مرة أخرى تستفيق الطبقات المسحوقة من الشعب المغربي على وقع زيادة نارية جديدة في أسعار العديد من المواد الاستهلاكية الأساسية، ومرة أخرى تثبت الفئة الحاكمة أنها حريصة على رسم حياة اجتماعية قاتمة لهذا الشعب. لتنضاف إلى المعاناة معاناة وإلى الفقر فاقة وإلى العوز حاجة.

فقد أقدمت الدولة المغربية على زيادات غير متوقعة في توقيتها ولا مبررة في دوافعها وغير مسبوقة في حجمها، لتثقل كاهل المغاربة الذين لا يتجاوز دخل ثلثهم اليومي 10 دراهم في اليوم. وهو دخل جد متردي إذا ما قورن بغيره، وبحجم المصاريف اليومية، وبالأموال الطائلة التي يصرفها المستخفون بثروات الشعب الغافل.

فارتفع ثمن كيس الدقيق حجم 25 كيلوجراما من 120 درهما إلى 135 درهما دفعة واحدة، وأصبح ثمن قطعة واحدة من الخبز ب 1.50 درهم، وارتفع لتر الزيت، الذي ازداد مرتين خلال شهر واحد، من 8.5 إلى 12 درهم، وبلغ 1 كيلو سكر 12 درهم، ووصلت الزُبدَة حوالي 60 درهم للكيلوغرام الواحد، والجبن 18.80 درهمًا للعلبة المكونة من 16 قطعة… ناهيك عن ارتفاع أسعار الخضراوات بنسبة تصل إلى 25%، وارتفاع ثمن الأدوات المدرسية وتسعيرة الاستشفاء والماء الكهرباء…

إن هذه الزيادات الصاروخية غير المفهومة، والتي جاءت في سياق مليء بالالتزامات المالية للأسر (الدخول المدرسي، رمضان، نهاية العطلة…)، تستدعي وقفة حقيقية واستنكارا فعليا وتحركا ميدانيا لانتزاع حقوق المجتمع الاقتصادية والاجتماعية من أفواه الساسة المفتوحة وبطونهم المنفوخة.

كما أن حجم هذه الزيادات غير مبرر على الإطلاق، إذ لم يصب العالم بـ”خميس أسود” فاضطر المغرب مع المضطرين إلى زيادات تعيد التوازن المفقود، ولم يرتفع ثمن البترول دوليا، كما يقال دائما، فازداد محليا سعره وسعر كل مشتقاته والتي يمكن أن تكون حتى الزبدة والدقيق !!، وليست البلد مقبلة على حرب مع إسبانيا لاسترجاع ترابنا الضائع في سبتة ومليلية فاستدعى الأمر ضخ أموال إضافية، لا بأس من أن تكون شعبية، لتقوية الترسانة العسكرية. إنه لم يقع لا هذا ولا ذاك، وإنما هو اجتهاد أرعن وسلوك سفيه ممن يملكون مقاليد دفة السياسة والاقتصاد بالمغرب.

ولعله من غريب صنع القدر أن تزامنت هذه الخطوة المستنكرة مع حدث وخبر عرفتهما الساحة السياسية والإعلامية خلال الأسبوعين الماضيين، فالانتخابات التشريعية، الباهظة ماليا والرخيصة سياسيا، كلفت خزينة الدولة حسب التصريحات الرسمية 500 مليون درهم، وهي كلفة ضخمة في بلد تُضيِّع مالها في عملية سياسية قاطعها أغلب أبنائها، وإن استحضرنا مع هذا كلفة هذا البرلمان الذي يخرج منها والتي تقدر سنويا بما يناهز 400 مليون درهم، يظهر إلى أي حد حجم هذا العبث والتناقض الذي نعيشه في مغرب الغرائب.

أما الخبر، الذي أورده دون تعليق، فهو ما أطلعت به أسبوعية الأيام، نقلا عن مجلة فوربيس الأمريكية، عموم المغاربة من أن ثروة الملك محمد السادس تصل إلى 2 بليون دولار، ناهيك عن 850 مليون سنتيم “مصروفا” يوميا لملك الفقراء. هكذا ذكرت الجريدة والمجلة.

إننا إذا استحضرنا كل هذه المبالغ الضخمة والثروات الخيالية إزاء الزيادات المتكررة التي تلهب جيب الفلاح وتنهك قدرة العامل وتجلب الهم للبائع البسيط وتزيد حيرة العاطل وتثقل كاهل المرأة الخادمة في تنظيف الإدارات والشركات والبيوت، ندرك إلى أي حد نحن مظلومون ومكرهون على العيش دون حد أدنى من العدل والكرامة.

لقد وضع عبد الرحمن ابن خلدون رحمه الله، أثناء حديثه عن الدورة الطبيعية للدولة من التأسيس إلى الانهيار، قاعدة عامة مفيدة في تفسير واقعنا وسبر أغوار هذه الزيادات وكشف الخيط الرابط بين هذه التناقضات. قال مؤرخنا الألمعي في مقدمته الخلدونية (ص 525): “ثم يحصل الاستيلاء ويعظم، ويستفحل الملك، فيدعو إلى الترف، ويكثر الإنفاق بسببه. فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم. بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند، وأرزاق أهل الدولة. ثم يعظم الترف، فيكثر الإسراف في النفقات…” إلى أن يقول: “ثم تزيد عوائد الترف، فلا تفي بها المكوس. وتكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من الرعايا. فتمتد أيديهم إلى جمع المال من أموال الرعايا”.

إنه الترف إذن، هو الذي يدفع حامل السيف ومالك السلطة ومحتكر الثروة إلى إنهاك المحكوم المغلوب على أمره، واستنزاف جيب الأمة وابتزاز قدراتها لتلبية كمالياته المغرقة في البذخ والسفاهة والصفاقة.

رحمك الله يا سيدنا عمر ابن الخطاب، كنتَ تَزن الدرهم بميزان العدل لتقف عند مصارفه الصحيحة، معتبرا وضعه في غير موضعه كافيا لاتهام الذات وتَبدُّل نظام الحكم من خلافة إلى ملك.

نعم كل ذلك بميزان درهم واحد، لأن الحاكم كان يعامل الخالق أولا ويستمد شرعيته من الأمة ثانيا، ولأن الأمة كانت يقظة في مراقبة سلوك الحاكم قادرة على تصويب زيغ نظام الحكم ثالثا. أما في زمن الشعارات الوهمية للمواطنة والحرية والحقوق الاجتماعية والسياسية، فيمكن للحاكم أن يتصرف كما يشاء في ملك الشعب ويحق للدولة أن تستبد بثروة الأمة، ولا يحق لأحد الاعتراض بحكم الدين ونص القانون!!. والكفر لمن يخرج عن الإجماع المرسوم، والعصا لمن يخرق السياسة الرسمية.

إن حقوق الأمة الاجتماعية إزاء الدولة ثابتة شرعا وقانونا، ومن تم فإن هذه الزيادات النارية في الأسعار، والتي تَمَّت ضدا على إرادة المجتمع، يمكن مواجهتها بآليات سياسية شعبية منها الاحتجاج والتظاهر وجمع العرائض… وغيرها. فما أحوجنا إلى أن نُفَعِّل على الأقل حقنا في الاحتجاج على ما يضرنا.

وإلا فقد قالها ابن خلدون، لنتوقع الزيادات تلو الزيادات ما دام الترف حاكما والعدل غائبا، ولننتظر العبث تلو العبث ما دامت الأمة ساكتة عن سفاهة الدولة.