أصدرت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بفاس يوم الثلاثاء 11 شتنبر 2007 حكما قاسيا في حقي -أنا كاتب هذه التوضيحات عمر محب عضو جماعة العدل والإحسان- والقاضي بالسجن عشر سنوات نافذة.. حكم أعتبره انتقاميا، مستندا إلى تعليمات مخزنية عليا، ولا يستند إلى أدنى منطق قانوني يرقى به إلى أن يكون حكما قضائيا.. لهذا السبب أطرح للرأي العام الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: حول أطراف المحاكمة إن الملف الذي أتابع على خلفيته يكشف بوضوح عن أطراف المحاكمة، بحيث لم يكن الطرف الأول سوى سلطات العهد الجديد، وفي يدها فيتو التعليمات الذي يعطل كل القوانين، ويلغي شروط المحاكمة العادلة، ويشل إرادة القضاء، ويجعله سجين الإملاءات، بعيدا عن توخي الحقيقة والجهر بها… أما الطرف الثاني فهو جماعة العدل والإحسان التي تستهدفها آلة القمع المخزنية منذ أزيد من سنة، في هجمة شرسة وخرق سافر لحقوق الإنسان، والتي لم تجد منفذا للنيل منها إلا من خلال متابعة ومطاردة أعضائها… إنني أفتخر بانتمائي لجماعة العدل والإحسان، ولن يضيرني أن يكون الحكم الصادر في حقي ظلما وعدوانا ضريبة لهذا الانتماء..

الحقيقة الثانية: حول خلفية الملفتم اعتقالي يوم الأحد 15 أكتوبر 2006، في خضم الحملة المسعورة التي طالت المئات من أعضاء جماعة العدل والإحسان، وذلك على خلفية مذكرة بحث مزعومة من أجل جنحة صادرة في حقي سنة 1993 في موضوع وفاة الطالب بنعيسى آيت الجيد، والتي تتقادم بمضي خمس سنوات.. أقول مذكرة مزعومة نظرا للاعتبارات التالية:

1- أن حدث القتل وقع سنة 1993، وأنني تابعت دراستي في نفس الكلية والجامعة ونفس الشعبة، وحصلت على الإجازة سنة 1995.. فهل يُعقل أن أكون موضوع بحث في حدث مرتبط بالجامعة، وأنا أعيش بين أسوارها طيلة سنتين ولا تطالني يد السلطة.

2- ما الذي حدث ليتم اعتقالي بعد 13 سنة؟ وأين كانت السلطة طيلة هذه المدة وأنا أعيش على مرمى سمعها وبصرها نظرا لمزاولتي مهنة مرتبطة بتدابير إدارية ؟ وأين كان الطرف المدني، المدفوع حاليا دفعا من طرف السلطات، والشاهد واحد ممن دُفع دفعا لدرجة أنه أوقع نفسه في تناقضات ؟

3- ثم هل كانت الجهات المعنية (السلطات) التي حركت الملف يهمها فعلا كشف الحقيقة عن ملابسات مقتل الطالب آيت الجيد، أم كان هدفها شيء آخر، وهي التي بعثت مخبريها لثلاث مرات يُساوموني حول انتمائي وتسخيري ضد الجماعة،كان آخرها أسبوعا قبل الاعتقال..؟

4- إن اعتقالي مرتبط بحسابات سياسية، وليس بجريمة قتل أنا مُقحم فيها إقحاما، بريء منها براءة الذئب من دم يوسف..

5- إن ورود اسمي في محضر الحادث هو من باب استهداف أسماء ورموز، وتصفية حسابات بين فصائل طلابية في الساحة الجامعية… وأنا المسؤول الطلابي عن كلية العلوم، الحاضر آنذاك في الملتقى الطلابي الثاني بالدار البيضاء ما بين 22 و27 فبراير 1993، أي الأسبوع الذي وقع فيه الحادث..

الحقيقة الثالثة: حول حياتي الخاصةيُفهم من مذكرة البحث أنني كنت فارا من العدالة، والحقيقة أنني لم أغادر مدينة فاس منذ أن دخلتها طالبا سنة 1990.. فقد تابعت دراستي لسنتين متتاليتين -بعد 1993 تاريخ الحادث- بنفس الكلية والجامعة بفاس، وحصلت على الإجازة سنة 1995 تخصص شعبة فيزياء… ثم انخرطت في التجارة لما سُدت في وجهي أبواب الشغل كآلاف الطلبة خريجي الجامعات، حيث نظمتُ عشرات المعارض بالمدينة.. وتزوجت، وأنجبت، وأقمت بفاس طيلة هذه المدة.. وليستحضر معي القارئ كم من الإجراءات الإدارية التي تطلبت ذلك (الزواج، رخص المعرض، متابعة إجراءات حادثة سير تعرضت لها سنة 2002).

الحقيقة الرابعة: حول أطوار التحقيقعندما تم اعتقالي يوم 15 أكتوبر 2006 وجدت نفسي في قسم الشرطة أُمطَر بأسئلة استنطاق حول انتمائي ونشاطي السياسي وأسئلة أخرى حول تنظيم جماعة العدل والإحسان، وكلها أمور لا علاقة لها بالتهمة التي لفقت لي. وعند الدخول في ملف المتابعة وُوجهتُ بالشاهد المدعو الخمار الحديوي فأنكر بداية أن لي دورا في الحادث، لكنه تراجع -تحت الضغط الذي تعرض له- ليقر في المواجهة الثانية بأنني ضمن المجموعة المتهمة في الحادث. وخلال أطوار التحقيق لم يتم التوصل إلى دليل إدانة واحد في حقي. وطلب دفاعي غير ما مرة تمتيعي بالسراح نظرا لانتفاء أدلة الإثبات، بل قدم الضمانات دون جدوى ليتم إحالتي على غرفة الجنايات باستئنافية فاس يوم 26/03/2007 بقرار غير معلل ويعوزه الدليل معتمدا في ذلك على تصريحات متناقضة للشاهد الوحيد…

الحقيقة الخامسة: حول أطوار المحاكمةطالت مدة التحقيق، وتبعتها الفترات الفاصلة بين جلسات المحاكمة التي أجلت أربع مرات، وعانيت من جراء ذلك مرارة الاعتقال لمدة أحد عشر شهرا، لكن أهم ما ينبغي لفت النظر إليه ما يلي:

1- أجواء العسكرة خلال تواريخ المحاكمة، والمتمثلة في تطويق بناية محكمة الاستئناف من جميع الجهات، ومنع الأصدقاء والمتعاطفين وأنصار الجماعة من ولوج المحكمة.

2- الوقفة التضامنية التي حضرتها جموع غفيرة من أعضاء الجماعة بفاس والمتعاطفين يوم 17 أبريل 2007 أمام محكمة الاستئناف، مطالبة بإطلاق سراحي وإنهاء المحاكمة الصورية التي أتعرض لها.

3- انخراط عدد كبير من المحامين يُعدون بالعشرات في الهيئة المكلفة بالدفاع عني سواء عن طريق المرافعات أو تسجيل المؤازرة.

4- اختطافي من السجن يوم 28 ماي 2007 والذهاب بي إلى المحكمة لأجد نفسي أمام هيئة هي غير الهيئة التي أتابع أمامها، في عملية مخطط لها لتفويت فرصة متابعتي في اليوم الموالي 29 ماي 2007 كما كان مقررا. والسبب ظروف استثنائية كانت تعيشها المدينة (الزيارة الملكية)، ليتم إثرها تأجيل النظر في الملف شهرا آخر.

كل ما سبقت الإشارة إليه يبين أن محاكمتي غير عادية وأن خلفيتها سياسية وليست جنائية كما تحاول بعض الأطراف إيهام الرأي العام بذلك.

وبتأكيدي على أن محاكمتي سياسية أطالب، كغيري من أبناء العدل والإحسان، برفع اللبس عن هذا الملف واتباع مسطرة قضائية نزيهة وجادة لكشف حقيقة مقتل أيت الجيد والأطراف المعنية به، وأندد بتوظيفه من طرف السلطات -التي لا يهمها دم أيت الجيد أو غيره في شيء- من أجل تصفية حسابات سياسية.

الحقيقة السادسة: حول أجواء المحاكمةبعد مسلسل التأجيلات تم تحديد تاريخ 11 شتنبر 2007 للحسم في الملف. انطلقت أطوار المحاكمة مع حدود الساعة التاسعة والنصف لتختتم حوالي الرابعة والنصف، وقد حضرها عدد كبير من المحامين من دفاعي. ولعل أهم ما يسجل في هذه المحاكمة هو اعتراض الدفاع بالإجماع على شهادة المدعو الخمار الحديوي للاعتبارات التالية:

1- كونه متهما في الملف، وحكم عليه بسنتين سجنا نافذا سنة 1993.

2- للخصومة التي يقر بها ا تجاهي في شكواه المرفوعة ضدي إلى وكيل الملك سنة 1993.

3- ثم نظرا للخصومة السياسية باعتباره طالبا قاعديا وأنا الطالب من فصيل جماعة العدل والإحسان.

ورغم تقديم هذه التجريحات إلا أن المحكمة رفضت ملتمس الدفاع وسمحت له بان يدلي بشهادته، بل الأغرب من ذلك كله أنها اعتمدتها كأهم مستند لإصدار الحكم،خاصة وأن الشاهدين الآخرين الرماش ومهيب كانت شهادتهما في صالحي كما هي شهادات خمسة شهود نفي آخرين شهدوا لصالحي.

وعند الاستماع إلى المدعو الخمار الحديوي سجلت رزنامة كبيرة من التناقضات وردت في مختلف تصريحاته لدى الضابطة القضائية وأمام قاضي التحقيق منذ 1993 إلى الآن، اعتمدها دفاعي مرة أخرى للطعن في شهادته، بل قدم ملتمسا بتسجيلها في محضر خاص وإدانته بها وطالب بوضعه تحت الحراسة النظرية وإدانته بشهادة الزور. غير أن النيابة العامة اعترضت، وقضت المحكمة برفض الطلب.

وفي الوقت الذي كان المتتبعون داخل القاعة ينتظرون حكما منصفا، بعدما سمعوه من مرافعات الدفاع التي فندت التهمة بالدلائل والحجج، وارتباك الشاهد وتناقضه، يفاجأ الجميع بعد أكثر من ساعة ونصف من المداولات بالحكم القاسي والقاضي بحبسي عشر سنوات نافذة… حكم جعلني أتساءل كغيري عن الحيثيات التي بني عليها، وعن حقيقة هذه العشر سنوات.

إنه قضاء التعليمات، يُجهز الأحكام قبل افتتاح الجلسات وبدء المرافعات ويزج بأبناء هذا الوطن الحبيب في غياهب السجون ظلما وعدوانا، ظنا منه أنه سيوقف زحف الربيع بقطفه زهرة.

فإلى الله المشتكى، وحسبي الله ونعم الوكيل.

المعتقل السياسي عمر محب

السجن المدني عين قادوس  فاس – 23/09/2007