ملاحظة الانتخابات تعني تتبع الملاحظين للعملية الانتخابية في كل مراحلها، وفي مختلف أبعادها ومستوياتها، لضمان تحقيق الأهداف التي نظمت من أجلها، وهي بذلك تكتسي أهمية خاصة لأنها تشكل إحدى الضمانات المطلوبة لكي تكون نتائج الانتخابات النهائية مقبولة ومحترمة من قبل جميع المشاركين. هذا ما جعل ملاحظة الانتخابات من المبادئ المقبولة في العديد من أنحاء العالم، بل هذا ما جعلها جزءا لا يتجزأ من العملية الانتخابية والعملية الديمقراطية بصفة عامة. ويمكن أن نميز بين ثلاث مستويات لملاحظة الانتخابات: الملاحظة الدولية والملاحظة الإقليمية والملاحظة المحلية.

إذا كان المغرب مثل العديد من الدول العربية ظل لسنوات يرفض أي مراقبة أو ملاحظة للانتخابات بمبررات من قبيل رفض التدخل في السيادة الوطنية من قبل مراقبين دوليين، ورفض التشكيك في الإرادة السياسية بجعل الانتخابات محطة لمراقبة ملاحظين محليين، فإن الواقع كان يثبت دائما تتبع الانتخابات وملاحظتها من قبل سفارات الدول الأجنبية، ورفع تقارير بشأنها إما سرية أو علنية. ومع التحولات العالمية الأخيرة، ورفع الولايات المتحدة الأمريكية لشعار “دمقرطة العالم العربي”  الذي تثبت الأيام أنه شعار فارغ من أي محتوى- أصبحت بعض الأنظمة العربية لا تمانع في مسألة ملاحظة الانتخابات، مع التفاف واضح يكاد يفرغها من كل جدوى أو مغزى، بل أصبح هناك نوع من الحرص على “الملاحظة المضبوطة” للانتخابات، لأنها تساهم في إضفاء الطابع الديمقراطي على النظام السياسي، وإظهاره بمظهر النظام المنفتح، ثم إن بعض الخروق ذات الطابع التقني والجزئي التي يسجلها الملاحظون في تقاريرهم لا تساهم إلا في تأكيد اعتماد النظام على الشرعية الانتخابية، وتخفي طبيعته الحقيقية التي لا تجعل من الانتخابات إلا آلية لتحديث التسلط والاستبداد.

إذا كان ذلك هو دافع النظام السياسي فإننا لا ننفي، ولا يمكن أن ننفي، أن الكثير من الغيورين والفضلاء بالمغرب يحرصون على ملاحظة الانتخابات، ويجدّون ويجتهدون في ذلك من أجل تحقيق انتخابات حرة ونزيهة.

هو تدافع إذن بين اختيارين، اختيار النظام السياسي الذي يريد “ملاحظة مضبوطة” تكون معها نتائج الانتخابات مقبولة سياسيا واجتماعيا، محليا ودوليا، واختيار بعض هيئات المجتمع المدني التي تريد “ملاحظة حرة” تكون معها الانتخابات حرة ونزيهة. النظام السياسي لا يحرص إلا على القبول دون ربط ذلك بالنزاهة، أما الملاحظون المدنيون فإنهم لا يرون إمكانية لقبول سياسي واجتماعي للانتخابات إلا إذا كانت نزيهة.

هما اختياران متناقضان متعارضان، فيا ترى لمن الغلبة في الحالة المغربية؟

تماشيا مع موجة “الإصلاح في العالم العربي” عرف المغرب في 2002 انتخابات بمواصفات خاصة، لم ترق على أي حال لتشكيل قطيعة مع الممارسات السابقة، منها السماح بملاحظة الانتخابات من قبل ملاحظين دوليين ومحليين، ونفس الأمر ستعرفه انتخابات 7 شتنبر 2007، إلا أن التجربتين معا عرفتا الكثير من العوائق والصعوبات التي تؤكد ضبط الملاحظة الانتخابية في المغرب.

فوصول خبراء دوليين لمراقبة انتخابات 7 شتبر أمر مقبول، ولا علاقة للأمر بمسألة السيادة أو غيرها، لكن هناك عوائق حقيقية تعوق عملهم، فهم لا يعرفون جيدا الواقع السياسي المغربي، وغير مطلعين على المناطق الرمادية في النظام السياسي، والسماح المتأخر لهم جعلهم لا يشتغلون إلا على المراحل الأخيرة في الانتخابات، وجعل درايتهم بالكثير من الأمور سطحية رغم اعتمادهم وسائل ومناهج عمل متطورة، ولعل الظهور الإعلامي لبعضهم في بعض القنوات أكّد ذلك بما لا يدع مجالا للشك. ثم إن عددهم قليل جدا بالمقارنة مع عدد مكاتب التصويت( عددهم52 وعدد مكاتب التصويت38678).

ولا حديث إلى حدود الساعة عن ملاحظة إقليمية للانتخابات بحضور وفود ملاحظة من منظمات إقليمية، كما حدث في الانتخابات الموريتانية، حيث حضر ممثلون عن الجامعة العربية، وعن منظمة المؤتمر الإسلامي…

أما ملاحظة الانتخابات محليا، وهي التي تعنينا بالدرجة الأولى، فيمكن تقسيمها إلى ملاحظة عامة وملاحظة حزبية وملاحظة مدنية، فالملاحظة العامة هي التي يشارك فيها عموم المواطنين من مشاركين وغير مشاركين، من ناخبين ومنتخبين، من إعلاميين وباحثين ومثقفين وغيرهم، وهذه الملاحظة تبقى في عمومها ضعيفة ومحدودة بالنظر إلى الجو العام الذي تمر فيه الانتخابات، بحيث هناك عزوف شديد ولامبالاة حقيقية، فالكثير من المواطنين لا تشكل لديهم الانتخابات حدثا، فأنى لها أن تكون حدثا متميزا يستوجب الملاحظة والتتبع، ولا يمكن أن نستثني في هذا الصدد إلا بعض المنابر الإعلامية التي تتنافس في تتبع الانتخابات وتسجيل ملاحظات بشأنها.

والملاحظة الحزبية للانتخابات هي الأخرى تتسم بعدة نقائص فمن جهة أولى هناك غياب الحرص، إذ أن العديد من الأحزاب انسحبت من معركة نزاهة الانتخابات، وأصبح لا يهمّها إلا عدد الأصوات والمقاعد، ومن جهة ثانية هناك عجز ملحوظ في الأحزاب بسبب ضعفها التنظيمي والجماهيري ، الأمر الذي لا يمكّن أكثرها من الحضور ولو في نصف عدد مكاتب التصويت، وزاد من حدة ذلك غياب أي تنسيق بينها فيما يتعلق بملاحظة الانتخابات، فأحزاب الكتلة مثلا لو انتبهت إلى أمر التنسيق فيما بينها لحضر ممثلوها مختلف مكاتب التصويت، لكن يبدو، وكما سبقت الإشارة، أن الحرص على النزاهة لم يعد ضمن الأولويات.

ويبقى أهم نوع من أنواع الملاحظة المحلية هو ملاحظة المجتمع المدني للانتخابات، انطلق ذلك مع انتخابات 2002 بتشكيل نسيج جمعوي يضم العشرات من الجمعيات، شارك فيه العديد من الفضلاء والغيورين، وتميز بحرصه على الملاحظة الحرة للانتخابات، واجتهاده في تقعيد طرق وأساليب لذلك، وقد استطاع هذا النسيج رغم المضايقات العديدة أن يعد تقريرا عن انتخابات 2002 كان بمثابة صوت حر يخرق التعتيم، ويفند ادعاء النزاهة الذي توافق عليه المشاركون في اللعبة الانتخابية.

ومع ذلك أسجل عدة تحفظات تجعل مراقبة انتخابات 7 شتنبر من قبل هيئات المجتمع المدني هي الأخرى لا تخرج عن دائرة الضبط:

-1- من الخلاصات التي ألح عليها النسيج الجمعوي في تجربته السابقة أنه لا انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية إلا بإعادة النظر في الإطار السياسي والدستوري، ويلاحظ أن انتخابات 2007 تمر في نفس الإطار السابق. ومرة أخرى يكتفي النسيج بملاحظة تقنية، لا تصب في آخر المطاف، إلا في إضفاء الشرعية الانتخابية على النظام السياسي. في هذا الصدد أتساءل ألم يكن باستطاعة النسيج الجمعوي بلورة موقف أكثر شجاعة احتجاجا على استمرار الوضع السابق؟

إن العديد من الدراسات والأبحاث في مجال مراقبة الانتخابات تؤكد على ضرورة الإجابة عن سؤالين أساسين قبل الشروع في أية مراقبة للانتخابات وهما: هل الانتخابات المقصودة جديرة بالمراقبة؟ وهل تجدي المراقبة نفعا؟

فيا ترى هل تم طرح هذين السؤالين أم لا؟ ولنفترض، زيادة في التوضيح، أن انتخابات 7 شتنبر كانت نزيهة ولم يشبها أي تدخل مباشر، وهذا افتراض يظل بعيد المنال رغم كل أشكال التحكم القانوني القبلي، فهل يكفي ذلك لإحقاق الديمقراطية والقطع مع الاستبداد، ونحن نعلم أن هذه الانتخابات لم ولن تفضي في جميع الأحوال إلا إلى مؤسسات شكلية لا سلطة لها ولا قرار؟.

إن سؤال النزاهة يبقى هاما رغم كل المتغيرات المحلية والدولية، لكن الأهم منه هو سؤال الجدوى والمآل. إن العاقل يشتغل ببناء البيت الذي يقيه وأبناءه البرد القارس والحر الشديد قبل أن يشتغل بتعبيد الطريق المؤدية إلى ذلك البيت المفترض، أليس كذلك؟

-2- ألح النسيج الجمعوي أيضا، انطلاقا من تجربته السابقة، على ضرورة الحماية القانونية لعمل الملاحظين، وذلك بمنح عملهم قوة قانونية تحصنهم من المضايقات التي تعرضوا لها في 2002، ومع ذلك يخوض النسيج الجمعوي تجربته الجديدة في غياب أي إشارة قانونية للملاحظين المدنيين، ويكتفي بوعود شفهية، والمطالبة بمذكرة وزارية لتسهيل عمل الملاحظين، وقد صدرت مذكرة بهذا الصدد في الانتخابات السابقة، ومع ذلك لم يكن عمل الملاحظين سهلا، بل إن كثيرا منهم تعرضوا للإذلال والطرد من مكاتب التصويت. ألا يُخشى تكرار التجربة؟

-3- قوة الملاحظة المدنية للانتخابات من قوة المجتمع المدني المشرف على هذه الملاحظة، وقوة هذا الأخير تكمن أساسا في استقلاله عن الدولة، وهذا الأمر في الحالة المغربية أصابته الكثير من الخدوش، فقد رأينا كيف أصبح المفهوم المتداول هو ملاحظة الانتخابات عوض مراقبة الانتخابات، وذلك بإيحاء واضح من الدولة عبر وزارة الداخلية، لأن المراقبة توحي بأن الانتخابات تجري في وضعية تتراوح بين إمكانية نزاهتها وإمكانية تزويرها، أما مفهوم الملاحظة فإن له حمولة أخف، إذ لا يعدو أن يكون الأمر عبارة عن تتبع لانتخابات تمر في أجواء عادية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عمل الملاحظين للانتخابات يتم بتنسيق مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي يظل هيأة غير مستقلة، رغم تصريحات رئيسه، والذي يمكن أن يكون له تأثير واضح على عمل الملاحظين.

-4- من الملاحظات أيضا الإعداد المتأخر، إذ لم يبدأ الحديث عن مراقبة انتخابات 7 شتنبر إلا ابتداء من شهر فبراير الماضي تقريبا، ولم تكن هناك أي استمرارية بعد انتخابات 2002، بل إن الانتخابات الجماعية وانتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين لم تشملها أي ملاحظة انتخابية من أي نوع. هذا الانقطاع لم يساهم في تراكم تجربة حقيقية لنجد أنفسنا أمام خطاب مهادن يؤكد على أن القصد من عملية الملاحظة هو اكتساب الخبرة، قيل هذا في انتخابات 2002 ويقال الآن في انتخابات 2007، وما يدرينا فربما يقال أيضا في انتخابات 2012. إن المطلوب في هيئات المجتمع المدني أن تتسلح بالإقدام وأن تطالب بأرقى ما يمكن، وليس المطلوب منها أن تبرر الاختيارات السهلة، بمبرّرٍ الواقعية وغيرها من المبرّرات الواهية.

-5- بالإضافة إلى ذلك هناك قلة في العدد والعدة، فالنسيج الجمعوي يتحدث عن 3000 ملاحظ بحيث يراقب كل ملاحظ مكتبين للتصويت، ليكون مجموع المكاتب المراقبة هو 6000 مكتب، وهو رقم ضئيل بالمقارنة مع عدد مكاتب التصويت(38687 مكتب)، ثم هل تجدي مراقبة مكاتب التصويت مناصفة؟ ألا يتطلب الأمر حضورا في المكتب طيلة يوم الاقتراع؟ وهل يكفي ملاحظ واحد في كل مكتب؟…

بالنظر إلى كل هذه العوائق الذاتية والموضوعية، وإلى اقتصار ملاحظة الانتخابات في المغرب على المراحل الأخيرة من الانتخابات، عكس ما هو متعارف عليه دوليا بحيث تشمل المراقبة كل مراحل العملية الانتخابية (النظام الانتخابي، البيئة السياسية، التسجيل في اللوائح الانتخابية،التقطيع الانتخابي، الاقتراع، الفرز….)، يمكن التأكيد من جديد أن ملاحظة انتخابات 7 شتنبر لن تخرج عن “الملاحظة المضبوطة”، التي قد تكشف بعض الخروق هنا وهناك، لكن دون أي تأثير على طبيعة النظام السياسي، الذي يبقى الرابح الأول من خلال تسويق “الشرعية الانتخابية”.

قد يرى بعض الناس أن هذه التحفظات ليست إلا خطابا نقديا عدميا موغلا في التشاؤم، وحسبي أن أؤكد بكل وضوح أن ملاحظة الانتخابات أمر هام جدا، متى كانت هذه الانتخابات ذات مدلول وذات رهان حقيقي، ومتى كان الجو العام مطبوعا بالحرية والمسؤولية والتنافس الشريف من أجل الصالح العام، وليس مطبوعا بالقمع والتحايل والتهافت على المقاعد والمناصب. وغرضي الأساس فتح نقاش فكري وسياسي شامل و عميق لا يختزل دور المجتمع المدني في ملاحظة شكلية عابرة، ولا يختزل العمل السياسي في انتخابات وهمية فاترة، ولا يختزل العملية الانتخابية في أشكال وأرقام قد تبدو ساحرة، لكنها لا تقنع أحدا بمن في ذلك معدّوها والنافخون فيها.