خرجت علينا وزارة التربية الوطنية كعادتها في مطلع كل سنة دراسية بشعار جعلته وسما للدخول المدرسي، واختارت هذا العام الحديث عن: “الأسرة والمدرسة وترسيخ السلوك المدني”، وهكذا بعد شعار الجودة هاهو شعار آخر ينضاف إلى سيل الكلام وفيض الأحاديث التي عودتنا أن تبدع الوزارة المصونة في صياغتها التركيبية وبنيتها الدلالية…!!!

والحق أن المتأمل في إبداعات الوزارة في تدبيرها للشأن التعليمي ببلادنا يجد أن كل ما تتقنه حقا هو إغراق الوسط التعليمي بسيل جارف من المفاهيم والمصطلحات التي تجعل الحقل التعليمي كمّا من “اللغات” التي هي من قبيل الجعجعة التي لا طحين وراءها ولا غاية ترجى بعدها، فتمضي السنة والسنوات فلا يبقى من هذه المصطلحات إلا الأثر حتى إنه لوجب أن تسمّى وزارتنا المصونة ب “معجم المصطلحات التربوية الأثرية”…ذلك أنه بعد مرور عشر سنوات على “طبخة” الميثاق لا التعليم تطور، ولا التربية تحققت، ولا التكوين تبين، إنما هي إعادة إنتاج رديء للسلوكيات نفسها وللممارسات ذاتها.

أين هي الجودة التي تحدثوا عنها آنفا؟! هل تحققت؟!.. وما مقاييس تحققها؟!.. وأين الدراسات العلمية المؤكدة لتحققها؟!..هذا طبعا إن وجدت أصلا أرضية لتحقيق الجودة؟، أم أن الأمر لا يغدو أن يكون ممارسة للقفز على حواجز المفاهيم دون جدوى؟!..ثم ما الذي تقصده الوزارة بترسيخ السلوك المدني؟:هل تقصد بالسلوك المدني التأسيس لعلاقات جديدة تقوم على حسن التعامل وجمال التصرف الحضاريين بين مختلف المكونات المتدخلة في تسيير العملية التعليمية التعلمية؟

أم تقصد به بناء آليات جديدة تنبني على الحوار المتبادل القائم على سماع الرأي والرأي المخالف دون تشنج أو ضيق؟

أم تعني به إعادة تجديد وظائف المدرسة في تربية الناشئة عوض الاكتفاء بتعليمها عبر الشحن المكثف لعقولها من دون تربية سلوكية عملية؟

أو ربما هي تقصد بالسلوك المدني إشراك الأسرة إشراكا حقيقيا في عملية التربية والتعليم بعد أن ظلت لعقود طويلة مجرد واجهة تزيينية تمثلها جمعيات آباء لا حول لها ولا قوة؟

إن الذي يمكن أن يفهم من الشعار المرفوع هو أن الدولة تريد أن تسهم الأسرة والمدرسة في ترسيخ تربية تنتج سلوكات مدنية من قبيل التعامل الجيد والبناء مع المحيط العام، وقبول الآخر، والاستعداد للحوار، وتجاوز العنف، والرضى بالاختلاف وغيرها من السلوكات الحضارية التي تساعد على تدبير التعايش الإنساني داخل المجموعات البشرية.

لكن الشعار في طياته يخفي غابة كثيفة من النوايا لا تكشف عن الخلفيات الموجهة والأرضية المنطلق منها، كما يخفي واقعا رديئا وصلت إليه المدرسة المغربية بفعل السياسات التعليمية المرتجلة التي أقحمت معها الناشئة التعليمية في دوامات الهدر والعنف والمخدرات وفقدان الجدية والفاعلية وسيادة العبث واللامعنى..

إن مفهوم “المدنية” يحيل على جيل من المصطلحات التي لها ارتباط بنسق معرفي نشأ في ظرفيات تاريخية معروفة منها “المجتمع المدني” في ارتباطه ب”الحرية” و”الديمقراطية” الملتصقة ب”اللائكية” المقصية للدين ومفاهيم الدين.

إن الحديث عن ترسيخ السلوك المدني في هذه الظروف بالذات خاصة بعد تزايد ظواهر العنف والهدر والمخدرات في المدرسة المغربية وآثار ذلك في تنامي ظواهر التطرف، هو حديث يريد أن يوحي من طرف خفي أو جلي بأن المسؤول عن هذه الظواهر هو بقايا الأفكار الدينية “الماضوية” التي تحول دون سيادة سلوك مدني حضاري خاصة تلك التي تتحدث عن الجهاد ومفاهيمه دون مفاهيم التسامح والحوار والصداقة والمشترك الإنساني.

ثم لو أننا قبلنا جدلا أن الشعار بريء براءة الدولة مما وصل إليه واقعنا التعليمي من رقي وازدهار؟؟…!!! فعن أي سلوك مدني تتحدث وزارة في ظل مخزن لا يؤمن إلا بالاستبداد ومصادرة الرأي؟!!

عن أي سلوك مدني تتحدث وزارة في ظل أسرة مشغولة بتدبير المعاش اليومي في ظل واقع اقتصادي متأزم؟!!

عن أي سلوك مدني تتحدث وزارة في ظل مدرسة مشغولة بتكديس التلاميذ داخل علب يسمونها أقساما وملء عقولهم بأشياء يسمونها دروسا؟!!

إننا في حاجة إلى تعليم يحررنا من قيود الاستبداد والاستعباد، ومن شراك مصطلحات ومفاهيم بنيت على أسس غير أسسنا وعلى أرضيات غير أرضياتنا.

في حاجة نحن إلى تعليم يحرر إراداتنا وعقولنا وسلوكاتنا لنؤسس مشروعا مجتمعيا ننطلق فيه من المؤصل الرباني من ديننا وننفتح فيه على الحكمة الإنسانية المبدعة.