إن الفتنة التي تعيشها الأمة في حالتها الراهنة، متعددة الأوجه مختلفة الألوان.

ولعل أمصبها وأشدها خطرا على الأمة، ما يمكن تسميته: “الفوضى العلمية”.

ومن مظاهرها أن يتصدى ناس، ليس لهم دراية بعلوم السنة، لتضعيف الأحاديث الصحيحة الراسخة في الثبوت!

وقديما قيل: من تكلم في غير فنّه، أتى بالعجائب!

وهكذا، طلع علينا أحد الدكاترة الجامعيين بكتاب تحت عنوان: “جماعة العدل والإحسان: قراءة في الخلفية الفكرية”!

تعرض فيه لحديث الخلافة، فسطّر كلاما يدل على أن صاحبه لا يدري قواعد الحديث، أو يدريها لكنه يضرب بها عرض الحائط، بدافع الخلاف مع جماعة العدل والإحسان أو شيء آخر لا نعلمه.

ثم جاء بعده الدكتور أحمد الريسوني، فقال كلاما غريبا بخصوص الحديث نفسه، وهو كلام لا يستقيم بميزان علوم الحديث، كما سنرى.

ولست هنا بصدد الدفاع عن الجماعة، ولكنني قصدت مناقشة كلام الدكتورين نقاشا علميا مؤسسا على القواعد العلمية المعروفة بين المشتغلين بفن الحديث.

وقبل عرض ما قاله الدكتوران، نورد الحديث محل الحوار، مع تخريجه على طريقة أهل الحديث.

فنقول بإذن الله وحوله:

حديث الخلافة هو ما رواه سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.

وهو حديث جليل القدر، نص العارفون بالحديث وعلومه على تصحيحه كما يأتي. وقد ورد عن حذيفة مرفوعا من طرق ثلاث، وهي:

الطريق الأول: طريق النعمان بن بشير:قال الإمام أحمد في مسنده4/273: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثني داود بن إبراهيم الواسطي حدثني حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كنا قعودا في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، كتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إنى أرجو أن يكون أمير المؤمنين، يعنى عمر، بعد الملك العاض والجبرية. فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه.

وهو في مسند الطيالسي ص58 مختصرا.

ورواه البزار في مسنده7/223 من طريق آخر صحيح عن داود بن إبراهيم.

وقد أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد5/188 وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان، والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط، ورجاله ثقات. اهـ

وهو كما قال رحمه الله:

فسليمان بن داود هو أبو داود الطيالسي الإمام الحافظ الثقة صاحب المسند.

ومتابعه عند البزار هو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي أبو محمد المقرىء النحوي، صدوق من رجال صحيح مسلم كما في تقريب الحافظ ابن حجر ص607.

وداود بن إبراهيم الواسطي ثقة كما قال الطيالسي وغيره، وانظر: التاريخ الكبير3/237 – الجرح والتعديل3/407  ثقات ابن حبان6/280.

وحبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير وكاتبه، ثقة من رجال مسلم في الأصول، راجع ترجمته في: تاريخ ابن معين للدوري3/351 – التاريخ الكبير2/318  الجرح والتعديل3/102  سؤالات أبي داود للآجري ص106 – كامل ابن عدي2/405  تهذيب الكمال5/374  ميزان الاعتدال2/163 – تهذيب ابن حجر2/161.

والنعمان بن بشير صحابي.

وليس في السند انقطاع فهو متصل، ولا وجود للعلة أو الشذوذ.

فالحديث صحيح كما تقتضي قواعد المحدثين.

ولذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة: الحديث الخامس، وحسنه الأرنؤوط في التعليق على مسند أحمد.

ويزداد هذا الطريق قوة وصحة بالطريقين والشواهد المذكورة بعده.

الطريق الثاني: طريق طارق بن شهاب:قال الطبراني في المعجم الأوسط6/345: حدثنا محمد بن جعفر بن أعين ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب ثنا العلاء بن المنهال الغنوي حدثني مهند القيسي، وكان ثقة، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم في نبوة ورحمة، وستكون خلافة ورحمة، ثم يكون كذا وكذا، ثم يكون ملكا عضوضا، يشربون الخمور ويلبسون الحرير، وفي ذلك ينصرون إلى أن تقوم الساعة.

ورواه الخطابي في غريب الحديث1/249 من وجه آخر عن زيد بن الحباب.

وهذا إسناد حسن:

فرجاله كلهم ثقات، إلا مهند بن هشام القيسي، فقد ورد توثيقه في السند، ووثقه ابن حبان [الثقات7/518]، ولم يرو عنه إلا زيد بن الحباب، فمثله مستور حسن الحديث.

وفي قوله: “يكون كذا وكذا”، إشارة إلى مرحلة الملك الجبري، وتقديمه على العاض من تصرف الرواة أو النساخ.

الطريق الثالث: طريق سعيد بن أبي هلال:قال الإمام نعيم بن حماد في كتاب الفتن1/98: حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا عضوضا، يشربون الخمور ويلبسون الحرير ويستحلون الفروج، وينصرون ويرزقون حتى يأتيهم أمر الله.

هذا الطريق ضعيف الإسناد، علته الانقطاع، فسعيد بن أبي هلال لم يدرك حذيفة بن اليمان.

أما رجاله فثقات كلهم، وعبد الله بن لهيعة وإن كان ضعيفا بسبب الاختلاط، فقد روى عنه هنا عبد الله بن وهب، وقد سمع منه قبل اختلاطه، فهذا من صحيح حديث ابن لهيعة.

فثبت بمجموع هذه الطرق، أن الحديث في غاية الصحة.

ولو فرضنا ضعف كل واحد منها منفردا، فالحديث الذي يرد من طريقين ضعيفين فأكثر، يصير حسنا لزاما.

ثم إن حذيفة رضي الله عنه لم يتفرد بالحديث، فله شواهد عن غيره من الصحابة، فازداد بها قوة وصحة.

وهذه الشواهد على قسمين: شواهد تامة تذكر جميع المراحل الواردة في رواية النعمان عن حذيفة، وشواهد ناقصة لا تذكر مرحلة الخلافة بعد الملك الجبري.

وها هي بين يديك:

القسم الأول: الشواهـد التامة

أولا: شاهد أبي جابر الصدفي رضي الله عنه:

عن أبي جابر الصدفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ثم يؤمر القحطاني، فو الذي بعثني بالحق، ما هو دونه.

رواه نعيم بن حماد في الفتن1/121 و383 و1/405، الطبراني في معجمه الكبير22/374، وأبو موسى في الكنى كما في الإصابة7/62، وابن عساكر في تاريخ دمشق14/282 و14/283 و61/195، وبعضهم يختصره.

وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل2/494 وابن عبد البر في الاستيعاب1/221.

وفي إسناد هذه الرواية ضعف خفيف، والقواعد تقتضي تحسينه، فإنه شاهد قوي وتام لحديث حذيفة بن اليمان، فإنه وافقه في ذكر المراحل الخمس.

والخلافة الثانية مشار إليها بقوله: ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ثم يؤمر القحطاني، فو الذي بعثني بالحق، ما هو دونه.

ثانيا: شاهد سهل بن أبي حتمة رضي الله عنه:

عن سهل بن أبي حتمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا وإن الخلفاء من بعدي أربعة، والخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم ملك، ثم جبرية وطواغيت، ثم عدل وقسط، ألا إن خير هذه الأمة أولها وآخرها.

خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي كما في الرياض النضرة1/256 للطبري.

والحاكمي هو الإمام المحدث الثقة الصالح رضي الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني الحاكمي الشافعي(1)، توفي سنة 590 هـ

وهذا الشاهد لم أقف على إسناده، فالله أعلم بحاله، أما متنه فثابت بغيره.

وقد تضمن جميع المراحل التي وردت في حديث حذيفة، بما في ذلك الخلافة الثانية، وهي المشار إليها بقوله: “ثم عدل وقسط”.

فهو شاهد تام.

—————————————–

(1) التقييد131  التدوين في أخبار قزوين2/144