أفتتح مقالتي بالتذكير بما كانت نشرت منظمات مهتمة بموضوع الرشوة في المغرب، وهي الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة والهيأة الوطنية لحماية المال العام، حيث أكدت أن الرشوة في المغرب أضحت مؤسساتية ومنظمة، وبما كشفت دراسة أجريت في السنة المنصرمة أن ستّين في المائة (60%) من المغاربة كانوا ملزمين بتقديم رشاوى لقضاء أغراضهم الإدارية، وأن القطاعات الحيوية هي القطاعات الأكثر تضررا من الرشوة.

وقد حصلت الأحزاب السياسية والبرلمانيون بالمغرب بحسب الدراسة نفسها على ثلاث نقط ونصف نقطة(3،5) في سلم يتراوح ما بين نقطة واحدة 1(وتعني أن القطاع الحاصل عليها غير متضرر كليا من الرشوة) إلى خمس (5) نقط (وتعني أن القطاع الحاصل عليها بلغ غاية التضرر)، فيما حصلت قطاعات أخرى على نقطة تساوي أو تتجاوز أربع (4) نقط وهي: الشرطة، والعدل، والخدمات الصحية، والمصالح الإدارية العمومية.

ذلك، وكان المغرب قد نزل في ترتيب الدول من حيث تفشي ظاهرة الرشوة إلى الدّرك الثامن والسبعين (78) سنة 2005.

ويتحدث الناس عن الرشوة بما هي فساد إداري يعطل المصالح ويعرقل قضاء الحاجات بغير حق..وهي كذلك.

ندع ذلك جانبا ونتحدث هاهنا عن وجه آخر للرشوة متعلق بإهدار كرامة الموظف حين ندفعه أن يمدّ يده إلى الغير ليأخذ منه عطيّة، فالأمر أقرب أن يكون استجداء.

ربما يتأفف الموظف من تقرير ذلك وينكره، وربما غضب عند سماعه معتبرا ما يبسط يده ليأخذه من يد الناس مقابلا مستحقا لما يقدمه من الخدمة، فلربما تجده يأخذ العطية-الرشوة باعتزاز وافتخار حتى إنه يأخذها على الملإ علنا فلا يتخفى بها ولا يتستر…وهذا غلط منه، فالموظف يعهد إليه بالقيام على خدمة من الخدمات يؤديها لمن وجبت له مقابل أجر من الخزينة يتقاضاه، فلا يجوز له أن يأخذ من الزبون أعطية فوق ذلك ولا يليق به أن يغضب إذا هو قضى بموجب وظيفته في الإدارة خدمة أو عملا من الأعمال فلم يحصل من المستفيد على عوض مادي، ولكن يكفيه من الجزاء منه حسن الشكر وصالح الدعاء، وأن لا يمدّ عيني طمعه إلى ما في أيدي الناس حفظا منه لنزاهة نفسه وشرفها وفرارا بها من مواطن السوء والنقص وحبسا لها من الوقوع في السفساف من الأمر والرذائل…

لكن كيف يستقيم ذلك بينما الموظف مبخوس حقه في الأجرة بحكم ضآلتها، في زمن تنوعت فيه لوازم العيش المادية ومتطلباته من الحاجيات، حتى صار كثير من كمالياته في سالف الزمن ضروريات في ذا الزمن؟

وهل يُضمن تحت “قيظ” دولتنا  لا ظلها- للموظف حق العيش الكريم بما يستوجب العيش الكريم من حاجيات المسكن والملبس والزواج والمركب؟

إن الذي يجيل بصره في أحوال مجتمعنا مدققا وفي حياة الناس متأملا محققا لن تعتم عنه رؤية ما يعاني عامتهم من ضيق ذات اليد ومس الحاجة وما يكابدون من إرهاق الفقر وشدة الفاقة، والموظفون منهم هم من أكثر الشرائح معاناة ومكابدة فيدفعهم ذلك إلى أحد أمرين:

– أولهما طلب السلف بعد السلف حتى يذهب مع السلف ماء الوجه والشرف، وحتى يثقل به كاهلهم فيرهقهم مسكنة وعسرا.

– ثانيهما مدّ اليد إلى الزبون لأخذ العطية-الرشوة، -وهو أشنع وأنكر- جهارا افتخارا أو تسترا على استحياء.. وهم يوهمون أنها استحقاق ليخففوا على أنفسهم نكايتها في نفوسهم.

أو يقولون ذلك لما طبعت عليه أنفسهم من هذا الفعل القبيح بسبب من وجود التكرار المديد فيه مع شيوعه حواليه وبلوغه مبلغ التجذر والتأصل في محيطه. فقد صار الأمر كأنه لازمة لعمل الإدارات، ولقد بات في حكم الضرورة والاستلزام في عقول موظفينا وسلوكهم وبرنامج عماهم اليومي…ولدى الناس.

ولا يكون ذلك إلا من وجود العوز والقلة بسبب إهمال الدولة وضع موظفيها وعدم تهمّمها بحفظ كرامتهم بإمدادهم من الأجر بما يكفيهم ويكفهم عن تملق الناس، مع غياب التربية الإسلامية الإيمانية المهذبة لسلوك الناس عامّتهم الرّادعة لشهوات الأنفس المحّسنة لصفاتها……

إن الفساد الذي يعم أجهزة الدولة مما لم يعد خافيا عن عموم الشعب المغربي، ومما خفي وكان هو أخزى وألعن، هو ما يجعلنا ننسب إلى دولتنا المغربية، المؤسساتية شكلا المخزنية الاستبدادية المستعلية روحا ومعنى وعقلا وتدبيرا وتسييرا، مسؤولية تفشي هذا الوباء الوبيل.

كيف لا ننسب إلى الدولة مسؤولية ذلك ونحن نرى منكر التفاوت الفاحش في الأجور بين من يتقاضى من الأجر من جانب الحاكمين عشرات الملايين شهريا ومن يعيش من المحكومين على أقل من عشر دراهم يوميا، والذي لا يذر لذي لب سليم ذرة شك في أن الماسكين بزمام السلطة إنما يتنافسون في الاستكثار من أموالنا ويفنون أعمارهم في نهبها وانتهابها….ولا يعبأون بعد ذلك بما يكابد غيرهم من عموم الشعب المفقّر من ضنك المعاش….

ولا يكاد يتحدث عن ذلك أحد أو يستنكره فردا أو جماعة سياسية أو إعلامية أو جمعوية ، ويبحث فيه فيكشفه ويفضحه….كأنما ينتظر الجميع انتظارا بليدا أن يطلع علينا من أرض الغرب عقل صحافيين باحثين جريئين ليكشف لنا هول وفظاعة التبذير الرسمي والتلاعب في أموالنا (انظر كتاب: quand le Maroc sera islamiste)، ثم لا يكفي ذلك، فلا يبعث منا أحدا على تحريك ساكن. عجبا!!

إن غياب العدل في القسمة والنصفة في التوزيع هو رأس الفساد ومؤذن بالخراب، فما لم يكن العدل قائما على ميزان القسطاس المستقيم في دولة أي دولة، ومالم تكن الموازين محفوظة بين الناس في توزيع الأموال والأرزاق وفي الحكم والقضاء، سواء في ذلك الحاكم والمحكوم، يشع الفساد في المجتمع ويعمَّ به البلاء، وعلى قدر الاختلال فيها يكون مقدار الاختلال في حياة الناس حتى تختل به معايشهم وعلائقهم وفي التعامل فيما بينهم وفي الإدارة والأسواق والتعليم والأسرة…….

فوجود الفساد مع انتفاء العدل وغياب القسط من جانب الدولة والسلطة المتعلقة بها، ووجود الاستئثار من فئة صغيرة بالأموال بموجب تلك السلطة مع وقوع التبذير فيها وصرفها في غير وجوه النفع والخير والبناء والنماء، ووجود العوز والقلة في جانب الموظفين، يتيح لنا أن نستخلص حتما ولزاما أن دولتنا المغربية : تهدر كرامة موظفيها.

ذلك بما تدفعهم إليه بأنانيتها الجشعة وسوء تدبيرها وعدم اهتمامها من مدّ يد الاستجداء لأخذ العطية-الرشوة.

ثمّ يزيد الحال سوءا وبشاعة أن ترى المترفين المستأثرين بالمال دون الشعب الماسكين بأزمة الحكم من السياسيين والإداريين في مقدمة ركب المرتشين الآكلين أموال الناس بالباطل، وإن ذلك ليثير الريبة من وجود تجاهل “سياسي” بل تستّر على قضايا الارتشاء وفضائحه، ويفسّر ما أشكل على عقل الحليم من ذيوع وبائه في أسلاك الإدارة الدنيا وفي مرافق المجتمع.