لا أحد من الساسة تمنى أن يقف مكان وزير الداخلية وهو يخبر الرأي العام والإعلام بنسبة المشاركة الهزيلة في الانتخابات التشريعية ويحاول تبرير ذلك. فقد كان الرجل في موقف لا يحسد عليه، ويكفي لوحده كي تنمحي معه كل “مغانم” السلطة.

وكم كانت لحظة شديدة الحرج تلك التي بدا فيها “بن موسى” مرتبكا ومتلعثما، بالكاد يلملم كلماته الضائعة بين شفتيه لينشئ جمل الإخبار والتبرير، خاصة وأنه ألزم نفسه-أو ألزمه غيره- بقراءة نفس الخطاب لليلتين متتابعتين دون تمايز بينهما سوى الحصيلة النهائية لنسبة المشاركة “الشعبية” في اقتراع 7 شتنبر 2007.

فقد طلع علينا السيد الوزير ليلة الجمعة ليخبرنا بأجواء الانتخابات “النزيهة” وظروفها “المثالية” غير المسبوقة في المنطقة، قبل أن يخبرنا بنسبة المشاركة التي وصلت “34 % في حدود الساعة السادسة” أي ساعة قبل إغلاق الصناديق، لكنه علل النفس بأمنية بلوغ النسبة إلى 41 % بالنظر للوثيرة التي يسير بها الاقتراع.

رجع شكيب بن موسى مساء السبت ليعيد قراءة نفس الخطاب مؤكدا الأجواء الصحية والسليمة للانتخابات التشريعية، ثم تسلل ليذكر نسبة37 % النهائية للمشاركين في الاقتراع والتي لم تحقق الأمنية ولم تبلغ التوقعات المرتقبة، قبل أن ينخرط في استحضار سلسلة من المبررات المكملة للمشهد الكاريكاتوري.

فحينما انخرط في عرض الأسباب التي تسببت في هذا الرقم غير المتوقع بدا أن وزير الداخلية في ورطة حقيقية، إذ بقدر ما أثارت محاولاته التبريرية الاستغراب دفعت الكثيرين إلى الشعور بالشفقة على الرجل، نظرا لطبيعة المبررات المضحكة وأسلوب العرض المبكي.

شخصيا، رغم حرصي الشديد على “غض البصر” عن هذه “الميوعة السياسية”، انطبعت في ذهني هذه العبارة التي رددها السيد الوزير في الليلتين المختلفتين والخطاب الواحد، “نسبة المشاركة وإن كانت دون ما كنا نطمح إليه، فهي طبيعية”!!. قالها بعد أن ذكر نسبة المشاركة وقبل أن يأخذ في سرد المبررات.

وزيرنا في الداخلية حاول جاهدا، أن يرسم صورة وردية عن الانتخابات التشريعية الثامنة في تاريخ البلد، فقد دفعته “وطنيته” العالية و”غيرته” الحقيقية إلى الدفاع عن “التجربة الديمقراطية” الفتية للمغرب. وما يضر الرجل أن يُقدَّم كبش فداء لقداسة الوطن، أو لقداسة النظام السياسي بالأحرى، ما يضر؟! .

وزيرنا في الداخلية رأى، وهو يدافع عن صورة المملكة، أن النسبة “طبيعية” بالمقارنة مع الدول المجاورة الأسوأ حالا، وبالنظر إلى تجارب الدول الديمقراطية، واستحضر الظروف التي أحاطت بيوم الاقتراع حيث أجواء العطلة ما زالت مستمرة ورمضان على الأبواب والدخول المدرسي الذي شغل المواطن.

وزاد بعض الساسة والإعلاميين، مبرزين قدرات تحليلية ناذرة في علم الاجتماع السياسي، صلاة الجمعة التي استغرقت الوقت وقصعة “الكسكس” التي استدعت تجمع العائلة ومن تم الإغراق في الأحاديث والدردشات وربما الاستغراق في القيلولة. من يدري؟! وهذه كلها شواغل موضوعية توضِّح الظروف القاهرة والعقبات الجمة التي حالت دون أداء “الواجب الوطني”، وتبرر نسبة المشاركة التي “وإن كانت… فهي طبيعية”.

وزيرنا في الداخلية، ومن ورائه نظامنا السياسي، لم يكن معنيا بالتقاط الرسالة الواضحة التي وجهها الشعب المغربي ليلة السابع من شتنبر إلى الساهرين على صياغة وإقرار وتنفيذ السياسة في البلد، ولم ينظر إلى الصورة الحقيقية للوضع حيث المقاطعة العارمة والسخط الشعبي على مجمل اللعبة الانتخابية والعملية السياسية لأنه لا طعم ولا لون ولا رائحة لها، ومن تم فلا معنى لها.

وللأسف، أخطأت الأحزاب السياسية مجددا موعدها مع التاريخ ورفضت أن تصطلح مع الشعب، وفضلت إما أن تهرب إلى الأمام بتحميلها لنفسها مسؤولية العزوف وراحة تجلد ذاتها عوض نقد ذاتها، وشتان بين الأمرين، وإما أن تقفز على الحبل القصير بتحميل المسؤولية للشعب الذي غلَّب “الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية” في يوم الاستحقاق السياسي.

وفي الوقت الذي اختار فيه كل من النظام السياسي الفاعل والأحزاب السياسية المفعول بها، أن لا يسمعا صوت الشعب الذي علا مدويا وواضحا في سماء السياسة المغربية وأن لا يريا سلوكه السياسي الراقي في التعبير عن موقفه الناضج الذي ينم عن إدراك سياسي عميق، التقطت الفضائيات والقنوات والمراقبين والخبراء والصحف الحرة رسالة المغاربة وفتحتها فوجدتها مذيلة بعنوان عريض: “كفى عبثا أيها الحاكمون”.

أبان المغاربة خلال السنوات القليلة الماضية عن تراكم متسارع في بناء الوعي السياسي واتخاذ الموقف الحازم من هذا العبث، فمن 58.30 % شاركت في الانتخابات التشريعية لـ 1997 إلى 52 % في 2002 فـ 37 % سنة 2007، ومن 48 % قاطعوا انتخابات 2002 إلى 63 % طلقوا صناديق 2007 التي أخرجت مليون صوت اختار أغلبها أن يستنكر ويندد فوق أوراق التصويت. هذا إن “أحسنا الظن” بوزارة الداخلية التي عودتنا “الصدق”.

إنه بقدر ما تفرض رسالة الشعب المغربي التي صيغة بأحرف ذهبية يوم 7 شتنبر 2007 على الجميع احترام أصحابها وتبني مطالبهم، توجب استنكار واستهجان من يتجاوزها ولا يعتبرها. وعليه فقد عبَّر النظام السياسي الحاكم، حين تجاهل رأي المغاربة، على أنه لا يمثل كما يدعي اختيارا شعبيا، وأكد أنه يحكم بقبضة من حديد، وأن لا تفويض مجتمعي له في تدبير حياة 30 مليون إنسان. وهو مستعد أن يضحي بالجميع كي يستمر.

ومن تم فلا يهم نظام الحكم في المغرب أن يقدم إلى العالم وزير دولة بالشكل الذي عرض به “شكيب بن موسى”، حين كان يُرقِّع الأحرف والكلمات ويستدعي الأحاجي والأمنيات، ليقول لنا بأن: “نسبة المشاركة وإن كانت دون ما كنا نطمح إليه، فهي طبيعية”!!. إنها المهزلة.