القاعدة الثالثة: الفقه الجامع قاعدة إقامة المقاصد الدعوية وشرط الحفاظ عليها.ثالثا: الدلالة العملية (السلوكية) للقاعدة.

يمكن القول إن ظهور خطورة ما ترتب على غياب الفقه الجامع يحصل حين النظر إلى الدلالات العملية لهذا الغياب؛ سواء خلال الحياة الأولى من عصور المسلمين أو على تاريخهم أو ما تعيشه حياتهم العامة اليوم.

فإذا تم استحضار المعنى العام الذي حُدد سلفا لمعنى الفقه الجامع سنكتشف أن هناك ثلاثة مجالات محورية تعكس، في نفس الوقت، غياب الفقه الجامع وسيادة الفقه والفهم التجزيئيين.

المجال الأول: واقع جماعة المسلمين.

لقد سبق بيان معنى الجماعة وقيمته العلمية والعملية في توجيه الأحكام وبناء التصورات وإنجاز الطاعات الفردية والجماعية.

وما يهم هنا هو الإشارة إلى أن سيادة فهم خاطئ لمعنى الجماعة وعدم اعتبارها الاعتبار الكامل حين الحديث عن الأصول وتأثير ذلك في عملية الاستنباط الفقهي الخاص والعام من أهم مظاهر غياب الفقه الجامع، والمتجلي عمليا في عملية بناء جماعة المسلمين في الخطاب الدعوي المعاصر وفي حركة التنظيمات الإسلامية الدعوية.

ولذلك، فأهم تجليات سيادة الفقه الجامع رد الاعتبار لمفهوم الجماعة في إعادة بناء جسم الأمة من جميع الجهات وفي جميع المجالات، بحيث لايخل أي برنامج سياسي حركي وعملي يتوخى خدمة قضايا الأمة من سريان روح الجماعة، إذ هو الحصن الحصين لكيانها وروح أفعالها سواء فيما يتعلق بالعلاقات الداخلية أو العلاقات الخارجية.

فمن الأخطاء الفادحة القادحة أن يتحرك الدعاة والعاملون في حقل الدعوة وهم في غفلة من ضرورة التمييز بين الحزب السياسي ذي التوجه والمرجعية الإسلاميين وبين الجماعة التي تحتضن قضية الدعوة وتعيد بناء جميع مؤسسات المجتمع، بما فيها الدولة والحزب والمؤسسة المجتمعية، على قيم دعوية رسالية، بحيث كل مؤسسة تقوم بوظيفتها التخصصية بناء على مشروع دعوي متكامل وشامل ترعاه الجماعة وبمقتضاه تتم عملية إعادة بناء الأمة بناء كليا مصيريا. وهو ما يقتضي إعادة النظر في ضبط العلاقة بين الدعوة والدولة، وعلاقة ذلك بناء الجماعة وتنظيم المجتمع.

إن غياب الفقه الجامع جعل من كثير من العاملين في حقل الدعوة يشتغلون على بناء تنظيمات مغلقة وهم يعتقدون أنهم يبنون الجماعة، كما به يمكن تفسير الواقع التشرذمي للمجتمع الإسلامي المخترق من طرف تصورات غربية تسعى إلى بنائه وفق مرجعيتها في معنى المجتمع والإنسان ومعنى العلاقات بين هؤلاء.

ولذلك فحتمية إعادة الاعتبار لمعنى الجماعة من خلال فقه جامع سيفرض علينا البحث في قضية العلاقة بين الدعوة والدولة وما يتوخى من عملهما من بناء نظام كوني، وهو ما يدفع إلى الحديث عن المجال الثاني.

المجال الثاني: قضية الحكم وموقعها في حركة الأمة وقيمتها الإنسانية: نظام الخلافة أو (علاقة الدعوة والدولة من حيث بناء الحكم).

يعتبر هذا المجال من أهم المجالات العامة التي تجلت فيها آثار غياب الفقه الجامع.

فإذا تم الانقباض عن قضية الحكم من الناحية العلمية الموروثة، فإن الواقع المأساوي الذي عاشه المسلمون بعد ذهاب نظام الخلافة باكرا إنما يرجع إلى الصورة الواقعية التي أصبح عليها الحكم وترسخت على مر الأزمنة والعصور من خلال الحركة العلمية التي تجنبت الخوض في المسألة نقدا أو نقضا، في لحظة زمنية معينة، بناء على نظر مصلحي يتجلى في الحفاظ على وحدة جسم الأمة جغرافيا وعاطفيا.

إننا اليوم إزاء وضع دعوي محلي ودولي يفرض على المسلمين إعادة النظر في تصوراتهم لقضية الحكم وموقعها الطبيعي في مسيرة الأمة والإنسانية، وفي فهمهم لنظام الخلافة الذي جسدته التجربة الصحابية زمن الحكم الراشد، وعلاقة هذا النظام بحاجات الإنسانية المعذبة اليوم بفعل حضارة عولمية طاغية وفق تصورها لنظام العلاقات الدولية وللإنسان والكون.

ولاشك أن إعادة الاعتبار في بناء التصورات وتحديد المهمات ميدانيا في بناء الإنسان والدولة والمجتمع ونظام دولي بقيم إنسانية جديدة قاطعة مع كل صفات الظلم والتظالم والاعتداء والفساد والإفساد سيفتح آفاقا عظيمة للدرس الأصولي والمقاصدي ليغدق على الأمة والإنسانية روحا تجديدية في استنباط الأحكام وتنزيلها خلال عملية بنائية تجديدية متكاملة ومتئدة ومستمرة وفق وعي أصولي ومقاصدي يتنزل عبر منهج متزن ومتكامل وعملي.

إننا حين ندرك أن نظام الخلافة هو وسيلة إنسانية اقترحها الإسلام ليس لخدمته وخدمة معتنقيه بقدر ما صاغها ووضع أصولها وبين مضمونها لخدمة الإنسانية وفق تصور سليم عن الإنسان والكون والحياة والمصير لتحقيق قيم الحرية والكرامة والعدل حتى لايكون الإنسان إلا عبدا لله وحده لاشريك له، فقد قال تعالى: “وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون”& & ..

ومن هنا فإن نظام الخلافة أعظم من أن يتصوره الباحث موضوع صراع سياسي أو يختزله الغيور على الإسلام والغاضب على واقعهم في مفهوم الدولة الحديثة، لكنه دفاع عن قيم الإنسانية وحقها في العيش الكريم والهادئ الذي يضمن كل قيم الأمن والاستقرار والحرية والمسؤولية وفق نظام عالمي.

فمقاصد الأمن والاستقرار والاطمئنان من أعظم المقاصد الموجهة لحركة الدعوة في سيرها الكوني، كما هي من أعظم موجهاتها في صياغة برامجها الحركية السياسية عند سعيها للجواب عن سؤالات كل مرحلة من مراحل عملها وفي أي مكان من أمكنة وجودها وفي أي موقع تحتله خلال تدافعها مع خصومها وأعدائها.

لذلك فنحن في حاجة اليوم إلى تدقيق علاقة الدعوة بالدولة في سير الحركة الإسلامية سواء حين وجودها ضمن المعارضة أو حين مشاركتها أو تمكنها من الحكم وإدارة شؤون البلاد والعباد.

فنظام الخلافة يتميز عن غيره من الأنظمة بالقيم السامية التي يرعاها وتشكل مضمونها ولتحقيقها قيامها والحفاظ عليها وجد.

فالدعوة بما هي قضية ومؤسسة هي راعية هذه القيم وليس الدولة التي وجدت لتدبير القضايا اللحظية والمعرضة للإكراهات دوما. فحينما نسلم أن الدولة أداة كلية في لحظة ولابد من استمرارها نكتشف أن الدعوة من حيث هي مؤسسة وقضية يجب أن تسهر على وضوح القيم وضمان الوسائل الكلية للحفاظ عليها؛ سواء الوسائل البشرية أو العلمية أو العلومية أو المادية أو المؤساتية، أو غيرها، فنؤسس بهذا لنظام عالمي ترعاه مؤسسات دولية حقيقية ذات قيم نبيلة وإنسانية عظيمة، ولا ترعاه مطامح ومطامع دول كتب لها التفوق المادي والعسكري في لحظة ما من لحظات الضعف الإنساني.

ومن أساس هذا البناء بناء الفرد الصالح والقوي وفق فقه جامع يعطي أرضية إنسانية قيمية لرعاية القيم الكونية والإنسانية مع أمة قوية وعالمة بوظيفتها الرسالية الإنسانية العالمية الرحيمة.

لذلك لا تغفل الدعوة من حيث هي قضية ومؤسسة عن موقع الفرد في العملية كلها وعن ضرورة تدقيق العلاقة الوجودية والحركية بين أهداف الدولة ومقاصد الفرد وغايته.

وهو موضوع المجال الثالث.

المجال الثالث: الانفصام السلوكي بين مقاصد السلوك الفردي التعبدي وبين المقاصد الدعوية العامة: (علاقة الدعوة والدولة من حيث بناء الفرد).

قد لايفهم المراقب للواقع السياسي والاجتماعي المعيش الشرخ الحاصل اليوم بين منطق الدولة وخيارات الفرد، فيلتجئ إلى استيراد مناهج غير منسجمة مع طبيعة المجتمع ذي الأصول الإسلامية ليكلف نفسه عناء البحث عن العوامل الرئيسة فيه.

وهنا يحصل انحراف منهجي خطير؛ إذ عوض أن تكون هذه المناهج المستوردة عامل إغناء فرعي تصبح هي الأصل في تقييم وتقويم حركة مجتمعية ليست من أصولها ولا من فروعها، مما كرس واقع الانفصامات والتصدعات المتعددة داخل المجتمع الإسلامي اليوم، فكرا وممارسة حتى وصل الأمر إلى انفصام كلي وتصادم مخيف بين منطق الدولة وإرادة الفرد.

إن لكل مجتمع أصوله الكلية وما يتفرع عنها من فروع تابعة لها؛ بها يُقوم حركته وينظر إلى ماضيه وينسج معالم مستقبله ما لم تحدث حركة تاريخية كلية تختار من خلالها الأمة عبر اقتناع حر أصولا أخرى غير الأصول التي تبنتها من قبل.

ولذلك، فغياب ضبط دلالات علاقة الدعوة والدولة في مجال الحياة الفردية في المجتمع الإسلامي شكل عامل إخفاق في عدم معرفة العوامل الرئيسة في عدم الانسجام بين منطق الدولة وإرادة الفرد في مجتمعنا، خاصة أننا نلحظ كيف تسربت الدولة الحديثة إلى أدق تفاصيل الحياة الفردية، مما شكل، حتما، تعارضا وصداما بين إرادتين مختلفتين. وهو ما سينعكس على حركية المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها، التي قد تؤدي في لحظات تاريخية معينة إلى تصادم كلي أو انهيار شامل مع تشبث الدولة بخيار الاستبداد في فرض مضامين حركتها.

إن الدلالة السلوكية العملية لقاعدتنا الثالثة هو انجماع كلي حول الحوافز الجامعة بين إرادة أهم مؤسسة سياسية في المجتمع، وهي الدولة وما يتبعها من مؤسسات، وبين إرادة المواطن بحيث تكون الدولة خادمة للمقاصد السامية للفرد وليس المقاصد الرذيلة والساقطة لأفراد متسلطين ومفروضين على الأمة ومن ثمة على أفرادها.

وهذا الانجماع الكلي في الحوافز الجامعة يشكل قطب عناصر وحدة التصور المرجعي الجامع، مما يعني أن هناك وحدة في المقاصد الحركية العامة.

فوحدة الحوافز العامة وسموها يمتع المجتمع بسيادة القيم السامية فتتحقق وحدة المقاصد والأهداف الجامعة؛ الأمر الذي يعطي معنى وقصدا لحركة الأمة بين الأمم، ويبين مقاصدها العالية والسامية ويجنبها الفسيفسائية الداخلية على مستوى الفهم والعلم والعمل.

ولن يحصل هذا إلا إذا تحقق الشرط الكلي المتمثل في قيام علاقة صحيحة وسالمة بين الدعوة والدولة، ذلك أن الدعوة هي راعية المقاصد العالية والسامية الفردية والجماعية والمبينة لها والمحافظة عليها من خلال توجيه خيارات الدولة الكبرى حتى يحافظ المجتمع على الانسجام في حركته.

لذلك يجب الانتباه إلى أن هناك علاقة وطيدة بين خيارات الدولة وخيارات الفرد في تبني قيم سامية ونبيلة، إذ لا يمكن ذلك مع دولة تمثل خيارات مختلفة في الباب عن الخيارات الأصلية للفرد. ولايعني هنا أننا نتحدث عن اللبرالية كما فهمها الغرب وأنتجها، لكن نتحدث عن أمر هام يتعلق بعدم تعارض خيارات الدولة مع خيارات الأمة وأفرادها؛ سواء في السياسة أو الاقتصاد أو التربية أو التعليم أو غير ذلك. ولعل قوة الأمم في هذا العنصر الجامع، لأنه شرط استقرارها ونموها وتطورها.

وما يعنيه هذا الكلام أن الدولة لا يمكن أن تكون دولة معبرة عن طموحات الأمة إلا إذا كانت ترجمانا ممتازا ومنفذا بارعا لخيارات الأمة في أفرادها من خلال جميع برامج كافة المجالات والقطاعات، وبذلك لا تنفصل الدولة عن الدعوة ولا ينفصل بناء الفرد عن بناء الأمة خلال إنتاج وصياغة وتنفيذ البرامج العملية التفصيلية الصادرة عن تصور مرجعي جامع، كما لا يحصل أي انفصال أو تعارض بين المقاصد الفردية السلوكية والمقاصد الدعوية الحركية العامة فضلا عن تحقيق المقاصد الجزئية خلا تنزيل واستنباط الأحكام تنزيلا بانيا للفرد والجماعة والأمة.

إننا بامتلاك الفقه الجامع نحقق فهما متوازنا ومتزنا ونبني بناء كليا مستقيما على الطريقة النبوية.

والله سبحانه المستعان وعليه التكلان ولا حولة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.