1- بين مبارك الرحماني وعالي الهمةمبارك الرحماني شخصية رحمانية عرفت خاصة زمن الملك عبد العزيز؛ كان رجلا ذا حظ من العلم، وكان ذا خبرة قتالية وتفاوضية عالية؛ مما جعل بعض ملوك الدولة العلوية، خاصة المولى عبد العزيز، يستعينون به لإنهاء تمردات القبائل في أنحاء المغرب.

ولما كانت انتفاضة الرحامنة الثانية المشهورة أواخر القرن التاسع عشر ضد الملك عبد العزيز، ولما استعصى على هذا الأخير، رحمه الله، إنهاء الانتفاضة اضطر إلى استدعاء مبارك الرحماني، حيث كان في مهام قتالية، للتفاوض مع الرحامنة.

عاد مبارك الرحماني إلى الرحامنة واجتمع بجميع زعمائها، ولما فاوضهم وحاورهم اقتنع بمشروعية مطالبهم فأصبح زعيم التمرد وجعل منه تمردا شرسا لم يستطع الملك عبد العزيز القضاء عليه إلا بعد أن استعار جنرالا إنجليزيا، كما تحكي كتب التاريخ، خبيرا مجهزا بجيش مقاتل فقضى على التمرد وكان الأمر: على جميع من شارك في الحرب أن يتقدم بفرسه وشخصه مستسلما.

سلم جل المقاتلين أنفسهم وخيلهم، ولما قبض على مبارك الرحماني وضع في سجن منفرد إلى أن مات جوعا. هكذا تحكي كتب التاريخ.

بعد هذا تشكلت مقولات، منها:

الرحامنة “عشرة في عقيل”: حيث ساعة الاستسلام يجمع عشرة في عقال واحدة ويساقون إلى السجن ليلقون حتفهم.

الرحامنة “مساخط الملك”، فكان مصيرهم التهميش والفقر وأن لا يحلموا بمناصب هامة. بل في جل الانتخابات البرلمانية، ومع غياب رموز محلية، يرسل المرشحون البرلمانيون من الرباط، وقد لا تكون لهم علاقة بالمنطقة.

بسبب هذا الذي تعرض له رجال الرحامنة عاشت فقرا وحاجة كبيرين على مر قرون من الزمن إلى رجال وطنيين صادقين في خدمة المنطقة مستشعرين بالمسؤولية الوطنية وواعين بموقعها الجيوسياسي، وبقيمة قربها ونوع علاقتها مع مراكش وبمحيطها الجغرافي، وواعين بالقيمة الوطنية لتنمية الرحامنة؛ فقد قيل قديما “إلا شبعو الرحامنة شبع المغرب، والا جاعوا جاع المغرب” نظرا للأراضي الشاسعة التي تتمتع بها المنطقة، ولكونهم معروفين بتربية الأغنام بأعداد كبيرة جدا.

تسلط على الرحامنة الفقر والتهميش، وتسلط النهابون الإداريون والمنتخبون الجهال بكل القيم الإنسانية، إلا ما رحم ربك، لما ضاع الرجال.

قاوم بعض الفضلاء وما أفلحوا في زحزحة أخطبوط الفساد والإفساد والنهب والسرقة قيد أنملة فتراجعوا إلى الظل بكائين يائسين.

عقود من الزمن والرحامنة تتخبط وتخبط خبط عشواء في بحر لجي من مشاكلها ومعضلاتها. وناسها الفقراء في مجملهم، المجهلون في أكثرهم، ينتظرون سراب الوعود الخلابة من انتخابات إلى أخرى ولا شيء، فضلا عن تسلط قواد وعمال ورؤساء مصالح ودوائر وبلديات وموظفون لا يعرفون إلا الثراء، في الغالب منهم، من جيوب جماعات وإدارات فارغة الجيب أصلا وفصلا، فهناك من ينجز دفتر الحالة المدنية بـ700 درهما رشوة يسلمها الفقير القادم من دوار من دواوير الرحامنة المهمشة.

استشرت الجريمة بأنواعها في عاصمتها الغنية بفوسفاطها والثرية بسوق أغنامها وبفرشتها المائية العظيمة المحرومة حتى من “الواد الحار”، إلى حين.

إنه تمرد القرن العشرين والواحد والعشرين؛ تمرد عارم ساخط تنشط فيه الحملات الانتخابية نظرا لحجم أوراق المئات درهم الموزعة على فقراء محرومين مهمشين عقودا من الزمن وهم أيتام على موائد اللئام.

هذا مبارك الرحماني ومابعده وما بعد الطريقة التي قضي بها على رجال الرحامنة.

أما عالي الهمة العائد من صولات وجولات وزارة الداخلية المغربية وعنفوان الشباب ومن داخل وظيفته السامية وقد روض الكثير من قبائل الزمان أشخاصا وأحزابا وجمعيات ليستمع إلى أنين الرحامنة وشكاوى الرحمانيين ! ! ! رافعا شعارات كبيرة ومخبرا الرحامنة أنه ليس في حاجة إلى أموالهم التي ينهبها غيره، لأن وظيفته السامية تغنيه عنها، وأنهم “مامساخط حد”، هل يقتنع بمطالبهم الحقيقة ومشروعيتها وينخرط معهم، وهو الفائز حتما في الانتخابات، ليقود انتفاضة تاريخية ضد تمرد منطقة عن بكرة أبيها، ليس عسكريا ولا قتاليا، وإنما تمرد الفقر والتهميش والإدارة المنخورة والجماعات المنهوبة والشباب الضائع والجريمة الفتاكة والمحسوبية القتالة والأمية المستشرية وأخطبوط الفساد والإفساد، وهو العالم بملفات المنطقة الخفية والعلنية؟

لا يخفي عالي الهمة أنه جاء عطفا على الرحامنة، حيث ادعى أن الله من عليه وأصبح شخصية رحمانية تحتل مكانا سياسيا ومجتمعيا هاما، إذ يعلم أن الرحامنة من المحرومين من مثل هذه المكانة، وإن كان ذلك بفضل قربه من القصر لا بفضل نضالاته كما الشأن لأصحاب الوزن الثقيل عادة، لولا أن أحد شباب المنطقة شوش عليه هذا العطف لما سأله سؤال محرجا: لماذا لم تفعل شيئا حين كنت موظفا في وزارة الداخلية لمدينة ابن جرير التي خربتها الجريمة وأرعبتها وأرهبتها؟ فلم يكن جواب الهمة إلا سؤالا ينم عن العقلية الأمنية: “اشن اسميتك”؟ فأجاب الشاب اسمي ملكي وليس بالضرورة أن أدلي به لك؟؟؟؟؟

إذا كان مبارك الرحماني قد اعتقله القصر وسجنه حتى مات جوعا عند اقتناعه بمشروعية مطالب الرحامنة، كما في كتب التاريخ، فهل سينجو عالي الهمة بجلده من واقع منطقة الرحامنة القاتم ومن عمل أنواع الإدارات المشرفة على أمورهم، وقد جرب في بداية التسعينات أن وضع منطقة الرحامنة لن يقدر عليه واحد مهما كان وزنه ومهما كان حجم الوعود الانتخابية والشخصيات التي يوظفها لتبليغه وتمريره؟ هل يعتقل الهمة نفسه في واقع رحماني قاتم لن يقدر عليه حتى يموت سياسيا بسبب السجن في قبو الرحامنة، أم يفر لما يكسب الكرسي الانتخابي ويقضي الغرض التنموي المرحلي الذي بعث من أجله إلى الفضاء العام؛ قرب القصر والحكومة والبرلمان؟

يلاحظ المراقبون أن حجم الحملة الانتخابية التي يقودها الهمة أكبر من منطقة الرحامنة بكثير، وهو العالم بنجاحه مسبقا لأن ترشحه في المنطقة ما هو إلا مرحة وجيزة ضمن استراتيجية ممتدة في الزمن منذ مدة؛ فنوع الشخصيات والوسائل التقنية الموظفة فيها، بما فيها “التبوريدة” يشير إلى أن الأمر لايتعلق فقط بمنطقة الرحامنة المهملة منذ قرون. ولذلك لا يمكن تبرير حجم هذه الحملة وطبيعهتا إلا بأمر واحد يدركه المتابع لها ولخلفيات الخطاب المؤطر لها: إن ترشح الهمة في الرحامنة ما هو إلا مرحلة تنتهي مباشرة عند عقد أول جلسة للبرلمان، وبعد تنزيل بعض مشاريع التنمية في إطار ما يسمى بالمبادرة الوطنية للتنمية، المؤجلة بحكم أن الواقع الرحماني إداريا وسياسيا غير مؤهل البتة لاستقبالها حيث لاشك أنها ستذهب سدى ويستفيد منها من يستفيد من خيرات الرحامنة دوما من النهابين الذين لم يصبح مرغوبا فيهم مع العهد الجديد. ثم بعد ذلك الفرار المنتظر تبقى الرحامنة في قبضة فقرها وتهميشها وجشع أخطبوط إفسادها وإدارتها المترهلة وعجزها الشامل حالة جاثمة على صدر الرحامنة التي لن تقدر حتى الدولة نفسها على حلها وفق وعود فوقية وأعمال سطحية وإجراءات تنموية ترقيعية. ساعتها سيصبح الهمة زعيما “وطنيا” فر من اعتقال محقق من طرف واقع الرحامنة إلى فضاء المغرب الفسيح من خلال فريق برلماني جديد، ربما، يؤسس لحزب “عتيد” ينشط المعارضة الجديدة ويفعل الحكومة القائمة في الأمد القريب والمتوسط على الأقل، ويكون عنصر التوازن الفعال والعمق المخزني الاستراتيجي للحقل السياسي مع العهد الجديد.

إنها المخزنة المعقلنة للحقل السياسي كما مُخزن الحقل الاقتصادي والاجتماعي، وغيرهما من مجالات الحياة العامة، وفق التصور الجديد للعهد الجديد.

سيفر الهمة من قبضة الواقع الرحماني وستنهار أطروحة المنقذ العظيم انهيار وعود العقود الماضية، ولكن كيف يمكن إنقاذ الرحامنة، ما هي شروط النهضة بها؟

2- شروط نهضة الرحامنةتستمد الرحامنة قيمتها من ثروتها البشرية وخيراتها الطبيعية وموقعها الاستراتجي الهام، فهي لن تنهض إلا بتحقيق خمسة مطالب أولية وفق عمل جماعي حر وكريم:

1- تحقيق انتفاضة عامة ومسؤولة لمحاربة الأمية وفك العزلة عن العالم القروي عبر تعبيد الطرق وفق مشروع تنموي بشري لا يخضع للسلطات المحلية بجميع أنواعها لأنها غير مؤهلة للقيام بهذه المهمة من جميع الجهات، ويرتكز على استراتيجية سياسية شاملة.

2- تطهير الإدارة تطهيرا شاملا وتنظيفها من أخطبوط خربها جملة ويورث التخريب لكل من جاء بعده،

3- قيام السلطات المركزية بواجبها الوطني تجاه المنطقة بمراقبة كل المسئولين إداريين ومنتخبين ومحاربة النهب الجشع الممارس من طرف كثير منهم، وامتلاك الجرأة الكافية لفتح الملفات القضائية عوض قمع المواطنين وتخويفهم وتجويعهم.

4- السماح بعمل جمعوي مجتمعي تقوده النخبة المثقفة من أبناء المنطقة وكل وطني غيور ونظيف يحاسب ويراقب ويحتج ويقترح ويساهم بكل إمكاناته في مشروع نهضوي تنموي شامل.

5- توظيف أبناء المنطقة ذوي الكفاءات الجيدة وعدم السماح لواقع الفقر والحرمان بتضييعهم وتشريدهم، وهو ما سيجعلهم يرتبطون بالمنطقة ارتباطا بانيا يضمن لهم الحرية والكرامة حتى يحصل الاختيار الحر يوم تقديم الأصوات من خلال صناديق الاقتراع، بدلا من المقاطعة التي لم تغطيها حملة الهمة التي جارت تجارب حملات رئيس أمريكا في انتخابات الرئاسة.

هذا إذا أريد فعلا تنمية المنطقة، أما إذا أريد الضحك على أذقان الرحامنة المساكين، فسنن الله في خلقه معلومة والتاريخ لا يرحم.