إن أصحاب المقاربة البرنامجية اليوم يؤمنون أن النسق السياسي القائم هو الأصلح، وإن كانت تلزمه بعض الإصلاحات فيمكن القيام بها من داخله. وهم يسلمون بصلاحيات السلطة الملكية ولا ينازعونها شيئا إلا أن تقدم لها مقترحات شكلية في أدب جم؛ تتناغم مع ما ورثناه من آداب سلطانية.

إن المؤسسة الملكية لا تؤمن بأن تترك كرسي الحكم فارغا أو لغيرها، ولا تقبل أية قوة قد تنازعها شرعيتها واختصاصاتها الكثيرة، وتقدم نفسها على أنها مؤسسة يمكن أن تجدد خطابها ومشروعها المجتمعي، وأي حديث من طرف البعض عن مشروع مجتمعي بديل تستشعر أنه يستهدفها قبل أن يستهدف غيرها. لذلك تسعى دوما لتكون مسلماتها مسلمات أي تنظيم يسعى للانخراط مرضيا عليه في اللعبة السياسية.

إن مفردتا “الدولة الإسلامية” و”الدولة المدنية” تغدو في الحقل البرنامجي بلا معنى. فإسلاميو اللعبة يقتنعون ويقنعون غيرهم أن الدولة مرجعيتها الإسلام بنص الدستور؛ وبسلطة إمارة المؤمنين، كما يعتبر ديمقراطيو السلطة الحاكمة بأن هذه الدولة تمثلهم، بمرجعيتها العلمانية في التشريع؛ وبإمارة المؤمنين التي تقف دون الإسلاميين ومطالبتهم بتطبيق الشريعة.

ليس هناك أفضل مما هو كائن. هذا هو الشعار الجامع بين الرؤيتين اللتين تختلفان منطلقا، وتلتقيان منهجا ومقصدا وغاية.

إن التحالفات الحزبية في هذا الحقل لا تعترف بالمعطيات الفكرية النظرية، ولا تعطي اعتبارات كبيرة للإيديولوجيا، ولا تجعل الأولوية الأولى في عقدها الانسجام بين الأنساق الفكرية. إن حزب العدالة والتنمية مثلا يتحرك في الساحة ببراغماتية ظاهرة تجعله يدير الظهر لأبناء الصف الإسلامي، لأنه لن يربح شيئا بتحالفه مع تنظيمات توجد خارج الحقل السياسي الرسمي، كما لن يفيد الحزب العمل على استنهاض الهمم من أجل غد دولة إسلامية يعتبرها قائمة بكل شروطها.

إن نفس التحليل يمكن تنزيله مع أطراف سياسية أخرى تنتمي إلى تيارات مغايرة، فالاتحاد الاشتراكي ما عاد يتحدث عن أحزاب إدارية، ولا يجد اليوم أي مشاحة في التحالف وتشكيل حكومات معها، بل هي مقدمة عنده، بسبب قوة حضورها في البرلمان، على تنظيمات اليسار الضعيفة، والتي من المفروض أنها تشاركه “هويته التقدمية”.

إن أصحاب المدخل البرنامجي يجمعون على الحفاظ على بنية النظام السياسي، ويصطفون خلفه ضد كل من يهدده، ويدافعون عن ثوابته، ويزينون الواقع في أعين الناس، مع الاختلاف في بعض التفاصيل اللازمة لإعطاء حيوية للنسق السياسي بما لا يهدد أطروحاته، ويظل وضعهم أنهم يجعلون أنفسهم أطرافا في لعبة يعلمون أنهم ليسو من ينسج خيوطها أو يحدد قواعدها، كما يحفظون للمؤسسة الملكية علوها عن لعبتهم، فلا تعد أبدا طرفا من أطراف النزاع، بل الحَكم الواجب طلب وساطته في كل ما عسر من النزاعات.

وتجمع كل قوى الحقل السياسي الرسمي مع ولي النعمة في الدعاية للانتخابات المعلوم سلفا أنها لا تغير من المسار السياسي للمغرب شيئا، ومع ذلك يجمع كل هؤلاء على اعتبار تحدي رفع نسبة المشاركين في يوم الاقتراع تحديا وجوديا، وإثباتا لكل مهتم أن لعبة سياسية كهذه مقبولة من طرف الجميع، لذلك يعد أي نكوص شعبي عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، أو لامبالاة بوضع أوراقهم في الصناديق الزجاجية السحرية تهديدا للنسق السياسي المغربي بكامله، وإتيانا لبنيان طروحاتهم النظرية والعملية من القواعد، إذ أنه من المعلوم في الفقه السياسي أن اضمحلال المشاركة الانتخابية من طرف الشرائح الشعبية يعد حكما سلبيا على السلطة، وتعبيرا عن عدم رغبة الشعب في تقديم قبوله العلني بطبيعة النسق السياسي القائم، ولجوئه لأساليب المعارضة السلبية بالامتناع عن التصويت، والتي قد تتطور مع مرور الأيام ووجود قوى مجتمعية تؤمن بالتغيير من خارج النسق الرسمي إلى معارضة فعلية تتخذ أشكالا تعبيرية تجعل المتحكمين في السلطة يتصببون عرقا بمجرد التفكير في سيناريوهاتها المتعددة.