الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

بسم الله نفتتح موسمنا الدعوي والسياسي بهذه الدورة المباركة، الدورة الخامسة عشرة لمجلس إقليم الدائرة السياسية، المنعقدة بمدينة فاس يوم السادس والعشرين من شهر شعبان سنة 1428 هـ الموافق للتاسع من شهر شتنبر سنة 2007 م.

نفتتح هذا الموسم وهذه الدورة معا بين يدي شهر الرحمة والغفران، ونحن نودع شهر شعبان، سائلين الله أن يكتب لنا بركاته، وأن يُبلِّغنا رمضان وألا يحرمنا رحماته.. آمين.

لقد اختار إخوانكم في الكتابة الإقليمية لهذه الدورة اسم ” دورة عمر محب ” استشعارا لأهمية المرحلة التي يعيشها الإقليم كباقي أقاليم القطر، حيث أصيب في أحد رموزه الذين طالهم بطش المخزن ظلما وعدوانا.. إننا نرى أن اعتقال الأخ عمر محب ـ عضو جماعة العدل والإحسان وعضو المجلس الإقليمي للدائرة السياسية ـ لا ينبغي حصره في المفهوم الشخصي الضيق للاعتقال، بل هو اعتداء على جماعة العدل والإحسان في مسلسل الظلم والشطط الذي يمارسه المخزن اتجاهها منذ عقود، وبشكل أشد وطأة منذ أكثر من سنة… إن اعتقال الأخ عمر واستمراره إلى الآن ـ رغم انتفاء أدلة الإدانة حول التهمة الملفقة إليه ـ يُعد وصمة عار، ووشم دناءة على جبين مخزن العهد الجديد.. وبالمناسبة نقف وقفة إجلال وتقدير لشموخ الأخ عمر محب، وتحديه لمحاولات التركيع التي واجهها بدءا من المساومات حول انتمائه،فإغراؤه بتسخيره ضد الجماعة، ثم صبره على مرارة الظلم والاعتقال، وتفويض أمره إلى الله، على أن يخذل جماعته وإخوانه… ومن خلاله نحيي فرسان البطولة والإباء، إخواننا الاثني عشر، المرابطين في معتقل بوركايز.. وكل من صبر على مكابدة ظلم الاعتقال أوالمتابعة في حريته ورزقه وعمله من أبناء جماعة العدل والإحسان.. ومن خلالهم جميعا نحيي كل المغاربة الذين قالوا لا للطغيان..

إخواني الكرام :

نعقد الدورة 15 لمجلسنا ونحن نستحضر العالم المَوَّار من حولنا.. تتلاحق الأحداث وتتزاحم.. لكن العنوان الكبير الذي يحاول أن يظل على السطح هو السعي لفرض النظام العالمي الأمريكي الصنعة والإخراج.. أقول يحاول أن يطفو على السطح لأن مؤشرات إفلاس السياسة الأمريكية باتت واضحة للعيان في كل من أفغانستان والعراق، وفي الممانعة والرفض المتصاعد هنا وهناك، خاصة من القوى الشعبية المُحرِجة لحكوماتها في أنحاء العالم.. وتبقى سياسات الحكومات العربية المرتهنة بالخيارات الأمريكية الفاشلة أهم ما يطبع الوضع العربي في ظل مخططات التشتيت والتقسيم في أكثر من منطقة عربية ( العراق، فلسطين،لبنان، المغرب العربي..) إرضاء للصهيونية العالمية ووكلائها.. ومع ذلك فالأمل معقود على اليقين الراسخ لدى قوى الرفض والممانعة في هشاشة ما هوقائم، وإيمانها بالتضحية والصمود حتى تحقيق التغيير المنشود…وفي هذا الإطار نحيي المقاومة الإسلامية في فلسطين، ونندد بالحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، ونحذر كباقي الغيورين على الأمة والملة من تبعات مؤتمرالسلام الصهيو أمريكي المزمع عقده…كما نحيي الخيارات الديمقراطية الناجحة في كل من تركيا وموريطانبا، ونقول بلسان واحد : الخزي والعار لتكرار التجارب بنفس النمط المهزلي في أكثر من قطر عربي سواء كانت انتخابية أو تدبيرية..

هذا على المستوى الخارجي، أما على المستوى الوطني فإن المتتبع لا يكاد يُلامس بارقة أمل وسط ركام الفساد والفشل الذي أفرزته السياسة المخزنية في تدبير الملفات الكبرى ( التنمية والشغل ـ الإقلاع الاقتصادي ـ ملف الصحراء ـ الملف الاجتماعي بأبعاده المختلفة… )،ينضاف إلى هذا استمرارالنهج المخزني العتيق في تدبير الملف الأمني وما صاحبه من اعتقالات عشوائية في كل مكان.. وما خلفته تداعيات المذكرة السرية الموجهة للحاميات العسكرية من ضحايا في الأجهزة الإدارية والأمنية والإعلامية على حد سواء، ومن استياء لدى جميع الأوساط… ولا ندع الفرصة تمر دون أن نقف وقفة تنديد ورفض لما لحق بالمجال الحقوقي من انتهاكات وتجاوزات خطيرة في حق الصحافة والإعلام (وبالخصوص التضييق والمتابعة في حق صحف إلى حد التوقف كما وقع للصحيفة ولوجورنال.. ومتابعة الصحافيين قضائيا…) بالإضافة إلى خنق الحريات العامة وقمع الوقفات الاحتجاجية في ساحات الرباط وفي كثير من المدن، وبمناسبة فاتح ماي.. ثم الاعتداء الدنيء على المعاقين وحملة الشهادات العليا،وغيره كثير… مما يؤشر على زيف وكذب الشعارات الموظفة من طرف المخزن..

إلا أن أهم ما يسِم المرحلة التي نعيشها هو الفشل الذريع في إنجاح ما يسمى ” بالاستحقاقات الانتخابية “، حيث ستظل 7 شتنبر 2007 وما سبقها شاهدا تاريخيا على رفض الشعب للوضع القائم تخطيطا وتدبيرا، واستهجانه للمشهد السياسي في صورته الحالية… إن المقاطعة التي شنَّتها الجماهير الشعبية تلقائيا ضد التسجيل في اللوائح الانتخابية، وضد التصويت، ثم عدم التجاوب مع الحملات الانتخابية الباهتة لهي أكبر دليل على فشل المخزن ومن يدور في فلكه في قيادة المغرب إلى بر الأمان ضد التحديات الداخلية والخارجية، بل هي أصدق صوت ينادي بالتغيير..

وفيما يتعلق بجماعة العدل والإحسان نسجل بكل اشمئزاز واستنكار وإدانة استمرار حملات التشويش على الإشعاع الدعوي والسياسي للجماعة، وتشديد الخناق عليها منذ أكثر من سنة، وملاحقة الأعضاء في حياتهم وحرياتهم وأرزاقهم في خرق سافر لحقوق الإنسان..وما تبِع ذلك من حرمان الجماعة ـ أكبر قوة سياسية في البلد ـ من فرص التواصل مع عموم الشعب المغربي ( مصادرة منابرها الإعلامية، وحرمانها من استعمال الفضاءات العمومية، وخنق وحصار قنواتها الجمعوية…). إلا أنه وبالرغم من السياسة المخزنية المقيتة في وأد صوت الجماعة، وشل حركتها، وكبح جماح إشعاعها.. فإن العمل السياسي للجماعة قد اكتسح مساحة واسعة من الاهتمام الإعلامي الداخلي والخارجي، وتخطى صوته وصورته جدارات الحصار العازلة ليصل إلى عموم الشعب المغربي، وإلى المتتبعين من الرأي العام العالمي..

كما أن أهم ما يميز هذه الدورة أنها تصادف السنة الأخيرة من المخطط الثلاثي الثاني في عمل الدائرة السياسية، والسنة الأخيرة قبل انصرام العقد الأول منذ الإعلان عن إحداث الدائرة السياسية سنة 1998 م.. وهي مناسبة للوقوف بالتقييم والتقويم لعملنا السياسي وموقعه من المشروع المجتمعي الذي ترفعه جماعة العدل والإحسان… ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : ما القيمة المضافة للعمل الدعوي والإشعاعي لجماعة العدل والإحسان بعد إحداث الدائرة السياسية ؟

لقد كشفت تجربة الدائرة السياسية عن عمل تخصصي جاد ومسؤول، أفرز بحمد الله أطرا سياسية متخصصة على المستوى القطري والمحلي، سواء تعلق الأمر بمجال الدراسات أو العمل الميداني القطاعي أو الإعلامي أو التدبيري بشكل عام.. والأفق واعد، بإذن الله، بكفاءات أكثر حنكة وتجربة..

وبالمناسبة ننوه بالعمل الإعلامي قطريا وإقليميا، وبالقفزة التي حققها سواء على مستوى التعاطي مع الخبر والتعليق والتحليل السياسي، أو على مستوى التجارب الإعلامية المحلية.. كما نقدر الجهود المبذولة في الشأن الحقوقي قطريا وإقليميا، ونثمن ما حققته مكاتب الدراسات من إنجازات، ونشجع جهود المنتديات المحلية في تقوية وتعزيز مسيرتها… وننوه بالتجارب المتميزة في الإقليم كتجربة المسرح الجامعي، وتجارب القطاع النسائي في بعض الفروع، فضلا عن تجارب الحضور الوازن والفاعل في قضايا الشأن المحلي في أكثر من فرع..

إنه وبالرغم مما تحقق في عمل الدائرة السياسية ـ إقليميا ومحليا ـ على مستوى تثبيت العمل المؤسسي، واكتشاف طاقات وأطر، وتدشين تجارب متميزة، وإنجاح مشاريع.. إلا أنه مع ذلك تبقى مساحة العمل السياسي في كثير من المناطق محتاجة إلى المزيد من التخصيب والاستثمار.. وسيلتنا في ذلك العمل بالمشاريع والفُرُق، ومرجعيتنا الانضباط للثوابت المنهاجية وتوجيهات المخطط الثلاثي، وأفقنا تقديم النموذج الناجح على مختلف الأصعدة…

ويبقى رهاننا المفتوح على مكونات الشعب المغربي هو إنجاح دعوتنا لميثاق جامع، والاجتهاد في السبل لإيصال فكرة الميثاق للفرقاء والفضلاء، والصبر عليهم للاقتناع بها كأنجع مدخل للتغيير…

وبموازاة ذلك يُلزِمنا المخطط الثلاثي بواجهات أساسية في عملنا السياسي، تجدونها مُبوَّبة في مشروع البرنامج السنوي الذي سيُعرض عليكم للتداول والمناقشة، والتي ستنقلونها إلى فروعكم للتدقيق فيها ـ إجرائيا ـ تحقيقا للانسجام الذي ينبغي أن يطبع عملنا السياسي..

وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير… والسلام عليكم ورحمة الله.