إن المتتبع للسيناريوهات المحتملة التي يتوقعها المراقبون فيما يخص تعيين الحكومة يشعر بانطباع وكأنه أمام منافسة سياسية حقيقية كتلك التي تعرفها الديمقراطيات العريقة، والتي يكون فيها تعيين الوزير الأول من هذا الحزب أو ذاك بمثابة نقطة تحول جوهرية في السياسة الداخلية والخارجية على السواء. إلا أن الحقيقة التي لا تخفى على أحد والتي لم يعد أحد يسعى لإخفائها، هي أن تعيين أي حكومة، من أحزاب قليلة أو عديدة، لن يغير من الحالة السياسية ولا الاجتماعية شيئا، وليس في هذا تجن على أحد، ذلك أن كل الأحزاب عبرت من خلال قيادييها أكثر من مرة بتصريحات في هذا المعنى.

وهو الأمر الذي يعيد إلى الواجهة سؤال الجدوى من الانتخابات في ظل النظام السياسي القائم، سؤال لم تجرؤ الأطراف المعنية على محاولة الإجابة عنه، في حين راهنت على سؤالي النزاهة والمشاركة المكثفة، إلا أن إجابتها على هذين السؤالين كانت خاطئة مما جعل الصقيع السياسي الذي حذر منه الكثير من المراقبين يبدو جليا ونحن نتحسس تعيين وزير أول من بين أقلية مرفوضة هجرت صناديقها أغلبية رافضة.

فنزاهة الانتخابات ذهبت أدراج الرياح، واتضح أن الدولة التي بشرت بعهد جديد من الديمقراطية قد رتبت أوراقها بدقة من خلال قانون الانتخابات، ودشنت بذلك شكلا آخر من التزوير غير المعلن والقانوني، خاصة أن جميع الأحزاب صادقت عليه، ثم وقفت تتفرج بسلبية غير نزيهة على اصطدامات الفرقاء المتنافسين مكتفية بالتدخل لصالح هذا المرشح أو ذاك في بعض الدوائر المعزولة. وتحقق الهدف الأساس من الانتخابات حين نوه كل من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية “بشفافيتها” وربح المخزن جولة الرأي العام الدولي، إلا أن الرأي العام المحلي لم يستسغ الطعم، حيث أن المراقبين المحليين وعيون المواطنين تعرف جيدا أن سلبية السلطات لم تكن بريئة كما أن السكوت الرهيب عن الاستعمال الفاضح للمال لا يمكن أن يمسح دنس التزوير، وإن كان للمراقبين الدوليين رأي مخالف فإنه يفتقد الشرعية الواقعية حيث أن عددهم لم يتجاوز الخمسين مقابل ما يقارب الأربعين ألف مكتب تصويت.

فشل آخر سجلته انتخابات 2007، هذه المرة على مستوى المشاركة، فعندما غاب المغاربة عن صناديق الاقتراع يوم 7 شتنبر لم يكن غيابهم بسبب ضعف التعبئة، ذلك أن النظام جيش إمكانيات مادية وتحفيزات معنوية منذ مدة طويلة استعمل فيها الإعلام والشارع والجمعيات والحملات بل حتى رقص “الهيب هوب” والغناء ووجوه المشاهير من فنانين ورياضيين وخطب الجمعة فضلا عن أعوان السلطة الذين كانوا يطرقون أبواب البيوت يسلمون بطاقات الانتخابات لمواطنين لم يطلبوها ويدعونهم للتصويت، أكثر من ذلك فإن خطاب الملك الأخير جاء فيه وعيد وتحذير لمن يدعو للمقاطعة ودعا من جهته المواطنين للتوجه لصناديق الاقتراع. ولم تألو الأحزاب جهدا في ذلك أيضا حيث عملت بدورها قبل وخلال الحملة الانتخابية على استعطاف الناس للتصويت لصالحها، استنفذت السلطة كل الوسائل ولعبت الأحزاب ورقة الكل من أجل الكل، فكان رد المواطنين واضحا لا غبار عليه، رفض وعزوف ومقاطعة ولامبالاة وعدم اهتمام، وكانت النتيجة نسبة مشاركة ضعيفة قال وزير الداخلية أنها بلغت 37% وقال مراقبون أن الرقم غير دقيق وإن عدد البطاقات الملغاة ستعطي رقما مخجلا.

لقد كانت المشاركة الضعيفة بمثابة استفتاء شعبي على مصداقية النظام السياسي، وما يزيد هذا الرأي وجاهة هو أن المقاطعين لم يغيروا منتخب بمنتخب آخر ولا حزب بحزب آخر، ولم يعاقبوا حزب الحكومة لصالح المعارضة وإنما جاء عقابهم للمنظومة الانتخابية في مجملها لأن مقاطعتهم ضربت “العملية الديمقراطية” في الصميم، وهو ما يجعل المبررات التي تسعى لإلصاق التهمة “بالعدميين” أو بعدم وعي المواطنين مبررات غير مقبولة ولا يستوعبها منطق. إن نسبة المقاطعة وبكل بساطة هي تعبير واضح لا لبس فيه عن رفض شعبي للنظام السياسي برمته وللعبة التي ذاق الشعب مرارتها واصطلى بنارها على مدى نصف قرن من الزمن، إن الأغلبية المقاطعة تقول بلسان موقفها : لن نشارككم عبثكم، لن نلعب بعد اليوم معكم لعبتكم المشبوهة لأننا نكون دائما نحن الخاسرون فيها، العبوها وحدكم حتى تذوقوا مرارة الخسارة وطعم الإهمال واللامبالاة الذي عشناه لسنوات.

أما سؤال الجدوى فإنه سيبقى مطروحا إلى إشعار آخر، وسيكون الأمر مخجلا طيلة السنوات الست القابلة حيث ينتظر أن يدوم الطلاق بين الحكم والحكومة، لكن هذه المرة ليس فقط بقوة الشرعية الدستورية وإنما أيضا بقوة شرعية المقاطعة التي أفرزت حكومة من أقلية وهو ما يتنافى مع الديمقراطية التي تعرف في أبسط القواميس بأنها حكم الأغلبية.

أمام هذا الطلاق المستمر لن يختلف “عدميان” عاقلان حول الوهن الشامل للبنية الدستورية والسياسية والاجتماعية للمغرب، وهذا لا يحتاج إلى فضل حديث وتبيان ولا إلى مزيد تذكر وبيان، إنما يحتاج إلى معالجة تتيح تداولا على السلطة بشكل شفاف وديمقراطي وتحت مراقبة ومحاسبة الشعب بكل حرية، ومع هذا وبعده لا بد من تنظيمات سياسية تعطي ديناميكية حقيقية لهذا التداول، فالتعدد الحزبي يجب أن يكون تعددا سياسيا مبلورا في تنظيمات ليس بمقدور أي منها أن تنفي الأخريات عن الواقع السياسي والاجتماعي تحت أي ذريعة.