، في سياق نصحه للعلماء في رسالة “الإسلام أو الطوفان: ” … ولقيت رجلا طيب الله ثراه، أجلسني بين جماعة من المسلمين، فيهم الصانع والعاطل. أجلسني بين جماعة من المساكين، وكنت من سكان الفيلات وأمراء الإدارات، وذكرت الله مع المساكين، وذهبت الكبرياء، وما لبثت أن أذهب الله أيضا الشح، وكان ما لست أذكره هنا. ونمت نومة صوفية دامت ست سنوات، قرأت خلالها، بل أعدت قراءة القرآن الكريم، وقراءة السنة النبوية بقلب جديد، فكنت، ولا أزال، وأسأل الله أن يديم علي هذا الحال ويزيدني فيه قوة، أبكي إلى الله وأضرع في حال المسلمين، ثم أراجع نفسي، فأبكي على خطاياي، وأستغفره، فإذا أصبحت فكرت ودبرت، كيف العمل؟ وتألمت لما أرى من انصراف المسلمين عن حقهم، وتخاذلهم أمام باطل الذرية المرتدة…”. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في علاقته بهذا الشيخ المربي، ويذكر الأستاذ عبد السلام ياسين لهذا الرجل ولزاويته وأسرته فضلهم عليه، كما يذكر خدمته لشيخه في بيته وفي أسفاره التي كان يصحبه فيها، ودعوة الناس إليه، أينما حل وارتحل.

كم مكث مع الشيخ العباس من سنة؟

لازمه حتى موته.

وما هي الأسباب التي جعلته يغادر الزاوية بعد موت الشيخ العباس؟

غادر الزاوية بعد وفاة الشيخ العباس بمدة لا أضبط زمنها، والأستاذ نفسه لم يحدثنا عن زمنها بالتحديد، لكن بعد وفاة الشيخ العباس بدأ يتسرب نوع من الفتور إلى الزاوية، وبدأت تظهر بعض السلوكات التي كان ينكرها عبد السلام ياسين، مما اضطره، بعد يأس من الإصلاح، أن يغادرها.

متى غادر الزاوية؟

في تقديري، يمكن أن نؤرخ للانفصال الحقيقي برسالة” الإسلام أو الطوفان”؛ فهذه الرسالة كانت إعلانا عن نهاية مرحلة الانتماء للزاوية البوتشيشية، وبداية مرحلة جديدة. أما من الناحية العملية، فقد حصل الانقطاع سنة 1972، أي بعد وفاة الشيخ العباس، وقد كان الأستاذ ياسين يومئذ قد بلغ في تحرير كتابه “الإسلام بين الدعوة والدولة” ما يقارب النصف. وقد ذكر في هذا الكتاب ابن الشيخ العباس بخير كثير وبأوصاف ترد على الشائعات التي تقول بأن الأستاذ عبد السلام ياسين كان يريد خلافة الشيخ العباس، وأن سبب انقطاعه الحقيقي هو فشله في تولي رئاسة الزاوية بعد وفاة شيخه. وما ذكره الأستاذ ياسين في فضل الشيخ حمزة الابن وأنه رجل صادق لولا البطانة التي كانت تحيط به، فيه دليل على عدم صحة تلك الإشاعات وتلك القراءات.

إذا كنت تستبعد هذه القراءات، فما السبب الذي جعل عبد السلام ياسين يخرج من الزاوية البوتشيشية؟

يحكي الأستاذ ياسين معترفا بأن هؤلاء الناس كان لهم فضل عليه، وكانت نيته منعقدة على خدمة الابن كما خدم الأب من قبل، وكان الأستاذ ياسين ينفق كل ما يملكه في سبيل شيخه، وقد ذهب في الدعوة إليه كل مذهب، بل كان يسافر في صحبة شيخه معرفا به وداعيا ومحببا، في المغرب وخارجه. ومن الناس الذين طرق الأستاذ ياسين بابهم بهذه الدعوة الأستاذان محمد العلوي السليماني، وهو اليوم عضو في مجلس إرشاد الجماعة، وأحمد الملاخ، وغيرهما. لقد كان الأستاذ ياسين يسعى من أجل الانتقال بالزاوية من المفهوم التقليدي(اجتماع الناس، الأحوال، المواجد..)، والارتقاء بها إلى منهل الهدي النبوي الصافي وما سار عليه الصحابة الراشدون من بعد، وذلك بالالتزام بالأصول الشرعية وأداء الفرائض بآدابها ومقاصدها، وكانوا يلقبونه من فرط نصيحته لفقراء الزاوية ب”عبد السلام الشريعة”.

هل كان يريد أن يمارس الإصلاح من الداخل؟

نعم كان يريد ذلك، لكنه كان يريد للشيخ الابن أن يقوم بذلك. وقد كان الأستاذ ياسين يراقب ما دخل الزاوية من بدع ورقص وشطحات حتى إن بعضهم كان يغفل عن أداء الفريضة في وقتها، بل كثير منهم كان يغفل عن أداء صلاة الصبح في وقتها؛ فقد عايش الأستاذ ياسين هذه الانزلاقات، وكان يلاحظ هذه الاختلالات، وكان في نيته أن يقوم الابن بإصلاحها، لكن وجد نفسه في نهاية المطاف يواجه تيارا أقوى منه، فقد كانت الزاوية تتلقى الهدايا الرسمية المسمومة، وأصبح يرتادها رجالات لهم ثقل في الدولة. ولما تأكد له أن الإصلاح من الداخل مستحيل، وأن أي محاولة للإصلاح تعترضها عشرات العقبات فضل الابتعاد في هدوء.

ولكن الأستاذ ياسين لم يفصل الأمر بهذا الشكل في كتبه؟

لقد وقفت على رسالة كتبها الأستاذ ياسين في هذه الفترة بعنوان “جماعة الإرشاد”، وهي مخطوطة في إحدى وتسعين صفحة، وللأسف لا يعرف الناس عنها شيئا.

هل يمكن أن تكشف للقراء مضمونها؟

هي عرض لمشروع بناء “جماعة الإرشاد” من خلال تجربة الزاوية، وفيها تبيان لفضل الصحبة وفضل التربية وغير ذلك مما ذاق حلاوته في صحبة الشيخ العباس. كان يريد أن يكون البناء والتصحيح من الداخل بحيث يقوم البناء على أساس من الالتزام بالسنة، وأن يرتقي بالناس من البناء التربوي إلى المستوى الجهادي أي إلى مستوى الصحابة، رضوان الله عليهم، فقد كانوا مسلمين مؤمنين صوامين قوامين، وفي نفس الوقت كانوا مدافعين عن الحق مجاهدين لا يخافون في الله لومة لائم. كان الرجل يريد أن يجمع هذين المستويين التربوي والجهادي، ويجعلهما عنوانا لإصلاح الزاوية من الداخل. ويمكن اعتبار هذه الأفكار المبسوطة في هذه الوثيقة النواة الأولى لجماعة العدل والإحسان، بل يمكن اعتبار أن مفهوم العدل والإحسان بالشكل الذي تأصل في مراحل لاحقة كان ناضجا في فكر عبد السلام ياسين في مرحلة ما قبل أسرة الجماعة. ففي هذه المرحلة يمكن أن نتحدث عن تجربة رجل واحد، لكنه رجل كان يحمل معه نواة لجماعة ودعوة ستعرف فيما بعد باسم “جماعة العدل والإحسان”.

هل يمكن اعتبار فشل مشروع إصلاح الزاوية من الداخل هو الباعث لدى عبد السلام ياسين للتفكير في تأسيس جماعة؟

مع الاعتراضات التي واجهت مشروع الإصلاح الذي كان يحمله هذا الرجل، ومع المقاومة التي كان يبديها الفقراء في الزاوية لكل تحركاته تأكد الأستاذ ياسين أن الابن حمزة لا يستطيع أن يفعل شيئا مع أنه رجل خير وصلاح. كان يحس بالضعف يدب إليه، وأنه أعجز من أن يتصدى للاختلالات التي أصابت جسم الزاوية وروحها، ففضل أن ينسحب من غير صخب ولا ضوضاء. فضل أن ينسحب انسحابا هادئا، بعيدا عن التفسيرات التي يحاول البعض أن يقرأ بها هذا الانفصال. وكل من صاحب الأستاذ عبد السلام ياسين وعرفه عن قرب يعرف أن الرجل لم يكن يتطلع لأكثر من إصلاح الزاوية من الداخل، وأنه لم يكن يطمع في خلافة الحاج العباس، رحمه الله. وظهور الرجل برسالة “الإسلام أو الطوفان”، بعد ابتعاده عن الزاوية، دليل على أنه كان يحمل مشروعا، إذ لو لم يكن له مشروع لكان بقي مع الفقراء، فقد كانت له سمعة ووزن وسابقة، وكان قد أصبح رمزا من رموز الزاوية.

يتبع