بسم الله الحنان المنان، والحمد لله على أية حال وفي كل وقت وآن، سبحانه هو القاهر فوق عباده الحاكم الديان، يبتلي الصالح المقسط ليزكيه ويرفعه ويرقيه، ويملي للطالح المفرط ليخزيه ويضعه ويرديه، سبحانه يعطي على البلاء مالا يعطي على الرخاء، وهو الرحيم بأوليائه، يمحصهم ليمنحهم وينفحهم، ويفتنهم ليرضى عنهم ويمكن لهم، فأشد الناس محنا وابتلاء، أكثرهم عنده اصطفاء وقربا واجتباء، وأكرم الصلوات وأكملها، وأجل الصلوات وأجملها، على أحب الأحباب وسيد الأسياد، سيدنا ومولانا رسول الله الخاتم أحمد، وسلم وبارك وعظم ومجد، وعلى آله وصحبه واخوانه وحزبه أهل الحق والسؤدد، إلى يوم كرامته وشفاعته، وكشف نوره وعرسه الأسعد.

رضي الله تعالى عنك أيتها السيدة العظيمة القدر الجليلة الأثر، الصحابية سمية بنت الخياط، رضي الله تعالى عنكم يا أم عمَّار الشهيد، وزوج ياسر الشهيد، لم يكن لكِ قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من شيء..، كنت مستضعفة فقيرة، أسَرَتْكِ الجاهلية الأولى فجعلت منك اَمَة لاغير..، حتى جاء النور المحمدي فصنع منكِ اُمَّة في الحق، وكسر طوق الظلم والاستعباد والجهل والقهر، أكرمكِ المولى تعالى فكنتِ سابع من صحب وأسلم، وأحد أول من أشهر اسلامه وآمن، وزوج ياسر بن عامر رضي الله تعالى عنه أول شهيد في الإسلام، وأم عمَّار رضي الله تعالى عنه، الذي دل عنه سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده حين قال: “اقتدوا بالذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر، وعمر؛ اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود” ـ الإمام الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، الإمام الروياني عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، الإمام ابن عدي في الكامل عن أنس رضي الله تعالى عنه، تصحيح الإمام السيوطي: حديث صحيح ـ

وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمال الرشد: “ما خُير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما (وفي رواية: أسدهما)”. ـ الإمام الترمذي والإمام الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله تعالى عنها، تصحيح الإمام السيوطي: حديث صحيح ـ .

وكشف نوره وحقيقته صلى الله عليه وسلم: “عمار خلط الله الإيمان ما بين قرنه إلى قدمه، وخلط الإيمان بلحمه ودمه، يزول مع الحق حيث زال، وليس ينبغي للنار أن تأكل منه شيئا”. ـ ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجه، تصحيح السيوطي: حسن ـ .

وفصل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحق الباقي في الأمة عن الباطل القادم عليها الممزق لعراها لما قال فيه: “ويح عمار: تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”. ـ الإمام أحمد في مسنده، وصحيح الإمام البخاري عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، تصحيح الإمام السيوطي: حديث صحيح ـ.

بقي سيدنا عمار رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حافظا للوصية والأمانة والعهد، للأم الحاضنة والمربية العظيمة، أن يدور مع الحق حيث دار، ولو دار الزمان وبغى طُلاّب المُلك ومُكسرو صرح الخلافة الراشدة، أن يقف لله عز وجل لا مع غيره، وهو الذي شهد مصرعها في الله تعالى، فكانت القدوة والمثال، وكان أول خريج مدرسة سمية بنت الخياط رضي الله تعالى عنهما، فكان الشاهد من بعدها والشهيد..

عن مجاهد ـ رحمه الله تعالىـ قال: أول شهيدة استشهدت في الإسلام سمية أم عمَّار، وأول من أظهر الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار، وسمية أم عمار.

فأي مَنْقَبَة!؟ وأي مزية!؟ وأي فضيلة!؟ حزت أيتها السيدة الكريمة الماجدة رضي الله تعالى عنكم، وعن الصحابيات الكريمات السابقات بأعظم الخيرات وأرضاكن جميعا، وزادكِ الله تعالى عِزًّا وشرفا، ونورا وألقا، سبحان الملك الوهاب، من صنع من روحكِ وأنتِ السيدة الطاعنة في السن، كوكبا ذريًّا مشعشعا، حرق جاهلية أبا جهل، وعلو أبا جهل، وطغيان أبا جهل، من الجذور والأساس والأركان..

عن ابن إسحاق ـ رحمه الله تعالى ـ قال: حدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم على الإسلام، وهي تأبى غيره، حتى قتلوها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم، مرَّ بعمَّار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: “صبراً آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة” . فلله ذركم يا أول قافلة شهداء في الإسلام وأول المبشرين بالجنة !.

روحكِ الشريفة! ياسيدتنا سمية بنت الخياط رضي الله تعالى عنكم!، قهرَتِ الروح الفرعونية لأبي جهل المدنّسة الغارقة في الظلمات، نفسُكِ المطمئنة الزكية الطاهرة، كسرت شوكة النفس المتجبرة الطاغية الخبيثة الساقطة في الشهوات، قد هزمتِ الجاهلية في أشد مراحل عتوها وجبروتها..، فتركتِها مثال ذل وخزي واندحار، وسوء عاقبة ومثال، يذكر على مر العصور والأجيال..، فمن يعتبر ومن يتذكر؟، أظهرتِ إسلامكِ ولم تخشيْ أحدا، حين يخاف الناس، ويجزع الناس، ويضعف الناس..

ولما وقف الفرعون الأول لهذه الأمة أبو جهل أو عمرو بن هشام بن المغيرة، وأراد أن يغير على مهدِ الإسلام ويسد طاقة نوره المتفتحة من منارة روحكِ البهية المشرقة، وقفَ بقوة السلاح مزمجرا معذبا مرهبا ومهددا..، وأنتِ حينئد مقيدة بالقيود تقاسين الأهوال..، ترين الابن عمَّار وقد سلخ جلده عن ظهره من الأصفاد وحرِّ مكة..، والزوج ياسر قد احترقت كبده من العطش والألم، يجود بنفسه الزكية، ويقتل من العطش والعذاب في رمضاء مكة، مكة قريش وصناديد قريش..، رمقتِ الزوج والولد المنكل بهم، ولم تضعفِ ولم تهنِ..، بل صبرت واحتسبت، ورميتها في وجه الكفر والجهل مجلجلة خالدة، قوية هائلة..، بزقتِ في وجه الفرعون محتقرة متحدية، شامخة رافضة أبية، كنتِ أول من أعلن: لا ذلَّ ولا استعباد بعد اليوم، ولا صمت ولا خنوع عن باطل بعد اليوم، كنتِ أول من قال كلمة حق عند جبار جائر، كنت أمَّة وقومة، أشرقَتْ روحُكِ يومها فهزَّتْ أركان الظلم من صلبه ورأسه..

ضُرِبَ أبو جهل في طاغوتيته وكبريائه، وهالته هذه الهزيمة المخزية النكراء، ولما علم أن أمثالكِ لا يستكينون..، قتلكِ..، – لقبه المسلمون بأبي جهل، لقتله السيدة سمية بنت الخطاب رضي الله تعالى عنها، فماذا نقول نحن لمن يستأسد على حرائرنا ويروعهن ظلما وبغيا وعدوانا، ماذا نقول لمن أراد قتل أختنا السيدة حياة بوعيدة ولازال، أو التنكيل مرة بعد مرة بأختنا السيدة سهام سمون!!!؟ حسبنا الله ونعم الوكيل – وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فرعون هذه الأمة” عند مقتله بغزوة بدر الكبرى – قتلكِ بحربة الغدر، في أسفل بطنكِ نكاية وتشفيا، وانتقاما وعجزا..، لتحوزي أفضل الجهاد، وتنالي أفضل الشهادة، وسيدة الشهداء!.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا إن لكل غادر لواء يقوم يوم القيامة بقدر غدرته؛ ألا وأكبر الغدر غدر أمير عامة، ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه، ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، ألا إن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها، مثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه”.

ـ الإمام أحمد في مسنده والإمام الترمذي والإمام الحاكم في المستدرك والإمام البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، تصحيح الإمام السيوطي رحمه الله: حديث حسن ـ .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله”. ـ الحاكم في المستدرك والضياء عن جابر رضي الله تعالى عنه، تصحيح الإمام السيوطي: حديث صحيح-

فسلام عليكِ ياسيدتنا سُمَـيَّة!، في الأولين والآخرين، وسلام عليكِ في الملأ الأعلى!، وسلام عليكِ حين تذكر الشهادة ووقفة الحق في الدين!، وسلام عليكِ في مقعد الصدق والسبق عند المليك المقتدر!.

وسلام على أخوات سمية السّاميات!، وبنات سمية المحسنات الماجدات، مريدات مدرسة سمية بنت الخياط رضي الله تعالى عنها وأرضاها في كل زمان ومكان.. !

و”لانامت أعين الجبناء”، ولاقامت دولة الوَهَنِ والضعفاء!.