منظمة مراسلون

بلا حدود

دفاعا عن حرية الصحافة

إلى جلالته

الملك محمد السادس

القصر الملكي

الرباط، المغرب

باريس، في 30 آب/أغسطس 2007

جلالة الملك،

في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، كرمّتم الصحافة المغربية واصفين الصحافي “بالفاعل الأساسي في الحياة العامة الوطنية” و”شريك لا محيد عنه في بناء الصرح الديمقراطي”، حتى أنكم اعتبرتم أنه “لا سبيل لنهوض وتطور صحافة جيدة دون ممارسة لحرية التعبير”. ولا شك في أنكم التقيتم بهذا القول مع جدكم محمد الخامس الذي أعلن في العام 1956 في لقائه مع الصحافة أن: “الخبر مقدّس والتعليق حر”. ولم يخفِ الديمقراطيون فرحتهم آنذاك: فقد بدأت المملكة تغيّر اتجاهها باندفاعكم لأنكم كنتم تجسّدون الأمل، كل الأمل.

إلا أن وعودكم بقيت مجرّد وعود. وتشهد الأرقام والوقائع على أنكم لم تفوا بالتزامكم. فمنذ أن تولّيتم مقاليد السلطة، تعرّضت 34 مؤسسة إعلامية على الأقل للرقابة وحكم على 20 صحافياً بعقوبات بالسجن بموجب قانون الصحافة والقانون الجزائي أو حتى القانون المناهض للإرهاب.

من شأن هذه الاعتداءات المتكررة على حرية الصحافة أن تشكل مصدراً للذهول والوجوم: فلا تشرّف هذه الإدانات نظامكم كما لا تشرّف عدالة تبدو خاضعة للسلطات. ولا يمكنكم أن تعتبروا أن المغرب منفتحة على المستقبل والحياة العصرية فيما تعاملون الصحافة على النحو، هذه الصحافة التي يستحيل التحدث عن الديمقراطية من دونها.

اليوم، نرغب في إطلاق جرس الإنذار. فالمغرب واقفة على منحدر خطر. ولا شك في أنكم تتحملون المسؤولية عن هذا الوضع لا سيما أن احتجاز الصحافيين، التي ظننا أنها باتت ممارسة بالية، قد عادت لتصبح واقعاً بديهياً تماماً كالمصادرات والمحاكمات الجائرة التي تزداد يوماً بعد يوم. فالكلمة الفصل هي للخوف والرقابة الذاتية هي الآمرة الناهية. والنتيجة واضحة: توقّف عجلة التقدّم الذي تنادون به.

وعلى رغم هذا الوضع المتدهور، تمكّنت الصحافة المغربية من اكتساب حرية لطالما حرمت منها. وقد نوّهنا، كما الكثيرين، بالتقدّم الملحوظ في هذا الصدد. ومع أن عدداً كبيراً من المواضيع لا تزال محرّمة، إلا أن الصحافيين باتوا يجرؤون نوعاً ما على معالجتها أكثر من الماضي. وقد ساهم هذا التطور في تحسين صورة المملكة على الساحة الدولية. ولكن ماذا عن اليوم الذي أصبحت الإدانات القاسية والجائرة تزداد فيه باستمرار؟

إلا أننا لم نخفِ تفاؤلنا يوماً. فمنذ توليكم مقاليد السلطة، ذكّرتم بإصراركم على “بناء دولة القانون وحماية حقوق الإنسان”. وقد دفعتنا أعمال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ومكتب الشكاوى إلى تصديق التقدّم المحقق.

للمرة الأولى منذ عام، التقينا وزير الإعلام السيد نبيل بن عبدالله. وقد أجرينا لقاءات أخرى سمحت لنا بإطلاق الجدل حول تقدّم المشهد الإعلامي المغربي. إلا أن هذا الحوار لم يؤدِ إلى أي خطوة ملموسة.

رحّبنا بإعلان حكومة ادريس جطو في شباط/فبراير 2007 عن مشروع جديد يقضي بإصلاح قانون الصحافة  ينطوي القانون الحالي المعدّل في العام 2002 على 26 مادة على الأقل تلحظ عقوبات بالسجن. وبعد حصولنا على نسخة عن النص المعدَّل، وجهنا رسالة إلى رئيس الوزراء في 12 تموز/يوليو الماضي لنعرض ثغرات هذا النص عليه. فلم نتلقَ أي جواب منه إلى الآن.

في هذا السياق، لا بدّ من التساؤل: ما الفائدة من وضع قانون جديد للصحافة فيما لا تزال نصوص أخرى مستخدمة للحد من عمل المحترفين في القطاع الإعلامي؟

اسمحوا لنا بتذكيركم بما حصل منذ بداية هذا العام. تبدو لنا هذه اللائحة الطويلة معبّرة، بل معبّرة جداً. بدأ العام 2007 بمصادرة المجلة الأسبوعية نيشان من دون استئناف ومن ثم تعليقها لمدة شهرين. وقد كلّف الملف بعنوان “النكت: كيف يسخر المغاربة من الدين والجنس والسياسة” الصحافيين ادريس كسيكس وسناء العاجي السجن لمدة ثلاثة أعوام مع وقف التنفيذ فضلاً عن غرامة تبلغ 80000 درهم بتهمتي “الإساءة إلى الدين الإسلامي” و”نشر وتوزيع كتابات منافية للأخلاق والآداب”. وقد اختار هذان الصحافيان عدم الاستئناف خوفاً من تمديد مدة تعليق نيشان.

بعد بضعة أشهر، وجد صحافيان آخران يعملان في المجلة الأسبوعية الوطن الآن نفسيهما وسط زوبعة قضائية إثر نشرهما مذكّرة صادرة عن أجهزة الاستخبارات. فقد استدعي كل من عبد الرحيم أريري ومصطفى حرمة الله للاستجواب في 17 تموز/يوليو 2007 واحتجزا بموجب الرقابة المشددة لمدة ثمانية أيام أدينا على إثرها استناداً إلى المادة 571 من القانون الجزائي بتهمة “إخفاء مستندات تم الحصول عليها بواسطة الجريمة”. ولم توفّر الشرطة القضائية ونيابة الدار البيضاء أي وسيلة للحصول على المعلومات التي يملكانها بتجاهل تام للمصادر، حجر الزاوية لحرية الصحافة. وفي نهاية المحاكمة التي بقي القاضي فيها أصماً لمطالب الدفاع، حكم على مصطفى حرمة الله بالسجن لمدة ثمانية أشهر، وهي عقوبة يقضيها حالياً في سجن عكاشة، فيما حكم على مدير النشر عبد الرحيم أريري بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ. ودونما التقليل من دقة المعلومات التي نشرتها الوطن الآن، نرى أنه لا يجوز أن يشكل الصحافيين كبش محرقة للقضايا الداخلية للأجهزة الأمنية.

أما مصادرة المجلتين الأسبوعيتين نيشان وتيل كيل في آب/أغسطس 2007 إثر نشر افتتاحية علّق فيها الصحافي أحمد رضا بنشمسي على خطاب العرش الذي ألقيتموه، فتدل على تشنّج نظامكم. وقد أدين هذا الصحافي بتهمة “الإخلال بالاحترام الواجب للملك” استناداً إلى المادة 41 من قانون الصحافة إثر تحفّظه على المسار الانتخابي في حين أنه يطالب، كما مجمل الصحافيين المغاربة، بحق انتقاد النظام السياسي مع أن “التعليق حر” وفقاً لجدكم…

لا يمكننا ذكر هذا الوابل من المآسي التي شهدتها الصحافة المغربية دونما التوقف عند مصير علي لمرابط الممنوع عن مزاولة مهنته منذ 12 نيسان/أبريل 2005 علماً بأن هذا التدبير البالي الرامي إلى كمّ أفواه الصحافيين لا يتناسب مع الفكرة التي نكوّنها عن الديمقراطية.

الواقع أنه يستحيل إحداث أي تغيير من دون التزام به ويتعذّر على أي رئيس وزراء تعيّنونه إصلاح قانون الصحافة من دون موافقتكم أو تدخلكم الشخصي. فلن يعتبره أولوية إلا إذا شجعتموه أنتم على ذلك. وبما أنكم تقولون وتكررون أبداً أنكم تضمنون الدستور والحريات الجماعية والفردية، فيقع عليكم عبء سلوك درب الإصلاحات التي وعدتم بها منذ أعوام.

في هذه الفترة بالتحديد من تاريخ الصحافة المغربية، قد ينقلب الوضع إلى الأفضل أو الأسوأ. ولا يزال مصير هذا القطاع بين أيديكم. فأنتم تتمتعون بالسلطة ولا نزال نجرؤ على الأمل بتوفيركم الحماية لهذه المهنة، والعمل على تحررها، والمساهمة في القضاء على الحواجز التي تعيق نموها. ولا يمكن تحويل هذه الآمال إلى حقائق دونما إخضاع النصوص التي تنظّم عمل الصحافة للإصلاح. أما الرقابة الذاتية فلا تزال النتيجة المباشرة لرفض المسؤولين عن إدارة البلاد تحت سلطتكم إلغاءَ العقوبات من جنح الصحافة.

في النهاية، لا بدّ من القول إن الصحافيين المغاربة ساهموا إلى حد بعيد في صياغة الفصل الجديد من تاريخ المملكة الذي تتولون زمامه. ولا يمكنكم الاستمرار في القبول بمعاملتهم بهذا الازدراء. ينبغي أن تتصرّفوا.

واثقين من أنكم ستولون كتابنا هذا كل اهتمام، تقبّلوا يا جلالة الملك بقبول فائق احترامنا وتقديرنا.

روبير مينار

الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود