“يَاكْ سِيدْنَا هُوَ لِكَايْحْكَم”..

كم كانت جملة بليغة هذه التي قالها أكثر من فلاح مقهور وبدوي بسيط متسائلا عن جدوى “الكرنفال الانتخابي” في المغرب.

وكم عبرت بدقة هذه الكلمات عن عمق المشهد السياسي في البلد وكشفت موقع الحاكم الفعلي وفضحت قواعد “اللعبة الديمقراطية”.

وكم اختزل أصحابها ما خلص إليه الباحثون والسياسيون والخبراء من “لا جدوى” العملية الانتخابية في بلد صناديقها الزجاجية لا تؤدي إلى سلطة حقيقية.

قدر الله لي أن أعاين جزءًا من الحملة الانتخابية، التي “تُسَّخن” فيها الأحزاب السياسية دورتها الدموية الجامدة استعدادا لاقتراع 7 شتنبر “المصيري”، داخل البادية المغربية المهمشة وفي أعماق المغرب المنسي، وسجلت “كفرا” عارما بالسياسة في نسختها المغربية واستصغارا للأحزاب التي “أعطت الدنية” رغبا في منافع زائلة ورهبا من سلطة قامعة.

وحضرت أكثر من نقاش سياسي بين بعض من سكان الدواوير المنسية، وقفت خلالها على عنوان بارز تردد أكثر من مرة بلهجة مغربية دارجة بسيطة “يَاكْ سِيدْنَا هُوَ لِكَايْحْكَم.. فَعْلاَشْ هَادْ الانتخابات”.

وعلى بساطة هذه الكلمات، وبغض النظر عن قول جزء منها إقرارا أم استنكارا، فإنها تحمل في عمقها أزمة السياسة المغربية واختلالها الرئيس بين حاكم غير منتخب ومنتخب غير حاكم.

وفي هذا الصدد يمكننا أن نسجل، سريعا، من خلال مقولة الفلاح المغربي البسيط، والتي يرددها 30 مليون مغربي كل بلغته السياسية، عددا من الملاحظات الجوهرية:

1- في الحكم والمسؤوليةينص الدستور المغربي ويقر الواقع السياسي أن الملك هو الحاكم الفعلي للبلد والمسؤول الأول عن صياغة السياسات العامة والمنفذ الفعلي لها. ويؤكد الجميع، ملكا وحكومة وأحزابا وخبراء ومواطنون، أن السلطة الحقيقية، أو ما يسمى في الفقه الدستوري “حقيقة السلطة”، ممركزة في يد الملك يمارسها بنفسه من خلال الخطب الملكية والمجلس الوزاري والظهائر…، ويفوت جزءً منها لمحيطه القوي ومستشاريه المقربين والنافذين.

فقد جدد القصر، على عهد محمد السادس، اختياره القاطع للملكية التنفيذية وترسيخه الصارم لمنهج الملك الراحل برفضه سياسة الأريكة الفارغة للعرش. وهنا مكمن المفارقة في المغرب، فليس الأمر ملكية برلمانية، كما الملكيات الأوروبية، للملك فيها رمزيته وللمنتخب فيها سلطات تنفيذ البرنامج السياسي المختار، ولا هو إقرار لمبدأ المساءلة السياسية-كما في كل الدنيا- إزاء السلطات والصلاحيات التي لا حدود لها.

إن الفلاح والمواطن عندما يقر بأن الملك هو الحاكم الحقيقي للمغرب، ليستنكر معنى وجدوى الانتخابات، يحجم علنا عن استحضار مبدأ المساءلة خوفا ورهبة من جبروت السلطة وملاحقاتها الأمنية ومتابعاتها القضائية، غير أنه في نقاشاته الخاصة ودردشاته “الأمينة” يعبر عن رأيه بكل حرية مادام سلطان “المقدسات” غائب عنها.

2- في الأحزاب والحملةحقا يتأسف المرء للحالة المترهلة التي وصلتها جل أحزابنا السياسية، أزمة إرادات وعجز برامج وقلة أطر وهجانة قواعد …، وفعلا يشعر الإنسان بنوع من الشفقة على حالها البئيس الذي ارتدته لنفسها وهي تتسول المناصب على أعتاب السلطة بعد أن خلعت ثوب “الكرامة السياسية”.

ولكم هي لقطة معبرة تلك التي تكررت كثيرا ونحن نشاهد إعراض المواطن عن حملات الأحزاب، ورفضه أخذ المنشورات الدعائية أو مواجهته لأصحابها بالقول أن الجميع يسعى لمصالحه الشخصية وأن المسرحية نفسها تتكرر كل خمس سنوات.

ولكم هي “سحرية” قدرة الكثير من الأحزاب، إذ سرعان ما فتحت المقرات وكثر الأعضاء ونشطت القواعد وظهرت الأطر، غير أن أثمان “النضال الحزبي” الراهن بخسة كثيرا، فقد شاع على طول الخارطة السياسية أن الانتماء والتعبئة والصوت الانتخابي يساوي 100 أو 200 درهم أو “زَرْدَة” أو وعد بالعمل.

ولا أفهم أصحاب هذه الوعود السخية، التي توزع صباح مساء، والتي ستغير وجه المغرب عشية يوم الاقتراع وفور ظهور النتائج “الميمونة” وتشكيل الحكومة “المحكومة” وتدشين الأوراش “الموهومة”. لا أفهم صراحة هذه القدرة على التحايل والكذب وجلهم يدرك قبل غيره أن صناديق الاقتراع لن تمكنهم من سلطة حقيقية أو كافية ليوفوا بوعودهم، وأتساءل بأي وجه سيلقى هذا المرشح أو ذلك المواطن بعد خمس سنوات؟ لا أدري.

نعم لا نعمم، فبعض من أصحاب النوايا الحسنة يدخلون معمعان الانتخابات للتغير من الداخل، ويدفعون الشر الكبير بالشر الصغير كما يقولون، لكن الجميع يدرك أن النية الحسنة وحدها لا تكفي، ومن خذلان العقل لصاحبه أن ينخرط الإنسان في لعبة قواعدها مصاغة على المقاس للتحكم في مسار ومآل العملية برمتها.

ففي الساحة قوى ومؤسسات وأفراد ترفض أن تنخرط في عملية تضليل الشعب، وبالإمكان الاصطفاف معها والتفكير سويا في حلول حقيقية وخطوات فعلية لإيقاف مسلسل المهزلة وبناء حقيقي لمغرب متماسك بين أبنائه ومؤسساته.

3- في المواطن والموقفسجل المراقبون لسير الحملة الانتخابية طقسا باردا في أجوائها ونفورا قويا قد يكون غير مسبوق من قبل المواطن على أنشطتها، ورغم الوسائل الدعائية المختلفة للسلطة والأحزاب تحفيزا وتحريضا المغاربة على المشاركة في “الواجب الوطني” بل “والديني” فإن نبض الشارع وصوت المجتمع يدويان في سماء المغرب بطلاق مع الصناديق يوم الاقتراع.

في أحاديث العائلات ودردشات العمل ونقاشات الأصدقاء وتعليقات المنتديات الإلكترونية، يبدي أغلب المغاربة امتعاضا شديدا من الانتخابات وسيرها وجدواها ومصالح أصحابها وتكرارها دون فائدة. في البادية كما في المدينة، وعند المرأة العجوز كما لدى الشاب المعطل، وفي كاريانات سيدي مومن كما في دواوير سيدي بنور، الأغلب متذمر من هذا “الكرنفال” الذي لم يقدم جديدا على امتداد أكثر من 40 سنة منذ أول انتخابات تشريعية سنة 1963 وإلى حدود اليوم.

المواطن المغربي متهمم بمعيشته المتردية وحياته البئيسة وعمله المفقود ومستقبل أبنائه المجهول، لا تشتط به الوعود والأماني الانتخابية لتغيِّبه عن الواقع المأساوي الذي يحياه.

ورغم السياسات المستمرة الرامية إلى تجهيل هذا الشعب وتأبيد الأمية في معظم شرائحه، فإن الجميع يسجل بأن الأمية “الأبجدية” لا تعني بالضرورة أمية سياسية واجتماعية. فللمغربي وعي سياسي كاف لفهم عقلية الساسة وقواعد السياسة. وتشكيل الموقف اللازم من العبث السياسي.

4- في الانتخابات والجدوىإن سؤال جدوى الانتخابات يطرح نفسه بقوة في المغرب، فالملكية هي الحاكم الفعلي للبلد، والأحزاب لا قدرة لها على تحقيق “البرامج” عن طريق المؤسسات “المنتخبة”، والمواطن رافض لمجمل العملية السياسية والانتخابية كما تدار على الطريقة المخزنية، وفي النهاية صناديق الاقتراع لا تقود إلى السلطة الحقيقية.

فما جدوى الانتخابات، إذن؟

لا جواب منطقي هناك، غير تجديد شرعية النظام وتمديد عمر الفساد وخداع الرأي العام، وتقديم صورة للخارج على أن في المغرب “الديمقراطي” شيء اسمه انتخابات.