يقول الله جلت قدرته: وما النصر إلا من عند الله العزيز الحميد هذه الآية الكريمة من سورة آل عمران تلتقي في المعنى الذي تفصح عنه مع عدد من الآيات التي يضمها الذكر الحكيم مظهرة نفس المعنى أو مضمرة له. فإذا استقرأنا كتاب الله عز وجل فسنكتشف أن كل الآيات التي تحدثت عن انتصار الفئة المؤمنة على عدوها نسبت النصر لله عز وجل واعتبرته هبة ربانية ومنحة من المولى العزيز لمن قام بحقها من عباده الصالحين. إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وكان حقا علينا نصر المومنين، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، والله يؤيد بنصره من يشاء

والدارس للسيرة النبوية العطرة ـ ولسجل ملاحم الانتصار الخالدة، التي قادها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ودونها التاريخ بمداد الفخر والاعتزازـ سيسجل أن ما حسم النصر في تلك المعارك المختلفة لم تكن الأسباب البشرية وحدها، على أهميتها، بل تدخل العوامل الغيبية. ولعل غزوة بدر الكبرى التي غيرت مسار التاريخ ورسخت أقدام الإسلام تمثل أكبر شاهد على ما قدمناه. فقد احتشد في هذه المعركة عدد كبير من الدعائم الغيبية لم يتوفر في غيرها وإن لم يغب المدد الغيبي عن أي غزوة نبوية.

وقد قص علينا القرآن الكريم تفاصيل التأييد الإلهي للعصبة المؤمنة المتوكلة على ربها الموقنة بنصره. يقوله الله عز وجل: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ويعلق سيد قطب رحمه الله على هذه الآية بقوله: والنصر في بدر كان فيه رائحة المعجزة، فقد تم بغير أداة من الأدوات المادية المألوفة للنصر. لم تكن الكفتان فيها – بين المؤمنين والمشركين – متوازنتين ولا قريبتين من التوازن. كان المشركون حوالي ألف، خرجوا نفيرا لاستغاثة أبي سفيان، لحماية القافلة التي كانت معه، مزودين بالعدة والعتاد، والحرص على الأموال، والحمية للكرامة. وكان المسلمون حوالي ثلاثمائة، لم يخرجوا لقتال هذه الطائفة ذات الشوكة، إنما خرجوا لرحلة هينة. لمقابلة القافلة العزلاء وأخذ الطريق عليه فلم يكن معهم – على قلة العدد – إلا القليل من العدة. وكان وراءهم في المدينة مشركون لا تزال لهم قوتهم، ومنافقون لهم مكانتهم، ويهود يتربصون بهم.. وكانوا هم بعد ذلك كله قلة مسلمة في وسط خضم من الكفر والشرك في الجزيرة. ولم تكن قد زالت عنهم بعد صفة أنهم مهاجرون مطاردون من مكة، وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبته غير مستقرة في هذه البيئة!

فبهذا كله يذكرهم الله – سبحانه – ويرد ذلك النصر إلى سببه الأول في وسط هذه الظروف.

إن الله هو الذي نصرهم، وكان ذلك لحكمة نص عليها في آيات سورة آل عمران. وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم. فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا الله، الذي يملك النصر والهزيمة، والذي يملك القوة وحده والسلطان. فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر، أن تجعله شُكرا وافيا لائقا بنعمة الله عليهم على كل حال. وقد تحقق ذلك بجملة عوامل غيبية ظهرت للفئتين معاً، فقد رأى المشركون أيضاً في هذه الغزوة من آيات الله الشيء الكثير.

العوامل الغيبية التي حققت النصر في غزوة بدر

– الرؤيا

من العوامل الأولى التي كان لها توجيه لسير المعركة وتدخل في نتيجتها الرؤيا، التي فعلت فعلها بالتأثير في نفوس المشركين مرتين في هذه الغزوة. كانت المرة الأولى قبل تجهيز جيش المشركين ثم جاءت الثانية قبيل المعركة.

قال ابن إسحاق فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها. فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك به. فقال لها: وما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد). وقد تحققت هذه الرؤيا حين جاء مبعوث أبي سفيان طالبا النفير لنصرة العير فكان لها وقع مؤثر في نفوس المشركين خاصة بعد تكذيبهم للرؤيا قبل تحققها.

رؤيا أخرى أثرت في عزائم المشركين رآها جهيم بن الصلت حين أقبلت قريش ونزلوا الجحفة، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال إني رأيت فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان. إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. فلنتصور الحالة النفسية لجيش مقبل على معركة حاسمة وهو يسمع هذه الرؤى التي تفت في عضده وتربك تماسكه.. كما تشهد على وضع الجيش القرشي الواقعة التالية: قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاث مائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟ قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت، يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة، فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك يا حكيم؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال قد فعلت، أنت علي بذلك إنما هو حليفي، فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية). كما ظهر تفكك جيش المشركين حين رجع بنو زهرة إلى مكة ولم يقاتلوا.

– نزول الملائكة

من أعظم الدعائم التي أيد الله عز وجل بها جيش المؤمنين بها نزول الملائكة. يقول تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

قوله تعالى: إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ وهم الذين أمد بهم المسلمين. إِنّى مَعَكُمْ بالعون والنصرة. فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فيه أربعة أقوال.

أحدها: قاتلوا معهم، قاله الحسن.

والثاني: بشروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل.

والثالث: ثبِّتوهم بأشياء تُلْقُونها في قلوبهم تقوى بها. ذكره الزجاج.

والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي.

وروى الواقدي عن حكيم بن حزام قال لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين وأبو بكر يقول والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك فانزل الله ألفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض فلما نزل إلى الأرض تغيب ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته.

وروى ابن إسحاق عن الربيع بن أنس قال كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوتة الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار وقد أحرق به.

وقال ابن إسحاق حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء وقد قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون. وقال الواقدي حدثني عبد الله بن موسى بن أبي أمية عن مصعب بن عبد الله عن مولى لسهيل بن عمرو سمعت سهيل بن عمرو يقول لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره قال لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري. قال وحدثني خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم فقال: جبريل يا محمد ما كل أهل السماء أعرف.

– نزول المطر

قال الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلاٌّقْدَامَ.

قال الطبري: وأما قوله: ويُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السّماءِ ماءً لِـيّطَهّرَكُمْ بِه فإن ذلك مطر أنزله الله من السماء يوم بدر، لـيطهر به الـمؤمنـين لصلاتهم لأنهم كانوا أصبحوا يومئذٍ مُـجْنِبـين علـى غير ماء فلـما أنزل الله علـيهم الـماء اغتسلوا وتطهروا. وكان الشيطان وسوس لهم بـما أحزنهم به من إصبـاحهم مـجنبـين علـى غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بـالـمطر فذلك ربطه علـى قلوبهم وتقويته أسبـابهم وتثبـيته بذلك الـمطر أقدامهم، لأنهم كانوا التقوا مع عدوّهم علـى رَمْلة هَشّاء فلبّدَها الـمطر حتـى صارت الأقدام علـيها ثابتة لا تسوخ، توطئة من الله عزّ وجلّ لنبـيه علـيه الصلاة والسلام وأولـيائه أسبـاب التـمكن من عدوهم والظفر بهم. وبـمثل الذي قلنا، تتابعت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل العلـم. وهذه بعض الأخبـار الواردة في ذلك:

حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مصعب بن الـمقدام، قال: حدثنا إسرائيـل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علـيّ رضي الله عنه، قال: أصابنا من اللـيـل طشّ من الـمطر يعنـي اللـيـلة التـي كانت فـي صبـيحتها وقعة بدر فـانطلقنا تـحت الشجر والـحجف، نستظلّ تـحتها من الـمطر.. وبـات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به: “اللّهُمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ لا تُعْبَدْ فـي الأرْضِ” فلـما أن طلع الفجر نادى: الصّلاةَ عِبـادَ اللّهِ، فجاء الناس من تـحت الشجر والـحجف، فصلـى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرّض علـى القتال. وقال أيضا: حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: نزل النبـيّ صلى الله عليه وسلم يعنـي حين سار إلـى بدر والـمسلـمون بـينهم وبـين الـماء رملة دعصة فأصاب الـمسلـمين ضعف شديد، وألقـى الشيطان فـي قلوبهم الغيظ، فوسوس بـينهم: تزعمون أنكم أولـياء الله وفـيكم رسوله، وقد غلبكم الـمشركون علـى الـماء وأنتـم تصلون مـجنبـين فأمطر الله علـيهم مطرا شديدا، فشرب الـمسلـمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان. وثبت الرمل حين أصابه الـمطر، ومشي الناس علـيه والدوابّ فساروا إلـى القوم.

– النعاس

يقول تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ قال الإمام القرطبي: والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف). وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها؛ فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم. وعن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح؛ ذكره البيهقي. وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما: أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم؛ كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر. وقيل: غشاهم في حال التقاء الصفين. وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في “آل عمران”.

– تقليل الأعداء في أعين المومنين

يقول تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

قال الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلـَكِنّ اللّهَ سَلّمَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ.

يقول تعالى ذكره: وإن الله يا محمد سميع لما يقول أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ يريك الله عدوّك وعدوّهم فِي مَنامِكَ قَلِيلاً يقول: يريكهم في نومك قليلاً فتخبرهم بذلك، حتى قويت قلوبهم واجترءوا على حرب عدوّهم. ولو أراك ربك عدوّك وعدوّهم كثيرا لفشل أصحابك، فجبنوا وخافوا، ولم يقدروا على حرب القوم، ولتنازعوا في ذلك ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا، إنه عليم بما تخفيه الصدور، لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب.

وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: إذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً: أي في عينك التي تنام بها، فصيرّ المنام هو العين، كأنه أراد: إذ يريكهم الله في عينك قليلاً. قال: حدثني ابن بزيع البغدادي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال أراهم مئة. قال: فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا: كم هم؟ قال: كنا ألفا.

– الخذلان والرعب

عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة” 1 .

فأما الرعب: فهو الخوف. قال السائب بن يسار: كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السوائي عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطست فيطن، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. فإيقاع الرعب في نفوس العداء يعتبر من أنجع وسائل النصر في الحرب التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الغزوة ظهر أثر هذا العامل الغيبي في جيش العدو على مستويين، الرعب الذي أصاب إبليس اللعين الذي كان يحفز المشركين ويحضهم على عدم التخلف عن قتال المسلمين، ثم وقوع الرعب في نفوس المشركين بعد خذلان الشيطان لهم. وقد بين الوحي الكريم هذه الحادثة في قول الله عز وجل: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (الأنفال: 48).

روى الطبراني عن رفاعة بن رافع قال لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص إليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل. وروى الواقدي عن أبي حتمة قال سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر فجعل الشيخ يكره ذلك فألح عليه فقال حكيم التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل وقعة الحصاة في الطست وقبض النبي صلى الله عليه وسلم القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا. قال الواقدي وحدثنا إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير سمعت نوفل بن معاوية الديلي يقول: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا وكان ذلك من أشد الرعب علينا.

– البشارة الغيبية للنبي صلى الله عليه وسلم

قال إسحاق بن راهويه حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن محمد بن إسحاق حدثني أبي عن جبير بن مطعم قال رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود قد نزل من السماء مثل النمل الأسود فلم أشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ وبشر بذلك أبا بكر وقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع يعني من المعركة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم حصل لهم السكينة والطمأنينة.

قال ابن إسحاق: ثم عدَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله، ومعه فيه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربَّه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهم إن تَهْلك هذه العصابة اليوم لا تُعْبد، وأبو بكر يقول: يا نبِىِ الله، بعضَ مُناشدتك ربك، فإن الله مُنْجِز لك ما وعدك. وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خَفْقةً وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشرْ يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النَّقْعُ.

وبعد

قد يقول قارئ لهذا الموضوع أن ادعاء كون النصر منحة إلهية تتحقق بعوامل غيبية فيه دعوة صريحة للتواكل وعدم الأخذ بأسباب الجهاد. وهذا ما يتناقض مع الاعتقاد الإسلامي الصحيح فضلا عن أن الأمة في حالها الراهن بحاجة إلى من يوقد عزائمها وينهض إرادتها لتنفض عنها غبار الكسل و الخمول الذي تراكم عليها منذ قرون. لذا فدرءا لكل لبس محتمل أو سوء تفاهم متوقع أذكر بجملة من الثوابت منها:

ـ أولا إن كون النصر قدرا ربانيا وهبة رحمانية يجود بها المولى الوهاب على من يشاء من عباده الصالحين المجاهدين والقاصدين هي حقيقة يقينية أقرها القرآن الكريم في قوله جل وعلا وما النصر إلا من عند الله العزيز الحميد فحصر مصدر النصر في ذاته الكريمة.

ـ ثانيا لقد أمر الله عز وجل عباده بإتيان الأسباب ومراعاة السنن التي أخضع لها كونه وخلقه، بل طالبهم بإحسان العمل ثم التوكل عليه تعالى إبان ذلك وبعده. وقد ورد هذا في قوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. وفي قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السلوك في غزوة بدر وفي سيرته كلها. وأفصحت عن هذا مجموع التدابير العسكرية والأمنية التي اتخذها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من تهيئ للجيش وتعبئة للمجاهدين ثم وضع الخطة العسكرية والمبادرة بالحرب النفسية فتوزيع الأدوار وتدبير لمراحل المعركة… كل هذا ينبئ أن إتقان الإعداد المادي مقدمة لازمة لاستمطار نصر الله وتأييده . فالمدد الرباني لا يتنزل على قوم قاعدين خاملين. غير أن الله جلت قدرته نبه عباده إلى عدم الركون إلى الأسباب بل التوكل على رب الأرباب وعلى الله فليتوكل المؤمنون. وقد مدح الله عباده الصالحين الواقفين ببابه المنكسرين بين يديه والطالبين مدده والمفوضين أمرهم إليه وجعل تنزل النصر استجابة لحال العبودية الكاملة التي أظهروها إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: إن غالب معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت في الغزوات والمؤمنون في جهاد وصبر ومعاناة. فكانت المعجزات خطابا إلهيا لتلك القلوب المتوكلة على ربها أنها على الحق. وكلما برز المؤمنون إلى ساحة الجهاد ولجأوا إلى الله تعالى واضطروا جاء النصر الغيبي).


[1] رواه البخاري.\