القاعدة الثالثة: الفقه الجامع. قاعدة إقامة المقاصد الدعوية وشرط الحفاظ عليها (تتمة)

بقلم: مبارك الموساوي

المجال الثاني: الوعي المقاصدي

تجلت سيادة الفقه التجزيئي في اضمحلال الوعي المقاصدي في تأطير وتوجيه حركة المجتمع الإسلامي، كما تجلت في وظيفة الفقيه الذي صار دوره منحصرا، بدرجة كبيرة، في إيجاد الحكم الجزئي من خلال البحث عن الفتوى في مدونة من المدونات أو ملخص من الملخصات أو المحفوظ في الذاكرة من المحفوظات. ولذلك انتبه كثير من كبار الأمة إلى هذه المعضلة فصنفوا وخاطبوا؛ من أمثال العز بن عبد السلام والغزالي وابن تيمية وابن القيم والشاطبي، وغيرهم، رحم الله الجميع، شعورا منهم بخطورة اضمحلال الوعي والإدراك المقاصديين على حركة الأمة وأداء رسالتها، فضلا عن علاقة العبد بربه، سبحانه وتعالى، حتى صور الغزالي عند انتباهه إلى ضرورة تجديد علوم الدين ونقده لوظيفة الفقيه كأنه حَكم بين متخاصمين ليس أكثر؛ أي أن الشريعة صارت قوانين وليست حياة تُصنع ويُحافظ عليها وتُرعى لتنمو فيها القيم العالية والمقاصد السامية.

إن غياب الفقه الجامع وسيادة الفقه التجزيئي شكل معضلة الدرس المقاصدي في الفكر الإسلامي على امتداد تاريخه. وقد تجلى اليوم في البحث السائد المتعلق بقضية علم المقاصد حيث ما زال السؤال: هل يمكن الحديث عن علم المقاصد مستقلا بذاته، أم لا يمكن أن يستقل عن علم أصول الفقه؛ إذ هو ركن من أركانه، حسب هذا الرأي، سؤالا معروضا على بساط البحث والنقاش.

قد يقول قائل إن هذا الإشكال ليس له تجل عملي هام إذ يتعلق بمسألة منهجية ونظرية.

لكن إذا قيم من خلال نظرة تجديدية ظهرت دلالته العلمية، لأن اضمحلال الوعي المقاصدي كان العامل الأساس في بروز هذا النوع من القضايا العلمية اللذيذة من حيث البحث النظري والأكاديمي الآن، لكنها دالة على مأساة الانفصال في الفهم، وكذا في السلوك كما سيتبين بعد إن شاء الله تعالى، بين إرادة تطبيق الحكم الشرعي وقيام الأمة وبين إدراك مقاصد الحكم وعلاقتها بالمقاصد العالية المتجلية في معاني رسالة الأمة إلى العالمين الناظمة لوظيفتها بين الأمم والمحددة لها. ولذلك نجد فقرا كبيرا في كتب التراث في البحث في مقاصد السياسة الشرعية مما جعل الحركة الإسلامية حين تصديها اليوم لقضايا الشأن العام في شقيها المحلي والعالمي وجدت صعوبة بالغة في الكشف عن مقاصدها السياسية والحركية بدقة وفقه جامع، وهو ما أثر عليها؛ سواء من حيث اجتهاداتها ومدى تقارب هذه الاجتهادات أو من حيث العلاقات بين أطرافها وبينها وبين الآخر. كما نجد تضخما في مباحث أصول الفقه حتى أدرجت فيها مباحث لا علاقة لها بها، مما جعل فحلا من قبيل الشاطبي يفرد هذه المسألة بالمعالجة ليخرج من مباحث الأصول ما ليس منها. كما نجد انحباسا فقهيا كبيرا له تجلياته المعيشة اليوم خاصة في غياب لدى كثير من العاملين في حقل الدعوة والجهاد أفقا فكريا واسعا يجنبهم ردة الفعل القاصرة على واقع يعادي جملة الإسلام وأهله، لأن واقعا كليا يحتاج إلى حركة مشروع كلي متئد ومتوازن ورفيق يوظف القوة العسكرية والقتالية في مكانها المناسب ولا يجعلها هي الخيار الكلي الوحيد في المواجهة.

وما يهمنا هنا من حيث الحديث عن معاني الدعوة إلى الله جل وعلا هو أثر هذا الانفصال الناتج عن غياب الفقه الجامع وسيادة الفقه التجزيئي في انسداد وانحباس حركة الدعوة إليه سبحانه وتعالى، حيث لم يفتح لها أفق كبير تستطيع من خلاله الكشف عن حقيقة المقاصد الدعوية الفردية والجماعية؛ الدنيوية والأخروية؛ على مستوى عال من الدقة والتفصيل، يجيب عن سؤالات دقيقة تعرضها الأمة والإنسانية اليوم. فقرئت عديد من النصوص قرآنية ونبوية وفق وعي وفقه تجزيئيين، إذ لما انقبض رجال الدعوة عن وعي مقاصدي جامع ومجدد لم يكتشفوا طريقا للتخلص من قبضة منهجية تقليدية في تقويم وتقييم الأصول الدعوية، مما نتج عنه عدم كمال الشخصية الدعوية، وضعف المشروع والبرنامج الحركيين للدعوة، فضلا عن القدرة العلمية في تجديد عرض الأصول وبيان المقاصد في أبعادها الفردية والجماعية، المحلية والدولية، بناء على فقه جامع كما تم تعريفه سابقا.

إن كمال الوعي المقاصدي وفق فقه جامع مدخل علمي هام لتجديد حركة الأمة وبناء الجماعة وتطبيق الحكم الشرعي وسيادة معاني الإسلام من حيث هو رسالة رحمة ورفق وتؤدة وبناء خاص وعام.

وبهذا تظهر لنا أولوية وأهمية الفقه الجامع في بناء حركة الدعوة والشخصية الدعوية وجنودها في كل المجالات. مما يؤسس لبرنامج عملي وشامل.

المجال الثالث: اختلال المنهج النقدي الحديث

لما كان التراث على ما هو عليه من واقع التجزئ والفردية واضمحلال الوعي المقاصدي الجامع الذي يبني أمة قوية وحرة، وبعد انبهار العقل الإسلامي، عموما، والعقل العربي خصوصا، بما أنتجته حضارة الغرب بعد انهيار حضارة المسلمين واستعمارهم وتمزقهم، كان من الضروري أن يتصدى رجال الفكر والعلم إلى ضرورة قراءة التراث وتقويمه وتقييمه وبيان علاقة هذا بالمستقبل.

ولا شك أنه سيحصل تضارب، إلى حد التناقض، بين المناهج المتصدية لمعالجة هذه المعضلة لما لها من علاقة بنقد الواقع وقراءة الماضي وبناء المستقبل.

وسنعمد هنا إلى الإشارة، فقط، لثلاثة نماذج بتركيز غير مخل، ذلك أن نقد المناهج السائدة يحتاج إلى تفصيل واف، راجين من المولى عز وجل أن ييسر من الوقت ما يمكن من رجوع كامل لعرض اقتراح متكامل.

إننا نجد من يدعو إلى تحقيق قطيعة تامة مع التراث على أساس عجز هذا الأخير، سواء عن استيعاب المفاهيم الواردة من الغرب، أو عن توليد المفاهيم القادرة على التعبير عن الدلالات التي تحملها المفاهيم الغربية. ولذلك يجب “طي الصفحة، أي القطيعة المنهجية”، حيث استحالة عدم وجود مفاهيم مكتملة الدلالة في هذا التراث. فهذا النقص حاصل على اعتبار أن الفاصل تاريخي بين المجال الإسلامي والمجال الغربي يقضي بضرورة القطيعة مع هذا الماضي وتفادي عملية التأصيل التي ليس من ورائها طائلة، وأن التغيير يجب أن يحصل بالإعمال المباشر لمفاهيم الحداثة كما أفرزتها صيرورة الغرب.

فهذا التوجه، الذي يمثله الدكتور عبد الله العروي، يعتبر أن التراث غير قادر على إنتاج مفاهيم تنجز التغيير لتحقيق اللحاق بالركب الحضاري الغربي التقدمي، ولذلك يرى بأن طي صفحة هذا التراث نهائيا ومعانقة المفاهيم الغربية جملة وتفصيلا هو الكفيل بإحداث النقلة الإنسانية والمجتمعية الكفيلة بتحقيق واقع النمو والتقدم. وهذا التوجه لايشفع له في تكريس التبعية شاء أم أبى نقده للجوانب السلبية في الحضارية الغربية، لأنه ينقل أمة من بناء عملها على أصول معينة إلى أن تشتغل عبر أصول أخرى. ويبقى السؤال حول كيفية هذه النقلة الكلية التي لم تحدث مع عبد الله العروي وغيره، بما فيهم من يملكون السلطة والدولة ووسائل التوجيه والتربية والتعليم.

كما نجد من يرى أن العمل على تبيئة المفاهيم الواردة من الغرب من قبيل الديموقراطية وحقوق الإنسان، وغيرها من المفاهيم، ضمن تراثنا يسمح بصناعة فهم قادر على التجاوب مع مطالب الواقع، بحيث يحصل تأصيل على طريقة “التبيئة الثقافية” وإرساء المرجعية الغربية داخل ثقافتنا بترسيخ المفاهيم التي تشكل قوام الحداثة، فيؤدي ذلك إلى إعادة بناء هذه المفاهيم بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا. ويشكل الدكتور محمد عابد الجابري مؤسسة ورمز هذا التوجه الذي في خصام مستمر مع التوجه الأول.

فهذا الاقتراح يشكل عملا ذهنيا فكريا معقدا يسعى إلى إحداث التغيير من داخل التراث، ولذلك فالتحديث هنا يعني إخراج التراث من تقوقع الماضي إلى حضن المعاصرة.

إنها عملية في جوهرها ترقيع يستند إلى منهج واضح، بحيث يطلب الأمر في البداية العلم بحقيقة المفاهيم الغربية، ثم البحث عن نظائر لها في الفكر العربي الإسلامي على أساس ملء هذه النظائر بالدلالات الغربية، إلا أن الفترة الزمنية التي تستغرقها مرحلة الترقيع للانتقال إلى مرحلة الوضوح التام في تبني المفاهيم الغربية في بناء الإنسان والدولة والمجتمع غير مدققة، مما يعني أننا أمام زمن الضياع الكلي، خاصة في زمن العولمة وتسارع الأحداث. وهو الأمر الذي حصل مع حركة الجابري الفكرية والسياسية.

وهكذا، فهذا التوجه يرى أن عوض إسقاط نصوص ومفاهيم وأحكام على الواقع من خلال التراث ينبغي إعمال نفس المفاهيم الواردة من الغرب بعد البحث لها عن موقع دلالي في التراث بما يعطيها قوة في التأثير. فتأصيل المفهوم يقوم على نقله إلى الثقافة المحلية وإعطائه مضامين داخلها تتناسب مع المضامين التي يتحدد بها أصلا في الثقافة الأوربية التي منها نقل.

وبذلك نرى أن هذا التوجه لا يعير أي اهتمام للبحث في المفاهيم القرآنية والنبوية لاستخراج دلالاتها وعرض شموليتها في استيعاب جوانب الحياة الإنسانية، بقدر ما يجعل عامل ثقل التراث النفسي والتاريخي معطى واقعيا يقتضي منطق التغيير التعامل معه بالبحث في بعض مفاهيمه “العقلانية” لتجاوزه من خلال ترسيخ المفاهيم الغربية للتعبير عن دلالتها الكونية والشمولية بما لا يشكل أية قطيعة فجائية مع التراث وأهله. فهو تحول هادئ في اتجاه تبني دلالات المفاهيم الغربية وإعمالها في البناء النفسي التربوي والفكري والمؤسساتي الحركي لتصبح حركة الإنسان والمجتمع متولدة عن فعلها في الفرد والمؤسسة.

إن التقابل الذي يتبناه الجابري ومن معه بين مفهوم “التقليد” ومفهوم “الحداثة” وبين مفهوم “الأصالة” ومفهوم “المعاصرة” يعبر عن غموض كثيف في تحديد مجال النقد، بل أكثر من ذلك هو تعبير عن سوء فهم لهذا المجال، ولذلك يفتقد هذا النقد إلى فاعلية في الواقع، بل ينبني عليه خلط شديد على مستوى تحديد العلاقة النقدية مع التراث. فإذا كان الوحي من كتاب وسنة غير معنيان بهذا النقد، فأين موقعهما في العملية البنائية في كليتها؟ أي أين موقعهما في عملية إعادة التركيب، أي في إعادة بناء الذات، المبنية على نتائج النقد؟ وإذا تم اعتبارهما جزء من التراث، فإن المعضلة تصبح أكثر تعقدا بحيث يصبح المعيار محدد من جهة واحدة، وهي الدلالة الغربية للمفهوم الذي يراد تبئيته ضمن أرضية التراث.

إن توظيف المفاهيم الحداثية في نقد الماضي بغية تغيير الواقع لبناء المستقبل بما يُحصّل نتائج غامضة لاتفصل في عملية البناء بين مطلب التحديث الذي يحمل معاني التنظيم والضبط واحترام الحريات والحقوق والقيام بالواجبات والتعليم والتنمية وامتلاك زمام المبادرة تجاه الواقع الطبيعي الكوني بما هو فضاء مسخر للإنسان- وهذه معاني لها ما يستوعبها وزيادة في الأدبيات والدلالات الإسلامية الأصيلة- وبين المعنى الآخر الذي ينسجم مع مفهوم الحداثة باعتباره واقعا تصوريا معرفيا تجاه الإنسان والكون والمصير الذي يرجع في تحديد دلالته إلى المعنى الذي استقر عليه في التجربة الغربية، لأن هذه التجربة ستكون غير منطقية مع صيرورتها التاريخية إن لم تصل إلى درجة اكتشاف مثل هذه الدلالات بما هي راجعة في أصولها إلى تجربة الإغريق والرومان وما انبنى عليهما من نتائج في الفكر والنفس، هو توظيف يقحم دلالات أصولية لمجال معين، هو المجال الغربي، بالإكراه الفكري المنهجي أو بالإكراه السياسي الاجتماعي ضمن مجال آخر، هو المجال الإسلامي، وهي عملية فيها تسلط وتحكم، إذ تغيير أصول أمة عملية تاريخية تطلب شروطا؛ منها القدرة لا على نقد فهم الناس لتلك الأصول، بل على نقد تلك الأصول. لكن ما يعيق هذه العملية هو إجماع الأمة على قداسة تلك الأصول، واعتبارها صالحة لكل زمان ولكل مكان، وأن المطلوب هو التجديد لتصحيح العلاقة معها بالإيجاب لا بالسلب.

وهذه واحدة من أهم معضلات الفكر النقدي عند النخبة المثقفة المغربة التي لا يعني تغريبها فقدها لقيم المواطنة والجدية، بل ربما ذلك ما يجعلها نخبة تحظى بالأولوية في الاهتمام ضمن عملية التغيير الكلي للمجتمع.

وفي هذه الحالة هل يستطيع المثقف والمفكر أن تؤدي حركته النقدية، كيفما كانت درجة وضوحها وجرأتها، إلى تحويل قناعة الأمة بأصولها؟ أم أن المدخل عنده هو الرهان على صناعة خلط مفاهيمي من قبيل “الأصالة والمعاصرة”، تجسده حركية المشروع “الديموقراطي الحداثي” في مرحلة معينة بجمع طقوس من الماضي مع طقوس العصر لتوفير شروط مرحلة النضج التي يتم فيها القطع النهائي مع التراث ويحصل الانصهار والاندماج الكلي في المنظومة الفكرية “العالمية” السائدة.

هنا نجد النموذج الثالث يحتل مكانة هامة في العملية النقدية للتوجهين السالفين، وهو نموذج الدكتور طه عبد الرحمان الذي ملك كفاءة علمية ومنهجية هائلة استطاعت هدم ركائز المنهجيتين السالفتين، خاصة أنه امتلك قدرة كبيرة على توليد مفاهيم من داخل المجال الإسلامي مع إعطاء القرآن والسنة مكانهما اللائق بهما في إعطاء المضمون الدلالي لأي مفهوم مولد.

فإذا تظافرت الكفاءة العلمية والمنهجية مع الوضوح الكامل في تبني العمق التربوي الأخلاقي في صناعة الفكرة وتوليد المفهوم وتدقيق الدلالة لدى الدكتور طه عبد الرحمان، فإن اقتراحه بقي بين الرفوف ولدى نخبة محددة، ولعل رهان منهج طه عبد الرحمان الذي يحتاج إلى وقفات طويلة وعميقة لسبر أغواره واستكناه أسراره، فإني أدلي بملاحظة أظنها تشوش على مشروع طه عبد الرحمان في تقويم التراث ونقد المناهج الحديثة.

فإذا كان الدكتور طه عبد الرحمان يحرص على اعتماد التكاملية في كشف المنهج القويم في تقويم التراث وتجديده، فإن عدم انخراط المشروع العلمي لطه عبد الرحمان ضمن مشروع مجتمعي نهضوي يجمع بين العمق التربوي الأخلاقي الذي يجاهد الدكتور عبد الرحمان في تكريسه وبين الانخراط في العمل على صياغة برنامج عملي حركي يعطي للمفاهيم العلمية حقيقتها وقيمتها العلمية.

إن العجز المنهجي السائد يعد أكبر مؤشر على أن سيادة الفقه التجزيئي، لكن هل يمكن التقاط عناصر القوة العلمية المنهجية وتوجيهها وفق الحاجيات الدعوية الجهادية لصياغة حركة علمية عملية جامعة تعرض مشروعا متكاملا على أرض الواقع يبحث في تفاصيل الحاجيات الإنسانية الآنية والمستقبلية؟

ذلك ما سيكون موضوع الدلالة السلوكية للقاعدة المشار إليها أعلاه، إن شاء ذو الجلال والإكرام سبحانه.