ما وقع يوم 7 شتنبر 2007 يعتبر لحظة حاسمة في تاريخ المغرب، لحظة عبر فيها الشعب المغربي عن موقفه بكل قوة وشجاعة، لحظة انعتق فيها من كل القيود والتخويف والتهديدات التي عاش تحت وطأتها عقودا طويلة والتي اشتعل لهيبها أكثر مع اقتراب يوم الاقتراع في محاولة يائسة من المخزن للتأثير على المواطن. لحظة قال فيها الشعب كلمة واضحة لا مجال معها للتلبيس ولا اللف ولا الدوران رغم كل محاولات الضغط التي مورست ضده قبيل الانتخابات ولعل أشدها وصف من يعترض على مهزلة الانتخابات المخزنية أو حتى من يجرؤ على التشكيك فيها بأنه عدمي، لكن اتضح جليا أن الشعب انحاز إلى الإيجابية الصريحة الصادقة وأن العدم كل العدم هو الإصرار على سياسة العبث بمصير ومصالح الشعب، ولا عدمية أقبح من النفاق السياسي الذي كان يحسب أنه يمكن الاستمرار في الالتفاف على الحقيقة فاستيقظ على حقيقة أشد مرارة وهي أنه كان يحجب الشمس بالغربال.

أما عن دلالات نسبة المقاطعة فيمكن تركيزها في بعض النقط منها:

– إنها نتيجة كانت متوقعة من قبل كل المتابعين، وعندما كنا نحذر من مثل هذا الموقف الحرج لم نكن نجازف أو نناور إنما كان ذلك من مبعث الغيرة على بلدنا ورغبة منا في ربح الوقت عوض ركوب مغامرة معاندة الواقع انطلاقا من ثقة زائدة في النفس لدى البعض أو مراهنة على وسائل التضليل والبهرجة لدى الباقين، وكلا المنطلقين أديا ليس فقط إلى مجازفة احتمالية إنما كانت انتحارا محققا، وطالما حذرنا من هذا المنزلق.

– إن الحقيقة أفظع مما أعلنوا عنه لأن نسبة 37 في المائة مزيفة وهي في الحقيقة نسبة مالية بحساب البورصة وليس بحساب البشر ولم نكن أمام مناسبة انتخابية إنما كانت سوق تجارية راجت فيها الأموال بالفاضح، كما استعملت فيها كل الوسائل المخزنية العتيقة خاصة في القرى والبوادي من خلال الاستبزاز بالوثائق الإدارية والتهديد بالحرمان من القروض الفلاحية وغيرها.

– ثم إن رقم 37 في المائة ليس نهائيا في انتظار رقم آخر حاسم وهو عدد البطاقات الملغاة والبيضاء والتي تكون دائما كثيفة فما بالنا هذه السنة.

– هذه النتيجة أوضحت بالملموس من هو المعزول عن الشعب، وسيتضح الأمر الأكثر لو أفرجوا عن الأرقام التفصيلية حتى نعرف عدد أصوات كل حزب.

– هي نتيجة تؤكد معادلة سياسية مهمة وهي كلما كان حرص أي حزب على إرضاء المخزن بأي ثمن تكون الحصيلة ثمنا غاليا مخصوما من ثقة الشعب والمصداقية لديه. مع العلم أن المخزن يحاول أن يكون مستفيدا في كل الأحوال ولو كان ذلك على جثث ورصيد الكل، وكلنا نرى اليوم كيف يسعى لإلصاق كارثة الانتخابات بالأحزاب والشعب فيما يحرص على تقديم نفسه في صورة من وفى بكل التزاماته. لكن هذه المرة عبر الشعب عن رفضه المطلق لهذا التلاعب الممجوج، فهل تفعل الأحزاب شيئا من ذلك؟ نتمنى ذلك ونرجو أن تكون مناسبة لاتخاذ العبرة واستعادة الإرادات السليبة والانطلاق من الحقائق كما هي، وأم هذه الحقائق أن المشكلة سياسية وليست تقنية، المعضلة هي الاستبداد وإلغاء إرادة الشعب وقواه السياسية، ووفق منطق التاريخ القديم والحديث فإن الاستبداد لا يمكن أن ينتج إلا الكوارث. لكن مع الأسف بدأنا نسمع ونرى من يحاول مرة أخرى أن يلتجأ إلى التضليل بإنحاء اللائمة على نمط الاقتراع وتوقيته وكثرة الأحزاب في حين أن كل ذلك نتيجة لمشكلة واحدة وهي الاستبداد.

– هذه النتيجة تعبر عن خلاصة يقينية أصبحت هي المؤطر لأغلبية الشعب المغربي وهي الاقتناع النهائي بعدم جدوى سياسة الواجهة والترقيع وأن المطلب الوحيد اليوم هو إصلاح سياسي جذري. وبهذه المناسبة أؤكد ألا سبيل إلى إصلاح حقيقي من غير التفاف الشعب وكل قواه الصادقة حول مشروع سياسي جديد مبني على ميثاق يضمن المقومات الأساسية لبناء دولة العدل وأساسها دستور حر تشترك في صياغته كل قوى البلد ويصادق عليه الشعب بحرية.