درس آخر تسوقه الأقدار إلى الطبقة السياسية بالمغرب، إنه النسبة غير المسبوقة لمقاطعة الانتخابات، فحسب المعطيات الرسمية بلغت نسبة المقاطعة 63%، إذ لم يشارك حسب وزارة الداخلية إلا 37% من المغاربة في انتخابات 7 شتنبر 2007. أقول حسب وزارة الداخلية، لأنني لا أستبعد “النفخ” في نسبة المشاركة، فالذين شاهدوا شاشات التلفاز لاشك انتبهوا إلى قلة الإقبال على مكاتب التصويت، إذ لم تتضمن المشاهد في كثير من الأحيان إلا فردا أو فردين، كما أن صناديق الاقتراع في كل المشاهد تقريبا كانت شبه فارغة، حتى بعد إغلاق مكاتب التصويت. عندما لا تجد القناة الأولى أو الثانية ما تنقلانه إلا تلك المشاهد على علاّتها فإن ذلك دليل واضح على حدة العزوف عن التصويت.

وفي انتظار تسليط المزيد من الضوء على حقيقة هذه النسبة في تقارير ملاحظي الانتخابات نسلّم بنسبة 37% التي اعتبرها العديد من الفاعلين السياسيين والجمعويين حدثا خطيرا يستدعي فتح نقاش بين مختلف الأطراف. ولعلّ ما يزيد في خطورة الأمر عدد الأوراق الملغاة الذي بلغ 19% حسب بعض وسائل الإعلام، مما يعني أن الأصوات المعبر عنها بقيت في حدود 4،5 ملايين – 4645350- من مجموع 15,5 مليون. فالمشاركة الفعلية في انتخابات 7 شتنبر إذن اقتصرت فقط على ربع المسجلين في اللوائح الانتخابية. مع العلم أن عددا مهمّا من الناخبين لم يسجّل في اللوائح. لماذا كل هذا العزوف يا ترى؟

بكل تأكيد لا يتعلق الأمر بضعف التعبئة، لأن الدولة سخّرت من الأموال والإمكانات لتعبئة المواطنين من أجل المشاركة في الانتخابات ما لم يسبق لها أن سخّرت مثله، فالملك دعا بقوة في خطابيه الأخيرين إلى التصويت، كذلك فعلت الأحزاب، وبعض هيئات المجتمع المدني تجنّدت لدعوة الناس إلى المشاركة، فجمعية “2007 دابا” جابت ربوع المملكة ونظمت العديد من الأنشطة، وبلغ بها التفاؤل إلى أن 70% من المغاربة سيشاركون، وعلى مستوى الإعلام تمّ استعمال أحدث وسائل الاتصال من مواقع ورسائل إلكترونية ووصلات إشهارية… ووزارة الداخلية بدورها لم تتخلّف عن مهمتها التعبوية من خلال بلاغاتها وتوفيرها لكل المعطيات المرتبطة بالانتخابات، ودخلت كل الأطراف في “لعبة الأرقام” من أجل إضفاء التميز على انتخابات 7 شتنبر، كلّ ذلك من أجل دفع الناخبين إلى التصويت.

جهود كبيرة لا ينكرها أحد، لكن مرة أخرى يبقى ذلك جعجعة بلا طحن. فما السبب؟

بعض السياسيين يأبون إلا أن يستمروا في شرودهم ويكتفون بقولهم إن النسبة المعلن عنها دليل على الشفافية، وأن النسبة الحالية لا يمكن مقارنتها بالنسب السابقة التي كان يتم النفخ فيها، وينسون أو يتناسون أن نفس الكلام قيل في انتخابات 2002، وأن النسب المزورة السابقة يستثنى منها حسب تصريحاتهم على الأقل النسبة المعلن عنها في 2002، فلماذا لا يقارنون بين 37% و52%؟

ثم هل يغني التغني بالشفافية عن الوقوف عند الظاهرة واستخلاص العبر والدروس؟

ومنهم من ذهب إلى أن تلك النسبة طبيعية بالمقارنة مع ما يجري في بعض الدول الديمقراطية، ولا ندري عن أي دول يتحدثون، هل المقصود الانتخابات الأخيرة في فرنسا وتركيا، وموريتانيا التي لا تصنف في الدول الديمقراطية أصلا؟، أم المقصود ما جرى من فضائح في الجزائر ومصر…؟

وهناك من الباحثين مَن عزا ضعف المشاركة إلى مجموعة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة منها:

– تاريخ يوم الاقتراع والظروف المحيطة به (العطلة، رمضان…).

– ضعف الأحزاب على جميع المستويات (إيديولوجيا، تنظيميا، تواصليا…).

– غياب ثقة الناخبين في الأحزاب والمؤسسات من برلمان وحكومة وغيرها…

– صورة البرلماني عند المواطن المغربي، والتي لا تخرج عن النوم في البرلمان والسعي لقضاء المصالح الشخصية.

– كثرة الأحزاب مما تسبب في حيرة الناخبين، ليفضل بعضهم نتيجة ذلك عدم الذهاب إلى مكاتب التصويت.

– النظام الانتخابي المعقّد الذي لا يساعد على المشاركة في وسط اجتماعي يعرف نسبا عالية من الأميين وأنصاف المتعلمين.

هذه الأسباب وغيرها لها وجاهتها لكن أعتقد أن النقاش السياسي حول هذه الظاهرة ينبغي أن ينطلق من التركيز على سببين رئيسيين، تبقى كل الأسباب الأخرى نتيجة لهما.

أولهما: شعور عام بغياب أي جدوى من الانتخابات، هذا الشعور لا يرتبط بخطاب سياسي يدعو إلى التيئيس، كما ذهب إلى ذلك خالد الناصري، ولكنه شعور تكرسه عناصر النسق السياسي، وتؤكده الممارسة السياسية.

فالمغاربة لا يلمسون أي علاقة بين القرار السياسي والحكومة والبرلمان والانتخابات، ولا يمكن أن يلمسوا أي علاقة في ظل الدستور الحالي.

يذهب بعض السياسيين إلى أن المشكل في المواطنين، هم الذين لا مبالاة لهم بالشأن السياسي، ولا وعي لهم بأهمية الانتخابات. وهذا شرود واضح من النخبة، وهروب من الحقيقة التي هي أن الانتخابات في المغرب في ظل الشروط الدستورية والسياسية الحالية تبقى دون أي رهان سياسي، والمواطن المغربي في ظل ثورة الاتصالات، وفي ظل الظروف المحيطة به، أصبح أذكى من أن يشارك في انتخابات لا أثر حقيقي لها على القرار السياسي.

ثانيهما: القبول بعمل سياسي داخل حدود مرسومة سلفا. إن السياسة قبل كل شيء تعني الاختيار الواضح. والتنازل عن الاختيارات والدوران فقط في فلك اختيار واحد ووحيد، هو ما أضر بالسياسة وميّع العمل السياسي بالمغرب.

إننا نعيش في المغرب حالة من الاختزال السياسي الرهيب، فالتعددية السياسية مختزلة في تعددية تنظيمية، والزمن السياسي مختزل في اللحظة الانتخابية، والموقف السياسي مختزل في الاصطفاف وراء المبادرات الملكية…

إن الأحزاب السياسية وصلت إلى ما وصلت إليه من ضعف وترهّل، ليس بسبب اختلالات ترتبط ببنائها التنظيمي وقدرتها التواصلية، هذا جزء، لكن الجزء الأهم يرتبط بقبولها العمل داخل حدود دستورية وعرفية تجردها من الحرية في الاختيار والموقف والمبادرة.

ما حدث يوم 7 شتنبر مؤشر خطير، لكن الأخطر منه أن تستمر النخبة السياسية في شرودها، فتخوض من جديد غمار نقاشات مستفيضة حول الوزير الأول والحكومة المرتقبة والبرنامج الحكومي وقانون المالية، وتنسى، أو تتناسى، أن كل ذلك في ظل الشروط السالفة الذكر لا يزيد أغلب المغاربة إلا سخطا وعزوفا.

الحوار العميق والمسؤول أصبح اليوم ضرورة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولعل ما لم يتم الانتباه إليه هو أن أحداث العنف الأخيرة بالمغرب حدثت في ظل النداءات المتكررة للتسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في الانتخابات، وكأنها رسالة مفادها أن غياب شروط سياسية حقيقية لا يعني إلا المزيد من العنف. لا قدّر الله.

خطاب غريب ذلك الخطاب الذي يصنف المغاربة إلى فسطاطين، خيّرين وأشرارا، إيجابيين وعدميين، متفائلين وتيئيسيين، ناظرين إلى كل الكأس، وناظرين فقط إلى النصف الفارغ…

إن حب المغاربة، كل المغاربة، لبلدهم أمر يبقى فوق كل مزايدة سياسية أو غير سياسية، ولا سبيل لتأكيد هذا الحب وبناء مغرب الجميع من أجل الجميع إلا بحوار جاد يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين، بعيدا عن التصنيفات المجانية التي لا تخدم المغرب في شيء.