الانتخابات التشريعية المغربية على الأبواب، وكل من يهمه الأمر يحاول، كما جرت العادة دائما، أن يجعل منها حدثا مهما ونقلة نوعية في الحياة السياسية، خاصة أمام الاختناق السياسي الذي يعرفه المغرب في العقود الأخيرة.

وإذا كانت نزاهة الانتخابات هي أول ما ينتقد بعد كل دورة انتخابية، فقد تم التركيز خلال الاستعداد لدورة شتنبر 2007 على ضمان النزاهة كوسيلة لدفع الناخبين للتوجه لصناديق الاقتراع بعد المؤشرات المفزعة التي خلفها العزوف عن التسجيل في اللوائح الانتخابية. والواقع أن النزاهة في المغرب ظلت حلما صعب التحقق حتى في أكثر اللحظات إثارة، كتلك التي أعلن فيها الملك الحسن الثاني أنه سينزل بكل ثقله لجعل الانتخابات نزيهة فكانت أسوء انتخابات عرفها مغرب الحسن الثاني. إن النزاهة ليست سببا لنجاح الانتخابات وإنما هي نتيجة جو سياسي تسود فيه ضمانات وشروط الممارسة العادلة التي تجعل لكل الإجراءات الانتخابية جدوى ومعنى، إذ ما الفائدة من نزاهة لا يكون للبرلمان الذي ستفرزه دورا ولا تأثيرا أكثر من برلمان تفرزه انتخابات مزورة .

يجمع كل المراقبين والسياسيين أن نتائج الانتخابات تكاد تكون واضحة المعالم؛ حصول مجموعة من الأحزاب على عدد مقاعد متقاربة لا تمكن أي حزب من تشكيل حكومة متجانسة وبالتالي يكون اللجوء إلى تحالفات لا يفسرها أي منطق سياسي أو عقلاني أو حداثي تقدمي، هذا التحالف يتحكم في إدارته الملك الذي يتدخل بقوة صلاحياته الدستورية فيعين الوزير الأول ويوافق على الحكومة التي يقترحها عليه.

ثم تعمل الحكومة على تطبيق برنامج الملك الذي يعرضه في أول جلسة للبرلمان المنتخب أمام أنظار النواب وفوق مسامعهم دون أن يخضع لأي نقاش حسب ما ينص عليه الدستور، ثم تتكفل جرائد الأحزاب المشاركة في الحكومة بالترويج لروعة البرنامج وضخامة المنجزات في حين تتكفل جرائد من يلعب دور المعارضة في نقد سوء التنفيذ وقلة الجدية في تطبيق البرنامج المسطر. وتعمل مؤسسات موازية للوزارات على تنفيذ قرارات لا يتخذها لا البرلمان ولا الحكومة.

إن هذا الوضع الذي عاشه المغرب لسنوات عديدة لا توجد أية مؤشرات تنبئ بإمكانية تغييره، ويؤكد ذلك  على سبيل المثال  سقف التغيير الدستوري الذي يقترحه اليازغي زعيم ما تبقى من الاتحاد الاشتراكي حين صرح على قناة الجزيرة أن حزبه لا يطمح لتقليص صلاحيات الملك ولكن يسعى لتوسيع صلاحيات الوزير الأول، وهو أمر يثير الكثير من الأسئلة، إذ من أين سيحصل للوزير الأول على صلاحيات جديدة؟ ممن ستنزع ؟ من البرلمان ؟ أم من وزراء بدون حقائب ؟ أم من الشعب ؟؟؟؟

إن المعرفة المسبقة بما سيحدث بعد انتخابات شتنبر 2007 هو ما دفع المواطنين إلى العزوف عن التسجيل ، وهو نفسه ما سيدفعهم إلى العزوف عن التصويت، وليس في ذلك أي انتقاص لوطنيتهم، بل إن موقفهم يعبر عن حب عميق لبلدهم وعن رغبة في إيقاف هذه المهزلة الدورية، أو على الأقل هي صرخة يؤكدون من خلالها أنهم غير معنيين بما يجري وأيضا أنهم غير مسؤولين عن نتائجه وإن كانوا يوقنون أنهم أول ضحاياه.

إن “العرس الانتخابي المغربي” هو احتفال بزواج تغيب فيه العروس ويهجره المدعوون ويعزف فيه العريس سمفونية على أوتار متراخية تصم الآذان وتزعج الجيران وتفضح عجز البنان عن عزف غيرها. إن موجة الصقيع يسبقها البرد القاسي، وإن برودة الحملة الانتخابية لا تبشر إلا بصقيع سياسي يأتي على ما تبقى من البشر والشجر وربما حتى الحجر.