مقدمةتعتبر السيرة النبوية بأحداثها وتفاصيلها مدرسة نبويّةً متكاملة، لما تحمله بين ثناياها من الدروس العظيمة والفوائد الجليلة، التي تلبّي احتياجات الناس وتحلّ مشاكلهم، وترسم لهم منهج التعامل مع مواقف الحياة ومجرياتها. وغزوة بدر، هي إحدى الغزوات المليئة بالعظات والعبر، والمعاني والدلالات، فيحسن الوقوف أمام تلك التجربة لإلقاء الضوء على أحداثها واستخراج الفوائد من بين سطورها. كانت غزوة بدر من أعظم الغزوات في تاريخ المسلمين، وهي كما سماها رب العالمين سبحانه وتعالى يوم الفرقان، وإذا سمّى الله عز وجل غزوة أو يومًا بهذا الاسم فما من شك أنها فصلت بالفعل وفرقت بين مرحلتين هامّتين من مراحل الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية.

في هذا الشهر المُبارَك -شهر رمضان المُعَظَّم- تطالعنا ذكرى غزوة بدر الكبرى؛ ففي اليوم السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة الشريفة، وقعت هذه الغزوة، وكانت فيها قوة المسلمين ثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ مقاتلاً؛ ليس معهم إلا سلاح خفيف: سبعون بعيرًا، وفَرَسَان، وقد خرجوا لا للقتال، وإنَّما لأخذ عِير قريش القادمة من الشام، وكان جيش المشركين تسعمائة وخمسين، وعِيرهم سبعمائة بعير، ومائة فرس، وسلاح كثير.. فالتقت القوتان بماء بدر، ورأى المسلمون جيش عدوهم فلجئوا إلى الله-عز وجل- واستغاثوا، وألقوا بأمرهم إليه؛ فاستجاب لهم، وأمدهم بالملائكة؛ ثبَّتوهم؛ وقاتلوا معهم؛ ونصرهم الله على عدوهم نصرًا عزيزًا. (إِذْ تَستَغِيثونَ ربَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لكم أنِّي مُمِدُّكُمْ بألفٍ منَ الملائكةِ مُرْدِفِينَ وما جَعَلَهُ اللهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ).

إن معركة بدرٍ في التحليل السطحي معركة عابرة لا يرجى أن يكون لها أي أثر من أي نوع، إلا في بعض النقاط غير المرئية في حياة الصحراء، ولكن التحليل العميق يثبت غير ذلك تمامًا، فبعد بدر ولدت أمة ثابتة راسخة لها رسالة ولها هدف ولها طموح، تغير التاريخ البشري حقًا بعد قيام دولة الإسلام، فقد نشأت الأمة التي حملت على عاتقها هداية البشرية، الأمة التي ستصبح خير أمة أخرجت للناس. خرج الجيش الذي سيزلزل بعد ذلك عروش كسرى وقيصر.

القَدَر يُمهِّد للموقعة ويفرضهالقد فُرِضَت الموقعة على المسلمين فرضًا، وفُوجِئوا على غير استعداد بتحدي صناديد قريش وأبطالها لهم؛ ولم يكن بُدٌّ من قَبول هذا التحدي، وواجه النبي- صلى الله عليه وسلم- الموقف بما يتطلبه من إيمان وثقة، غير أن كثيرًا من المسلمين تساءل..؛ إذ كيف يواجه هذا العدو الذي لم يستعد له؟! “كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤمِنينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ”. (الأنفال: 5-6)

ولكنَّ القَدَر كان يدفع الأمور إلى مجراها الذي أعده إعدادًا مُحكمًا؛ فها هو ذا قد جمع بين الفريقين على غير موعد (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ ولكن ليقضيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً..). (الأنفال: 42)، وهاهو ذا يغري كليهما بالآخر، ويجعله يرى عدده ضئيلاً قليلاً (وَإِذْ يُريكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرجَعُ الأمُورُ). (الأنفال: 44) وهاهو ذا يبعث الشيطان لينفخ الغرور في أتباعه، وليصيح بينهم (لا غَالِبَ لَكُمُ اليومَ مِنَ النَّاسِ وإنِّي جَارٌ لَكُمْ) (الأنفال: 48)، وهاهي الأمور تتطور بسرعة عجيبة في معسكر الإيمان؛ فيتتابع المهاجرون على الموت: لا نقول لكَ كما قال قوم موسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة: 24)؛ ولكن نقاتل عن يمينك، وشمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، وكان في وُسْع الأنصار أن يتحللوا من هذه المعركة؛ فإنهم إنما عاهدوا الرسول على حمايته في بلدهم، ومنعته ما دام بينهم؛ فإذا خرج في حرب هجومية فليس له عليهم سبيل، ولكن الأنصار لم يتحللوا، وإذا زعيمهم سعد بن معاذ يقول: يا رسول الله، قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا على السمع والطاعة، فامضِ لما أَرَدْتَ فوالذي بَعَثَكَ بالحق لو استعرضْتَ بنا هذا البحر؛ فخضتَه لخضناه معك، ما يتخلف منا أحد. وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا وعدوك، إنَّا لَصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعل الله- عز وجل- أن يُريَكَ منا ما تَقَرُّ به عينُكَ؛ فَسِرْ بنا على بركة الله.

معركة بدر حرب دفاعية خالصة من العدوانعندما خاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معركة بدر الكبرى لم يكونوا أبدا في موقف العدوان، ولا في موقف من يسعى إلى الحرب،أو يتمنى لقاء العدو، ولم يتحرك هو وأصحابه من أجل دنيا يصيبها أو مغنم يتطلع إليه، وإنما كانت كل خطواتهم من أجل حماية الإسلام والمسلمين من العدوان؛ امتثالا لقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190). هكذا اختار الله  سبحانه- لهم أفضل مما كانوا يودون، وكان هذا الاختيار لصالحهم، ولصالح الإسلام، فلو عادوا إلى المدينة بدون قتال لتطاول عليهم المشركون، واتهموهم بالخوف والجبن، ولضاعت هيبتهم بين القبائل، بل وداخل المدينة نفسها، التي كانت لا تزال مشحونة بالعدو القريب من المنافقين واليهود، وربما نقض هؤلاء عهودهم وتحالفوا مع قريش ضدهم، كما حدث فيما بهد، في ظروف كانت أفضل لصالح المسلمين. لذلك حاول رسول الله صلى الله عليه وسلم تجنب القتال في بدر، وأرسل إلى قريش عمر بن الخطاب، يذكرهم بما بينه وبينهم من رابطة الدم والنسب، وأنه يكره أن يقاتلهم أو يقاتلوه، يقول لهم: ارجعوا، فلأن يلي هذا الأمر (القتال) مني غيركم أحب إلي من أن تلوه مني، وأن أليه من غيركم أحب إلي من أن ألوه منكم.

تأملات في غزوة بدرإن أبرز ما جاءت به غزوة بدر، تأكيد مبدأ الشورى، باعتباره مبدأً من مبادئ الشريعة وأصلاً من أصول الحكم، وصورةً من صور التعاون على الخير، يحفظ توازن المجتمع، ويجسّد حقيقة المشاركة في الفكر والرأي، بما يخدم مصلحة الجميع. فرسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو المؤيّد بالوحي – استشار أصاحبه في تلك الغزوة أربع مرّات، فاستشارهم حين الخروج لملاحقة العير، واستشارهم عندما علم بخروج قريشٍ للدفاع عن أموالها، واستشارهم عن أفضل المنازل في بدر، واستشارهم في موضوع الأسرى، وكلّ ذلك ليعلّم الأمة أن تداول أي فكرة وطرحها للنقاش يسهم في إثرائها وتوسيع أفقها، ويساعد كذلك على إعطاء حلول جديدة للنوازل الواقعة. كما أقرّ النبي  صلى الله عليه وسلم  بمبدأ آخر لا يقلّ أهمية عن سابقه، وهو تطبيق المساواة بين الجندي والقائد، ومشاركته لهم في الظروف المختلفة، يتّضح ذلك في إصراره صلى الله عليه وسلم (53 سنة آنذاك) على مشاركة أبي لبابة (22 سنة) وعلي بن أبي طالب (21 سنة) رضي الله عنهما في المشي وعدم الاستئثار بالراحلة. وقد تبيّن بجلاء من خلال هذه الغزوة، ومن خلال الآيات التي تناولتها، حقيقة النصر وكونها بيد الخالق سبحانه، قال تعالى: (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 10)، وأن النصر لا يتم إلا باستتمام أسبابه كلها، فليست القوة وحدها هي مفتاح النصر، ولو كانت كذلك لكان النصر من نصيب المشركين الذين فاقوا الصحابة عددا وعُدّة، وبذلك نرى أن المسلمين عندما استكملوا أسباب النصر وأتمّوا شروطه تحقّق لهم النصر في هذه المعركة.

وبعد أن استكمل المسلمون شروط النصر وأسبابه رأينا التدابير الإلهيّة التي ساقها الله تعالى، فجاء المدد الإلهيّ بالملائكة لمساندة المؤمنين، وجاء التثبيت القلبي الذي رفع من معنويّاتهم، ونزل المطر ليكون سبباً من أسباب النصر والتأييد بما حقّقه من أثر في تطهير القلوب والأجساد وتثبيت الأقدام، وكذلك للنعاس الذي تغشّى المؤمنين قبل المعركة كان له أثره في شعورهم بالأمن والطمأنينة.

صفات الجيش المنصور1. الإيمان بالله، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، واليوم الآخر، فلا نصر بغير الاعتماد على الله عز وجل، لأن الله ينصر عباده المؤمنين يقول تعالى: (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ) (الصّاَفات:173).

2. العمل بصدق للوصول إلى الجنة

3. الشورى، فهو جيش يأخذ بالشورى كمبدأ أصيل للوصول إلى الحق، والشورى تكون فيما لا نص فيه، يقول تعالى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشُّورى:38). ويقول تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران:159). فهذا أمر من الله عز وجل لرسوله بمشاورة المسلمين في الأمور التي لا نص فيها، والأخذ بالرأي الصواب والنزول عليه، ورأينا مشورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في كل شيء ورأينا أخذ برأي الحباب بن المنذر في رأيه بالانتقال من هذا المكان، وأن يكون ماء بدر خلف المسلمين بحيث يشرب المسلمون، ولا يشرب المشركون، وكان الأخذ برأي الحباب سببا من أسباب النصر.

4. يعد العدة المادية من سلاح وخطة وتدريب من أجل تحقيق النصر، يقول تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الأنفال:60) (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال:60). جاءت كلمة قوة نكرة كي تدل على الشمول، أي: أعدوا لهم قوة العقيدة والقوة البدنية وقوة السلاح وقوة العلم وكل قوة، وأما قوله: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60).

5. الألفة والوحدة والترابط والتناسق التي تربط بين أفراد الجيش، فهو جيش قوي ومتماسك يحب بعضه بعضا في الله عز وجل، يحكمه مبدأ العقيدة، فالرباط الذي يربط بين جيش بدر هو رباط العقيدة، فالإسلام هو الذي يربط بين أفراد الجيش، فالحب في الله يجمع كل أفراد الجيش، وجيش بدر تحكمه الوحدة فلا فضل في الجيش لأحد على أحد، ولا فرق بين العربي وغير العربي، فكان في الجيش بلال بن رباح الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، فكان هناك تلاحم وترابط بين أفراد الجيش سواء كان عربي أو أعجمي.

6. الحسم وعدم التردد، والإقدام على القتال.

7. عدم الاعتماد على الكافرين، رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج معه للقتال يوم بدر إلا من كان مؤمنا ولا يستعين بمشرك إلا في بعض الأمور البسيطة المعروفة في كتب الفقه، يروي مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئت لأتبعك وأصيب معك. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تُؤْمِنُ بِاللًَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قال: لا. قال: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ. قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة. قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق. مع قوة الرجل وبأسه وكفاءته إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن له بشهود القتال، لأنه ليس مؤمنا، وقد يخدع المسلمين أو تأتي من قبله الهزيمة، وفي بعض الأوقات يكون الرجل أمينا ولكن ليس قويا فقد رد الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة وذلك لأنه رأى فيهم بعض الضعف لصغر سنهم مع علمه التام بأمانتهم ورغبتهم الصادقة في القتال.

8. الاعتماد على الشباب، والارتقاء بهم، فقد رد الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر والبراء بن عازب لضعفهم وصغر سنهم، وقبل بعض الصحابة الصغار في السن لأنه رأى أن فيهم بعض القوة والجلد مثل عمير بن أبي وقاص، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عفراء.

9. روح الأمل والتفاؤل واليقين في نصر الله عز وجل لهذه الأمة، فالله عز وجل ينصر عبادة المؤمنين (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:10). ويقول تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249).

وإذا فُقدت صفة واحدة من الصفات السابقة لا ينتصر المسلمون.