تعيش أحياء وحارات مدن المغرب وبواديه هذه الأيام سوقا للنفاق، والضحك على الدقون، والمتاجرة بالوعود الكاذبة … والسلعة المعروضة : تسويق الوهم، وهم الاستحقاقات الانتخابية واعتبارها مفصلا في حياة الشعب المغربي المكلوم .. ولعل الصورة التي بات يشاهدها الجميع هو استفراغ كل الجهود والإمكانات المادية والمعنوية من طرف المخزن والأحزاب المشاركة من أجل تحريك الشعور المتجمد لدى المغاربة اتجاه ” أهمية هذه الانتخابات ” .. وهكذا راحت الجوقة المعنية بهذه المسرحية تعرض كل الحركات، وتتحايل بكل السبل للظفر بالرضى والتصفيق دون جدوى .. ثم تُرَغِّب في التصويت ـ وكل السبل لديها مباحة ـ للتغطية على إفلاس هذه السوق، وفشل عروضها ولوحاتها أمام لوحة عريضة رافضة متقززة من المشهد، تشكلها غالبية الشعب المغربي ..

وللمتتبع البسيط أن يتساءل ـ أمام هذه المهزلة التاريخية ـ عن موقع هذه ” الاستحقاقات ” وقيمتها في ميزان الديمقراطية كما هو متعارف عليها لدى الشعوب والنخب التي تحترم نفسها، وترى في كرامة الإنسان رأس مال وعملة ضد الإفلاس ..

أولا = على مستوى الشعارات والرهانات

تعج هذه الحملات الانتخابية بأصناف وألوان من الشعارات والرهانات تُشاكِل تِعداد الألوان التي كتبت بها .. حتى إذا ما طلعت عليها الشمس أصبحت باهتة، وانكشف أنها لم تلامس سطح أوراق صفراء رديئة، فبالأحرى أن تلامس عمق واقع مغربي مزري ومعقد على مختلف الأصعدة … شعارات ورهانات تطفو عند كل موسم انتخابي، ثم تخبو وتنطفئ إذا طُويت خيام المهرجان، وأُغلقت الدكاكين التي انتشرت فجأة كالفطريات، في أحياء ظلت تعيش التهميش السياسي والاجتماعي، وقد كتب عليها أسماء أحزاب لم يُسمع لها حس ولا حركة منذ أن دخلت في سبات دام خمس سنوات ..

شعارات ورهانات كثيرة من قبيل الخيار الديمقراطي والحداثي، واحترام المؤسسات وتقويتها، والتنمية، والشغل، والشباب، والمرأة، والكرامة، والعدل في التوزيع والاستفادة من خيرات البلاد .. وما إلى ذلك من الشعارات التي تُنعش النفس وتبعث على الأمل حين تُغمض عينيك وأنت تسمعها .. حتى إذا ما حاول العقل التصديق أتاه البصر بما لا يُطيق: ضباب جاثم، واختناق اقتصادي واجتماعي .. يُنذر بالسكتة القلبية ..

ولسيدتنا الديمقراطية أن تُسائل أ صحاب هذه الشعارات والرهانات عن وجودهم، وفعلهم، وتأثير مؤسساتهم الحزبية في التخفيف من وطأة الواقع المزري خلال الفترة الممتدة بين المرحلتين التشريعيتين، نقدا، واقتراحا، واحتجاجا، ودعوة للإصلاح، ومؤازرة لجماعات الضغط كيفما كانت .. تسمعه طبقات الشعب لتتفاعل معه قبل أن تسمعه المؤسسات الحاكمة .. وما يتبع ذلك من تواصل دائم .. وسماع لهموم الناس ووجود مادي ومعنوي بينهم .. وإشراكهم في الفعل السياسي، والقيام بدور التوعية والتأطير … عوض انتهاج أسلوب القطيعة، وإغلاق الدكاكين إلى إشعار آخر .. والغياب الخماسي الذي بات مألوفا لدى الشعب المغربي .. بل الأدهى والأمر أن تتفرغ هذه الأحزاب ومن يمثلها للتفرج على جنازة هذه الشعارات والرهانات تذبح من طرف المخزن الحاكم في ساحات الرباط أمام قبة البرلمان تارة، أو قبالة بعض الوزارات والمصالح تارة أخرى، أو أمام المعامل والشركات الموصدة الأبواب بعد أن امتص حديدها الدماء وأكل صدؤها الحقوق .. ولم لا تحت مظلات الاصطياف في المحميات والإقامات الخاصة والعين في منأى عن قوارب تصارع الموج عفوا الموت .. ولا بأس أن يُقدم كل هذا قربانا لآلهة العهد الجديد التي بإشارة منها تجعل للمتبرع موقعا في خارطة ” الاستحقاقات ” .. ولمن يقدم أكثر يفوز عن جدارة واستحقاق ..

ثانيا = على مستوى الآليات

لكي تكتسب استحقاقات ما مواصفات النجاح والمصداقية، وتتحلى تبعا لذلك بالشرعية، فتكون مناط تقدير واحترام الجميع حتى المعارضين والخاسرين والمقاطعين .. لابد وأن تتوفر لها شروط ومقومات تحصنها من النقد الرافض أو التنقيص أو التشهير، وتجعلها مقبولة لدى الرأي العام الداخلي والخارجي ( ولنا في انتخابات هذه السنة في موريتانيا وفرنسا وتركيا خير مثال ) .. لا مستهجنة ممقوتة لدى عامة الشعب والمراقبين داخليا وخارجيا كما كان في الجزائر ومصر وكما نعيشه في المغرب …

وتبعا لهذا يجمع المراقبون والمتخصصون أن النظام المتبع في الانتخابات المغربية ( نظام اللائحة ) وُضع أساسا للحفاظ على مشهد سياسي مغربي مبلقن ومشتت، بحيث لا يمكن لأي طرف فيه تجاوز عتبة 25% من المقاعد فبالأحرى الحصول على الأغلبية .. مشهد مصنوع بدقة، القول الفصل فيه، والكلمة الحسم لمهندسي السياسة المخزنية، خاصة إذا كان هؤلاء هم من يُهندسون التقطيع الانتخابي، ويشرفون على عمليات التسجيل والتصويت وإعلان النتائج وما إلى ذلك ..

ومع هذا كله فإن هؤلاء المهندسين يجدون أنفسهم في مأزق وحرج لا يُحسدون عليه .. وتتداعى آلياتهم وتذوب كأنها أعمدة من الشموع .. أمام رد فعل جماعي غير معلن وغير متفق عليه، لكنه يحتل مساحات عريضة في قناعات الشعب المغربي .. وأصبح واضحا في عزوفه عن التسجيل في اللوائح الانتخابية أو في إعراضه عن سحب بطائقه الانتخابية الموروثة من العهد القديم ( وبعض أصحابها صار من أهل الآخرة) .. أو في تجاوبه مع الحملة الانتخابية .. فقد أوردت جريدة ” المساء ” المستقلة خبرا مفاده أن 28 تجمعا انتخابيا حضره 23 ألف مواطن، بمعنى أقل من ألف مواطن في كل تجمع تحضره أمانة الحزب وقياديوه ورموزه .. كان هذا خلال النصف الأول من الحملة الانتخابية التي تشكل عاملا دافعا ودعامة لحملات الأحزاب في المناطق الأخرى .. برودة في التجاوب مع هذه الحملات تؤشر من الآن على إعراض مسبق عن صناديق الاقتراع، أو النزوع إلى التصويت الاحتجاجي عبر ارتفاع نسبة الأوراق الملغاة كأسلوب يفضله البعض … هذا فضلا عن إقصاء جزء مهم وكبير من الشعب المغربي عن المشاركة من خلال إصرار الجهات المخزنية على القبول بالشروط السياسية القائمة، والتي ينتقدها حتى بعض المشاركين، أو من خلال عدم تسليم وصل الاعتراف لبعضهم .. أو حتى من خلال إقصاء الجالية المغربية في الخارج والتي تُقدر بالملايين ..

ولعروستنا الديمقراطية أن تُسائل القائمين على هذه المسرحية والمشاركين فيها عن نوع العطور التي أعدوها لها، ونوع الحناء التي ستضمخ قدميها، وأشكال ومقاسات الفساتين التي ستُجبر على ارتدائها ليلة ” عرسها المغربي ” وفي مستقبل الأيام ..!!

ثالثا = على مستوى الأخلاقيات

فشل آخر ينضاف إلى السجل الحافل بالإخفاقات التي تطبع المسار السياسي المغربي … ففي الوقت نفسه الذي يتجمع فيه الفعل السياسي خارجيا في تكتلات معدودة ( بضع تكتلات في كل من فرنسا وتركيا مثلا) لتتنافس حول خيارات واضحة مختلفة في مفاصلها عن بعضها البعض .. ينحو المشهد المغربي إلى المزيد من التشتت والتنافس حول ادعاء الأحقية والأسبقية بهذا البرنامج أو ذاك واتهام الآخرين بسرقته … ينضاف إلى ذلك ما أصبح ملاحظا ومنقولا عبر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة من وصف رفاق الأمس بالخونة والوصوليين، وإخوان الدرب بالندالة والتعمية .. كأن لا عهد يربط بين الناس سوى التراشق والتنابز بالألقاب … فعليك السلام يا أُخُوّة المواطنة حين تُداسين بالأنانية، والمصالح الآنية الفردانية، والحسابات الضيقة …! ولكم الصبر ـ وعليكم به ـ يا أهل العدل والإحسان .. يا من تُنادون بالميثاق الجامع ضد العدوان والطغيان .. !

إلا أن الأدهى والأمرـ من كل ما سبق ـ ما أصبح مشاهَدا مكرورا، بل طابعا مميزا للحملات الانتخابية من تعمد وسبق إصرار على توظيف الأطفال القاصرين في قوافل توزيع الأوراق الانتخابية مقابل أجر مادي زهيد .. وفي ذلك إهانة لكرامة الإنسان المغربي عامة، وإجهاز على كرامة وحقوق الطفل .. لتُشكل مثل تلك المشاهد عشرات الآلاف من الطعون الموجهة إلى صدر ما يُسمونه ب”الاستحقاقات ” .. ووصمة عار.. على جبين ” الكبار ” .. الذين ينفقون بالدرهم والدولار.. على أن يخرجوا في حملة تُحرجهم أمام الأنظار ..

آلاف الطعون الأخلاقية، مما ارتكب في حق الصغار، تنضاف إلى مئات من الطعون الإدارية المسجلة في تقرير وزارة الداخلية تُنبئ بأن الخراب قد تمكن من الدار ..!

ولحبيبتنا الديمقراطية أن تتساءل عن إخلاص ” عشاق اغتصبوها في القصور المخزنية “، وحرموها من زواج شرعي مع ” الطبقة الشقية ” .. وعن الزمن الذي يولد لها أطفال أحرار .. وعن مأوى خارج حوانيت ” العهر السياسي ” .. يضمن لها الكرامة والاستقرار ..!!